أزمة الاقتصاد اللبناني 2026.. انكماش حاد ودعم دولي مرتقب
يستعد البنك الدولي لإعادة تفعيل برامجه التنموية في لبنان، لدعم الاقتصاد خلال مرحلة ما بعد الحرب، وقد أكد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا أن عددًا من البرامج كان قد تم تعليقها منذ اندلاع النزاع، ويجري حاليًا العمل على استئنافها، خاصة تلك المرتبطة بخلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية ودعم الحماية الاجتماعية.
وأشار إلى أن لبنان وقع بالفعل اتفاق تمويل بقيمة 200 مليون دولار ضمن برنامج “أمان” لدعم الأسر الأكثر احتياجًا، مؤكدًا استمرار المشاورات لتحديد حجم التمويل المطلوب لإعادة الإعمار، بناءً على تقييم شامل للأضرار، بما يشمل مساهمة القطاعين العام والخاص.
سيناريوهات الانكماش الحاد للناتج المحلي اللبناني
في الوقت نفسه، حذر معهد التمويل الدولي من أن الاقتصاد اللبناني يتجه نحو انكماش حاد في عام 2026؛ حيث من المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12% و16%، في ظل التداعيات المتفاقمة للحرب الأخيرة، والتي وصفها التقرير بأنها تمثل “صدمة سلبية جديدة” تضاف إلى الأزمات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني منذ عام 2019.
وأوضح المعهد، في دراسة حملت عنوان “البلد عند مفترق طرق: الحرب والصدمة الاقتصادية”، أن هذا الانكماش المتوقع يرتبط بشكل رئيس بالتراجع الكبير في النشاط السياحي الذي يعتبر من الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني، إذ يؤثر مباشرة على قطاعات حيوية مثل الفنادق والضيافة والتجارة والنقل.
كما أشار إلى أن قطاعات الإنتاج، وعلى رأسها الزراعة والصناعة، تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية، وصعوبة حركة وتنقل العمالة، وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج وتفاقم الخسائر الاقتصادية.
ولفت التقرير إلى أن الحرب خلفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية، شمل الطرق والمرافق العامة وشبكات الاتصالات، ما تسبب في خسائر اقتصادية مباشرة، إضافة إلى آثار غير مباشرة على النشاط الاقتصادي.
كما أدى نزوح أكثر من مليون شخص، أي ما يعادل نحو 20% من إجمالي السكان، إلى ضغوط كبيرة على قطاع الإسكان والخدمات العامة وسوق العمل، وهو ما أسهم في ارتفاع الكلفة الاجتماعية، خاصة بالنسبة للفئات محدودة الدخل.
تحديات نقدية تضع مصرف لبنان في مواجهة الأزمة
على صعيد القطاع الخارجي، توقع المعهد اتساع عجز الحساب الجاري نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، ما يزيد من فاتورة الواردات، في وقت تشهد فيه الصادرات وإيرادات السياحة تراجعًا ملحوظًا، وهو ما يعمّق الاختلالات في الميزان الخارجي.
كما أشار التقرير إلى أن مصرف لبنان يواجه تحديات إضافية، نتيجة خسائر في محفظة الذهب مرتبطة بتراجع الأسعار العالمية، وهو ما يحدّ من قدرته على دعم الاستقرار النقدي والحفاظ على استقرار سعر الصرف في ظل الظروف الحالية.
وفي الجانب المالي، رجح المعهد أن تتحول المالية العامة من تحقيق فائض أولي خلال العامين السابقين إلى تسجيل عجز في عام 2026، وذلك بسبب انخفاض الإيرادات الضريبية من جهة، وارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بتداعيات النزوح والاحتياجات الاجتماعية وإعادة الإعمار من جهة أخرى، مع توقع الاعتماد على الاحتياطيات الأجنبية والمساعدات الخارجية لتمويل هذا العجز.
ورغم هذه التحديات الكبيرة، أشار التقرير إلى أن التحويلات المالية من الخارج لا تزال تمثل عنصر دعم مهم للاقتصاد اللبناني، حيث تساهم في تخفيف حدة الأزمة، كما لفت إلى أن وقف إطلاق النار قد يفتح المجال أمام بدء تعافي تدريجي خلال عامي 2027 و2028، مدعومًا بعمليات إعادة الإعمار وعودة النشاط الاقتصادي بشكل تدريجي.
قد يهمّك أيضًا: قانون استرداد الودائع.. هل يمتلك لبنان السيولة الكافية للتنفيذ؟
تقييم خسائر القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية
في تعليقه على التقرير، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن “الاقتصاد اللبناني بالفعل يواجه واحدة من أعقد مراحله نتيجة التداعيات المباشرة وغير المباشرة للحرب الأخيرة”، مشيرًا إلى أن تقديرات الخسائر لا تزال أولية، لكنها تعكس حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمختلف القطاعات.
وأوضح الشوربجي أن البيانات الأولية تشير إلى أن الخسائر المباشرة تقدر بنحو 7 مليارات دولار، تشمل تدمير البنية التحتية من مبانٍ وجسور ومنشآت تجارية وصناعية وزراعية، لافتًا إلى أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات الحصر والتقييم.
وأشار إلى أن صور الأقمار الصناعية أظهرت حجمًا واسعًا من الدمار في جنوب لبنان، مع تضرر كبير في المناطق الزراعية والبنية التحتية، حيث وصلت نسب الدمار في بعض المناطق إلى نحو 90%، وهو ما يعكس التأثير العميق للحرب على النشاط الاقتصادي المحلي.
وأضاف أن الخسائر لا تقتصر على الأضرار المباشرة، بل تمتد إلى خسائر غير مباشرة تشمل تراجع الإنتاجية وانخفاض الإيرادات في مختلف القطاعات، إلى جانب تداعيات اجتماعية كبيرة، أبرزها نزوح أكثر من مليون شخص، ما يزيد من الضغوط على الاقتصاد والخدمات الأساسية.
كيف أثر النزوح وتضخم الأسعار على المعيشة؟
لفت الخبير إلى أن التقديرات الاقتصادية تشير إلى تحول التوقعات من نمو بنسبة 4% قبل الحرب إلى انكماش قد يصل إلى 16%، مع تسجيل تراجع فعلي في النشاط الاقتصادي بنحو 7% خلال أسابيع قليلة، وهو ما يعكس سرعة تأثر الاقتصاد اللبناني بالصدمات.
وأكد الشوربجي أن القطاع الزراعي يُعد الأكثر تضررًا، حيث تقدر خسائره بنحو 800 مليون دولار، مع تضرر نحو 20% من الأراضي الزراعية، ونزوح ما يقرب من 80% من المزارعين في الجنوب، ما يهدد الأمن الغذائي ويضعف سلاسل الإنتاج.
أشار إلى أن تداعيات الأزمة امتدت إلى ارتفاع الأسعار، حيث زادت تكلفة الديزل بنحو 50% نتيجة التوترات الإقليمية المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع مماثل في أسعار السلع الغذائية، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
مسارات التعافي الممكنة
أوضح أن الخسائر اليومية للاقتصاد اللبناني تقدر بنحو 35 مليون دولار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي واعتماد البلاد الكبير على الاستيراد، إلى جانب تراكم الأزمات منذ عام 2019، ما يفاقم من حدة الوضع الحالي.
وبين أن القطاع السياحي، رغم تأثره الكبير، قد يكون الأسرع تعافيًا، بينما يحتاج القطاع الزراعي إلى أكثر من عام لاستعادة نشاطه، في حين يعاني القطاع الصناعي من تراجع نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والأضرار المباشرة.
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن لبنان يواجه تحديات مزدوجة تتطلب التحرك عاجلًا، من خلال خطة إنقاذ قصيرة الأجل لدعم القطاعات المتضررة ومعالجة آثار النزوح، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب ضرورة توفير دعم دولي لإعادة الإعمار، مؤكدًا أن استعادة الاستقرار ووقف التصعيد يمثلان العامل الحاسم لعودة الاقتصاد إلى مسار التعافي.
قد يهمّك أيضًا: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة