أربع سنوات من بايدن.. كيف تغيّرت أميركا؟
تقرير: باسل محمود
مع مرور 4 سنوات على تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة في يناير 2021، تبدو صورة أمريكا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وعلى الرغم من أنّ إدارة بايدن وعدت بالعودة إلى الاستقرار والازدهار بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدتها البلاد في عهد سلفه دونالد ترامب، إلّا أنَّ واقع الأمور يعكس تحولًا شاملاً في العديد من المجالات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، وفق تقارير صحف أجنبية.
التضخم.. التحدي الأكبر لإدارة بايدن
كانت مشكلة التضخم من أبرز القضايا الاقتصادية التي واجهت إدارة بايدن؛ ففي الأشهر الأولى من فترة حكمه كان الاقتصاد الأمريكي يعاني من آثار جائحة كوفيد-19 التي أغلقت المصانع وأضعفت سلاسل التوريد، مما أسفر عن ارتفاع أسعار السلع بشكل متسارع ليصل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أكثر من أربع عقود.
وبينما كان التضخم في عهد ترامب قد بلغ 7.1% خلال السنوات الأربع الأولى، ارتفع تحت إدارة بايدن بنسبة 20.1% في أول 45 شهرًا من حكمه، وقد تضمنت هذه الفترة تضخمًا سنويًا بلغ 9% في عام 2022، وهو أعلى مستوى منذ بداية الثمانينيات. وعلى الرغم من أن بايدن وأعضاء إدارته عزوا ذلك إلى آثار الجائحة والحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أن الأمركييين شعروا بالأثر المباشر لارتفاع الأسعار على تكاليف المعيشة اليومية.
ورغم تراجع التضخم إلى 3% في عام 2023 بعد تدخلات من الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، إلا أن آثار الارتفاع في الأسعار كانت واضحة على حياة المواطن الأمريكي، خاصة في السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة.
مبادرة البنية التحتية.. بايدن يتعهد بجمع 600 مليار دولار .. اقرأ التفاصيل!
سوق العمل في عهد بايدن
كان أداء سوق العمل أحد الأرقام المشرقة في فترة بايدن، فمنذ توليه منصبه شهد سوق العمل الأمريكي إضافة أكثر من 12 مليون وظيفة، ما أدى إلى انخفاض معدل البطالة، من 6.7 إلى 4.1% بحلول نهاية عام 2023.
هذه الزيادة كانت مدفوعة بالانتعاش الاقتصادي بعد جائحة كوفيد-19، حيث كانت الوظائف التي تم خلقها جزءًا كبيرًا من تعافي السوق بعد الانكماش الكبير في بداية الجائحة، لكن رغم هذه الأرقام الإيجابية لم تكن الصورة مثالية تمامًا.
لكن يشير بعض الاقتصاديين إلى أن جزءًا كبيرًا من الوظائف التي تم استعادتها كانت وظائف ذات أجور منخفضة، مما يعني أن الزيادة في الوظائف لم تصاحبها زيادة متناسبة في الأجور، ورغم أن متوسط الأجور ارتفع بنسبة 19% خلال هذه الفترة فإن التضخم كان أسرع بكثير من هذه الزيادة.
كما أن هناك مؤشرًا آخر قد يثير القلق، وهو ضعف بعض القطاعات في سوق العمل التي بدأت تظهر بوادر من التباطؤ، خاصة في الصناعات التي تتطلب مهارات فنية ومتخصصة.
الاقتصاد في عهد بايدن
من الناحية الاقتصادية، سجَّل الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في عهد بايدن أداءً قويًا في البداية؛ فخلال أول ثلاث سنوات من رئاسته سجل الاقتصاد الأمريكي نموًا بمعدل 3.5% سنويًا، وكان نمو عام 2021، الذي بلغ 5.9%، يعد من أقوى معدلات النمو منذ عقود، لكن هذا النمو لم يكن مستدامًا، حيث تراجعت المعدلات في 2022 و2023 إلى 1.9% و2.5% على التوالي.
يمكن تفسير هذا النمو المبكر على أنه نتيجة لتعافي الاقتصاد من الجائحة، مع الاستفادة من التحفيزات الحكومية الهائلة، وبرامج الإغاثة التي كان قد أطلقها بايدن، لكن هذا النمو تزامن مع تباطؤ في بعض الأسواق العالمية، مما أثر على النمو الاقتصادي في العامين الأخيرين.
اقرأ أيضًا: تحديات اقتصادية كبيرة تواجه إدارة ترامب .. كيف يواجهها؟
أسعار الوقود في ولاية بايدن
شهدت أسعار الوقود ارتفاعًا غير مسبوق في عام 2022 بعد غزو روسيا لأوكرانيا، حيث بلغ سعر الجالون من البنزين في الولايات المتحدة أكثر من 5 دولارات، وهو ما أثر بشكل كبير على الأسر الأمريكية. ورغم أن الأسعار انخفضت تدريجيًا إلى نحو 3.10 دولارات للجالون بحلول 2023، إلا أن الارتفاعات التي شهدتها أسعار الوقود كانت تؤرق الأمريكيين، لا سيما في ظل الاقتصاد المتقلب.
رغم محاولات إدارة بايدن لتخفيف العبء على المواطنين عبر بعض السياسات مثل الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية، إلا أن الثقل الذي حملته أسعار الوقود على الأسر ما زال موضوعًا محوريًا في تقييم سياسات الإدارة.
الهجرة.. تحديات إدارة بايدن
كانت سياسة الهجرة جزءًا كبيرًا من خطاب بايدن في بداية رئاسته، حيث سعى إلى معالجة قضايا الهجرة غير الشرعية وتقديم حلول إنسانية للاجئين، إلا أنّ مستويات الهجرة غير الشرعية ازدادت شكل كبير خلال فترة حكمه.
وفي حين أنَّ إدارة بايدن قدمت بعض الإصلاحات في قوانين الهجرة، إلا أن الانتقادات حول عدم قدرة الحكومة على السيطرة على الوضع على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة تزايدت بشكل ملحوظ، خاصة مع ارتفاع أعداد المهاجرين الوافدين.
في المقابل، شهدت الولايات المتحدة تقليصًا لعدد الحاصلين على تأشيرات دخول وتصاريح إقامة، كما سعى بايدن لتوسيع نطاق برامج حماية طالبي اللجوء، لكن الاختلافات الحزبية حول هذه القضية جعلت منها نقطة جدل مستمر في الساحة السياسية.
الصحة والرعاية الاجتماعية.. سياسة موحدة أم معركة مستمرة؟
من أبرز القضايا التي تعاملت معها إدارة بايدن كانت قضية الرعاية الصحية؛ فمنذ بداية فترة حكمه كان بايدن قد تعهد بتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية لجميع الأمريكيين.
ورغم أن نسبة الأشخاص الذين يحصلون على تأمين صحي قد زادت بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، إلا أن التكاليف المرتفعة للرعاية الصحية ما زالت تمثل عبئًا كبيرًا على المواطنين، خاصة مع ارتفاع تكاليف الأدوية والعلاج.
قد يهمّك أيضًا: هل ينهي ترامب الحرب الروسية الأوكرانية؟
الدين العام.. تهديدات اقتصادية قد تزعزع الاستقرار
أحد أكبر التحديات التي واجهتها إدارة بايدن هو ارتفاع الدين العام الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق، إذ بلغ 35.8 تريليون دولار، بزيادة 29% منذ بداية فترة حكمه، ما يمثل تهديدًا للمستقبل الاقتصادي للولايات المتحدة، حيث أثار قلق العديد من المحللين حول قدرة الحكومة الأمريكية على سداد هذه الديون دون التضحية بالبرامج الاجتماعية الأساسية.
أربع سنوات من حكم جو بايدن أظهرت أن الولايات المتحدة قد حققت بعض الإنجازات في مجالات مثل الاقتصاد وسوق العمل، لكنها واجهت أيضًا تحديات كبيرة في مجالات أخرى مثل التضخم والسياسة الخارجية؛ فعلى الرغم من ارتفاع معدلات التوظيف، وعودة بعض الاستقرار الاقتصادي، إلا أنّ الاختلالات التي ظهرت في بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أن التحديات ما زالت تفوق الإنجازات.
