كيف أثر الصراع الإيراني الإسرائيلي على التصنيف الائتماني لدول المنطقة؟

يُعد الصراع الإيراني الإسرائيلي أحد أبرز الصراعات الجيوسياسية التي تؤثر على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ويمتد تأثيره إلى العديد من المجالات، بما في ذلك المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، كما يظهر تأثيره الواضح على التصنيف الائتماني لدول المنطقة، حيث يُعتبر الاستقرار السياسي والأمني من العوامل الأساسية التي تحدد قدرة الدول على سداد ديونها وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وفقًا للخبراء، فإن الصراع الإيراني الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على التصنيف الائتماني لدول المنطقة، وذلك من خلال عدة جوانب، أبرزها زيادة المخاطر الجيوسياسية، والتأثير على أسعار النفط، والضغط على الدول لزيادة الإنفاق العسكري، لهذا يُعتبر الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي أمام هذه التحديات من أهم العوامل التي تحدد التصنيف الائتماني للدول، مما يؤثر على قدرتها على جذب الاستثمارات وسداد ديونها.

ستاندرد آند بورز تحذر من الصراع

حذرت وكالة التصنيف الائتماني “إس آند بي” (S&P) من أن التوسع المحتمل للصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على التصنيف الائتماني لدول المنطقة، في ظل الترقب المتزايد لاحتمال قيام إسرائيل بهجوم على إيران، واستمرار الحرب في جنوب لبنان وقطاع غزة.

في بداية الشهر الحالي، خفضت “إس آند بي” التصنيف الائتماني لإسرائيل للمرة الثانية هذا العام، حيث تراجع التصنيف من “+A” إلى “A” مع الإبقاء على النظرة المستقبلية السلبية، وذلك نتيجة ارتفاع حدة المخاطر الجيوسياسية والأمنية المحيطة بإسرائيل. وفي الشهر الماضي، قامت وكالة “موديز” أيضًا بخفض تصنيف إسرائيل من “A2” إلى “Baa1″، مع الإبقاء على نظرتها السلبية للتصنيف.

ووفقًا لتقرير صدر عن وكالة التصنيف، فإن الصراع في المنطقة أصبح أكثر تعقيدًا بشكل كبير، ما يجعل من الصعب التنبؤ بتداعياته، كما يتوقع أن يستمر هذا الصراع إلى العام المقبل، مما قد يؤدي إلى تأثيرات طويلة الأمد على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية.

تكلفة الصراع على المنطقة

قدر المسؤولون في إسرائيل أن تكلفة الحرب قد تصل إلى حوالي 66 مليار دولار بحلول نهاية العام المقبل، أي ما يزيد عن 12% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، علمًا أنّ الإنفاق العسكري بلغ حوالي 25.9 مليار دولار حتى أغسطس الماضي، مما أسفر عن تضخم العجز في الميزانية الإسرائيلية ليصل إلى 8.3% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى الـ 12 شهرًا الماضية، وفقًا لما أعلنته وزارة المالية.

وقد شمل الصراع في المنطقة العديد من الضربات بالوكالة، وهي ضربات تتضمن تهديدات تعوق أو تمنع مرور الشحن عبر الممرات الاقتصادية والتجارية ذات الأهمية العالمية غالبًا، مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب. ومن المعروف أن مضيق هرمز يمثل ممرًا يمر عبره حوالي 25% من الإنتاج العالمي اليومي للنفط.

سيناريوهات الضغوط المحتملة

الضغوط الضعيفة: في هذا السيناريو، يستمر التصعيد بين إيران وإسرائيل على المدى القصير، لمدة أقل من ثلاثة أشهر، وبالتالي تكون التأثيرات على التصنيفات الائتمانية لدول المنطقة محدودة.

الضغوط المعتدلة: يتمثل هذا السيناريو في سلسلة من الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل التي تهدد الأمن الإقليمي، وأن تستقر هذه الهجمات خلال فترة تتجاوز ثلاثة أشهر. في هذا السياق، تكون التأثيرات على النمو الاقتصادي، وأسعار الطاقة، وطرق التجارة مؤقتة ويمكن التعامل معها، مع تأثيرات محدودة على المؤشرات المالية والحصول على الائتمان من الخارج.

الضغوط الكبيرة: يتطور الصراع في هذا السيناريو إلى سلسلة متواصلة من الهجمات الكثيفة بين إسرائيل وإيران، مما يؤدي إلى تأثير ملموس على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي؛ بما يتضمن تعطلًا لفترة طويلة في طرق التجارة، مما قد يستدعي تدخل دول أخرى خارج المنطقة، وبهذا الشكل ستزداد الضغوط على قنوات النقل وأسعار الطاقة، إلى جانب ارتفاع نفقات الأمن وتراجع تدفقات السياحة ورأس المال إلى الخارج.

الضغوط الشديدة: في هذا السيناريو الأكثر خطورة، يتدخل حلفاء من داخل وخارج المنطقة في الصراع، مثل الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج إلى جانب إيران وأذرعها المدعومة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، مع مخاطر كبيرة على أحجام الصادرات بسبب استمرار التهديدات التي تواجه طرق التجارة، وبالتالي إلى ضغوط متزايدة على المؤشرات المالية والاقتصادية للكيانات السيادية في المنطقة.

التصنيف الائتماني لدول منطقة الصراع

في تعليقٍ له على التقرير، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن استمرار الصراع الإيراني الإسرائيلي يزيد من المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة تعاني بالفعل من عدم استقرار سياسي وأمني في عدة دول.

وأضاف شوقي أنّ هذه المخاطر تؤدي إلى تراجع الثقة لدى المستثمرين الأجانب، ما يؤثر سلبًا على قدرة الدول على جذب الاستثمارات الخارجية الضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي، فعندما يشعر المستثمرون بأن هناك خطرًا كبيرًا بسبب الحروب أو الصراعات المسلحة، يقل حماسهم للاستثمار في البنية التحتية أو المشاريع الكبرى، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع التصنيف الائتماني لتلك الدول.

اضطرابات إمدادات النفط

وفقًا لشوقي، بما أن العديد من دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، فإن أي تصعيد في الصراع الإيراني الإسرائيلي يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في إمدادات النفط العالمية؛ وذلك عن طريق رفع أسعار النفط على المدى القصير بشكل يفيد بعض الدول المنتجة للنفط، ولكن التأثير الطويل الأجل قد يكون مدمرًا، حيث يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار المستمر إلى تقلبات حادة في الأسواق العالمية، وهذه التقلبات ستؤثر بدورها على استقرار الاقتصاديات المعتمدة على النفط، وتذبذب الإيرادات الحكومية، مما قد ينعكس سلبًا على التصنيف الائتماني.

ويعتبر التصنيف الائتماني مقياسًا لقدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية. وعندما تزداد المخاطر السياسية والجيوسياسية بسبب الصراعات، تتجه وكالات التصنيف الائتماني مثل “موديز” و”ستاندرد آند بورز” إلى تخفيض التصنيفات الائتمانية للدول المتأثرة. هذا يعني أن تلك الدول ستضطر إلى دفع فوائد أعلى على القروض التي تحصل عليها، مما يرفع من تكاليف الاقتراض ويزيد من الأعباء المالية على الميزانيات العامة.

تأثير الصراع على دول الجوار

أكد الخبير أن الصراع الإيراني الإسرائيلي لا يؤثر على الدول المعنية بشكل مباشر فحسب، بل يمتد تأثيره ليشمل دول الجوار، فعلى سبيل المثال، قد تواجه دول الخليج التي تعتبر شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة تحديات أمنية واقتصادية إذا اندلع صراع مباشر بين إيران وإسرائيل، مما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على التصنيف الائتماني لدول الخليج إذا ما زادت الأعباء الدفاعية أو انخفضت إيرادات النفط نتيجة للهجمات على البنية التحتية النفطية.

واختتم الخبير حديثه مؤكدًا  على أن التوتر المستمر بين إيران وإسرائيل يدفع العديد من دول المنطقة إلى زيادة إنفاقها العسكري والدفاعي تحسبًا لأي تصعيد محتمل، وهذا يأتي عادة على حساب الإنفاق على القطاعات التنموية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، كما أن تراجع الإنفاق التنموي يمكن أن يؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، مما يزيد من احتمالات خفض التصنيف الائتماني لتلك الدول نتيجة لتراجع قدراتها الاقتصادية والاجتماعية.

اقرأ أيضًا: مضيق هرمز تحت تهديد التوترات الجيوسياسية

سياسة المقرض للمقترض

من جانبه قال الدكتور محمد عبد الهادي خبير أسواق المال، إن وكالات التصنيف الائتماني تستهدف تحديد معايير عدة منها القدرة المالية ومدى الالتزام بالسداد ومدى الاستقرار المالي والسياسي والاقتصادي، وبالتالي في ظل وجود توترات جيوسياسية في محيط الدول التي تقترض، فإن وكالات التصنيف تضع سيناريوهات محتملة وتفترض الأسوأ حتى يثبت العكس، وهذه هي سياسة المقرض للمقترض حتى في اقتراض الأفراد من المؤسسات أو البنوك.

وفي سابقة من نوعها، خفضت وكالة التصنيف موديز التصنيف الائتماني الإسرائيلي نتيجة للحرب على قطاع غزة وتداعياتها، فارتفعت أعباء الدين في إسرائيل كنتيجة حتمية لتوجه الاقتصاد الإسرائيلي إلى اقتصاد الحرب وتوقف كافة مصادر الإنتاج وانخفاض معدلات الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي حتى في وجود دعم الولايات المتحدة الأمريكية .

أوضح عبد الهادي أن اتساع التوترات وعدم التهدئة في محيط الشرق الأوسط يفرض على المؤسسات خفض التصنيف، موضحاً  أن وكالات التصنيف الائتماني تعتبر قراراتها بمثابة تقييم لقدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها ومدى جدارتها الائتمانية، حيث تقدم مؤشرات للمقرضين حول المخاطر المحتملة في حالة حدوث تداعيات إقليمية أوسع.

هذه التداعيات تصنفها الوكالات إلى مستويات مختلفة: منخفضة، أو متوسطة، أو عالية، أو شديدة، وبالتالي فهي تلعب دورًا هامًا في تحذير الدول من التعامل المباشر في الأوضاع غير المستقرة، وتحذر المؤسسات المالية من تقديم القروض للدول التي قد تتعرض لتداعيات جيوسياسية أو اقتصادية ناتجة عن الصراعات.

خارطة طريق هامة

يرى محلل أسواق المال أن تقارير وكالات التصنيف الائتماني تعد خارطة طريق هامة لرسم السياسات الائتمانية للدول، فهي تحدد درجة خطورة التعامل مع المناطق التي تشهد تصعيدًا، كما أنّ الوكالات توصي بتوخي الحذر حتى تثبت استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في تلك المناطق، وبعد ذلك يمكن أن تنعكس تلك التحسينات على الأوضاع الاقتصادية.

واختتم عبد الهادي قائلاً: “من هذا المنطلق، يتعين على الدول المحيطة بمناطق التوتر أن تأخذ هذه التقارير بجدية، لأنّها تؤثر بشكل مباشر على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وإذا لم تتم معالجة هذه التوترات بسرعة، فقد تشهد تلك الدول تراجعًا في معدلات النمو الاقتصادي وتفاقمًا للأزمات.

لذلك، فإن الدول التي تعاني من الصراعات يجب أن تحاول فرض التهدئة، لتجنب تدهور أوضاعها الاقتصادية والدخول في سيناريوهات أكثر سوءًا، وفقًا لما تحذر منه المؤسسات الدولية.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة