أطلقت أزمة إيران وإغلاق مضيق هرمز موجة اضطراب عالمية في أسواق الطاقة، أسهمت في التحوُّل سريعًا نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وهما قطاعان تسيطر فيهما الصين على نحو 70% من الإنتاج العالمي، وما يقرب من 85% من إنتاج البطاريات، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
وكان الجزء الأكبر من النفط والغاز الذي يعبر مضيق هرمز، والذي أصبح الآن مغلقًا في معظمه، يتجه إلى آسيا، لكن رغم أن معظم دول آسيا تضررت بشدة فإن الصين -المشتري الرئيس للنفط الإيراني- قد تستفيد من أزمة الوقود الأحفوري، وذلك من خلال الطلب المتزايد على منتجاتها المستدامة.
النهج الصيني المستدام يثبت جدارته
كانت هيمنة الصين على تكنولوجيا الطاقة المتجددة تتسع قبل اندلاع الصراع الإيراني في أواخر فبراير، مع تراجع دور الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب في هذا المجال، واعتمادها على مواردها الضخمة من النفط والغاز الطبيعي لتعزيز صادرات الطاقة وتحقيق ما وصفه ترامب بـ”هيمنة الطاقة”.
ومع التطورات العالمية، باتت شركات صناعية صينية كبرى، مثل “BYD”، و”كونتمبوراري أمبيركس تكنولوجي”، في موقع قوي للاستفادة من ارتفاع الطلب على سلع الطاقة منخفضة الانبعاثات، بينما يتعامل العالم مع هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وفي هذا الصدد، قال سام رينولدز، من معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، إن الصراع الإيراني “أثبت تمامًا صحة النهج الصيني في تطوير قطاع الطاقة والجغرافيا السياسية”. كما قال لي شو، مدير مركز المناخ الصيني في معهد سياسات جمعية آسيا، إن “الصين تقف في طليعة هذا المجال أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وبالتأكيد أكثر من الولايات المتحدة”.
وكان الرئيس الصيني، قبل أكثر من عشر سنوات، قد ربط أمن الطاقة بالأمن القومي، ومنذ ذلك الحين كثفت الصين تركيزها على الطاقة المتجددة، رغم أن الوقود الأحفوري لا يزال يهيمن على مزيج الطاقة المحلي.
اقرأ أيضًا: كيف تتعامل الصين مع أزمة إغلاق مضيق هرمز؟
المستثمرون يراهنون على نمو الطاقة المتجددة
تعد الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، وقد دافعت بقوة عن الغاز الطبيعي المسال، أما نهج ترامب الذي لُخص بعبارة “احفر، يا عزيزي، احفر” فيدعم بصراحة الوقود الأحفوري على حساب الطاقة المتجددة. وكانت الأسواق قبل الصراع تشهد ما وصفه رينولدز بـ”الانقسام”، حيث كانت القوتان العظميان تروجان لمستقبلين مختلفين جدًا للطاقة، بينما تُترك الدول الأخرى أمام خيارات صعبة بشأن الطريق الذي ستتبعه.
واليوم جاء الصراع الإيراني ليرفع الطلب على التكنولوجيا الصينية، ففي الشهر الماضي بلغت شحنات الصين من الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية مستوى قياسيًا عند 22.3 مليار دولار، بزيادة تقارب 47% عن العام السابق، وفقًا لمركز الأبحاث إمبر، مع توجه جزء كبير من هذه الشحنات إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا.
ومن المرجح أن تزيد الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، خاصة الدول الأوروبية، استثماراتها في الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات، وفقًا لفيتش للتصنيفات الائتمانية.
كما يراهن المستثمرون على أن الصراع سيعزز الطلب على الطاقة المتجددة، فقد قفزت أسهم “كاتل” و”BYD” المتداولة في هونغ كونغ بنسبة 24% و11% على التوالي في مارس.
صدمة الوقود تضغط على صناعة السيارات الأمريكية
كانت شركات السيارات الصينية قد كثفت بالفعل تطوير وإنتاج السيارات الكهربائية، وزادت صادراتها بوتيرة أسرع من منافسيها في الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الأخيرة، مدعومة بنماذج أرخص وحضور متنامٍ في أسواق مثل جنوب شرق آسيا.
وفي هذا الخصوص، تقول آمي مايرز جافي، من مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، إن “صدمة الطاقة ستدعم الصناعة الصينية وتضر بصناعة السيارات الأمريكية على المستوى العالمي، لكن في السوق الأمريكية الأمر مختلف، فقد أبقت الرسوم الجمركية المرتفعة السيارات الكهربائية الصينية خارج السوق فعليًا”.
وقال كريس ليو، من شركة أومديا للأبحاث والاستشارات، إن “ارتفاع أسعار الوقود قد يساعد أيضًا في دفع نمو “BYD” داخل الصين”.
قد يهمّك أيضًا: تحليل أبعاد قرار الصين بإلغاء الرسوم عن واردات إفريقيا
الطاقة المتجددة تنقذ اقتصاد باكستان
قال جيمس بوين، من شركة الاستشارات الأسترالية “ري ماب ريسيرش”، إن الأسر التي تواجه ارتفاعًا في فواتير الطاقة يُرجح أن تتحول إلى الكهرباء النظيفة، وتقدم باكستان مثالًا مبكرًا على ذلك، فقد شمل نشر الطاقة المتجددة لديها منذ 2017 أكثر من 50 غيغاواط من الألواح الشمسية الصينية بحلول ديسمبر 2025.
ولا تزال باكستان تستورد ثلث احتياجاتها من الطاقة، وكان نحو 80% من نفطها يمر عبر مضيق هرمز، كما كانت قطر تزودها بخُمس احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال. وقال نبيّة عمران، من مؤسسة “رينيوابلز فيرست”، إن “الصدمة ليست كبيرة كما كان يمكن أن تكون لولا الطاقة الشمسية”.
ما يُصادق على قول عمران تقارير مركزي الأبحاث “رينيوابلز فيرست” ومركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، التي تتوقع أن توفر الطاقة الشمسية لباكستان 6.3 مليار دولار من واردات الوقود الأحفوري خلال العام المقبل، إذا ظلت الأسعار مرتفعة.
بريطانيا ترى طلبًا أعلى على السيارات الكهربائية
ارتفع الطلب على تأجير السيارات الكهربائية في المملكة المتحدة بنحو الثلث تقريبًا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من مارس، مقارنة بفترة مماثلة في فبراير قبل اندلاع الصراع، وفقًا لشركة الطاقة المتجددة “أوكتوبس إنرجي”. كما أعلنت “أوكتوبس” زيادة في مبيعات ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل، وارتفاعًا في الاستفسارات المتعلقة بالطاقة الشمسية.
وقال باتريك تان، من شركة “أورورا ريسيرش” لاستشارات الطاقة، إن “الارتفاعات طويلة الأمد في أسعار الوقود قد تصبح محفزًا مستقبليًا للسيارات الكهربائية، لكن الأمر سيستغرق وقتًا قبل أن يظهر هذا الاتجاه في المبيعات لأن المشترين ينتظرون على الأرجح لمعرفة مسار النزاع”.
أكبر مصدر للفحم يتوسع في الطاقة النظيفة
في جنوب شرق آسيا، تقدم شركة “فين فاست” الفيتنامية حوافز تهدف إلى تخفيف أثر صدمات أسعار الوقود، أما إندونيسيا -أكبر مُصدّر للفحم في العالم- فتتحول بطريقة قد تجعلها مشترٍ أكبر لتقنيات الطاقة النظيفة الصينية.
في مارس قال الرئيس الإندونيسي إنه يخطط لدخول قطاع السيارات الكهربائية، بما في ذلك تصنيع سيارات كهربائية وتوسيع البنية التحتية للشحن. وقال بوترا أديغونا، من معهد تحول الطاقة في جاكرتا، إن “هناك اهتمامًا مفاجئًا ومتزايدًا بالنقل الكهربائي”.
والشركات الصينية تحظى بحضور كبير في سلسلة توريد الطاقة المتجددة في إندونيسيا، فقد تفاوضت على صفقات تتجاوز قيمتها 54 مليار دولار مع شركة الكهرباء الحكومية في 2023، وأضافت تعهدًا بقيمة 10 مليارات دولار خلال زيارة الرئيس الإندونيسي إلى بكين في 2024.
اقرأ أيضًا: تأثير اضطرابات هرمز على اقتصادات أفريقيا.. طاقة مرتفعة وغذاء مهدد