أزمة الثقة تهز الين والسندات اليابانية بعد خطة التحفيز
لم تحتًج الأسواق اليابانية سوى أيام قليلة لتتحول أخبار خطة تحفيز ضخمة إلى واحدة من أكثر موجات البيع عنفًا في الين والسندات الحكومية منذ سنوات، فبينما تستعد رئيسة الوزراء الجديدة ساناي تاكايتشي للكشف عن حزمة دعم تُوصف بأنها الأكبر منذ جائحة “كوفيد – 19″، اختارت الأسواق أن تُعلن حكمها مبكرًا: تكاليف الاقتراض ترتفع إلى مستويات قياسية، والين يواصل الهبوط، والسندات طويلة الأجل تتعرض لضغوط متواصلة، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أزمة الثقة التي ضربت الأصول البريطانية بعد موازنة ليز تراس عام 2022.
القصة بدأت عندما تلقت السوق إشارة مزدوجة: حكومة جديدة تستعد لزيادة كبيرة في الإنفاق، وسوق دين عملاقة تبلغ قيمتها كوادريليون ين (7 تريليونات دولار) تدفع إلى تحمل عبء اقتراض إضافي. وفي وقت تراجع فيه الدعم التقليدي من “بنك اليابان” وشركات التأمين المحلية، ومع غياب مشتري “الملاذ الأخير”، تحول القلق إلى موجة بيع شاملة، شملت السندات والين وحتى الأسهم، لتطلق واحدة من أكثر لحظات عدم اليقين حدة في الأسواق اليابانية منذ الأزمة المالية العالمية.
موجة بيع تعيد شبح تجربة بريطانيا
المشهد في سوق السندات كان لافتًا، أحد عشر يومًا متتالية من تراجع السندات طويلة الأجل، تزامنت مع سبعة أسابيع متواصلة من هبوط الين، وارتفاع ملحوظ في العوائد عبر المنحنى، والعائد المرجعي لأجل عشر سنوات قفز بنحو 11 نقطة أساس خلال أربعة أيام ليتجاوز 1.8%، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ 17 عامًا، فيما ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 و40 عامًا إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة.
وفي خلفية هذا التحول، صعد حجم تداول العقود الآجلة على السندات إلى أعلى مستوى له في سبعة أشهر، في إشارة إلى أن المستثمرين لا يكتفون ببيع السندات الفعلية، بل يزدادون تحوطًا عبر المشتقات أيضًا.
هذا السلوك الجماعي دفع كثيرين إلى استدعاء تجربة بريطانيا مع موازنة ليز تراس، ويلخص جيمس آثي، مدير المحافظ في “مارلبورو” بلندن، الصورة بقوله: “المشهد مشابه تمامًا لما حصل في بريطانيا، وللأسباب نفسها، فالبنوك المركزية ألغت لسنوات دور آليات التسعير الحقيقي، بينما أصبحت السياسات المالية الحل السهل للسياسيين، والظروف تغيرت بالكامل، لكن صانعي القرار يرفضون التكيّف، وتحدي الأسواق مخاطرة كبرى”، والرسالة هنا واضحة، مفادها أن الأسواق لم تعد مستعدة لمنح صانعي السياسة “شيكًا على بياض” فيما يخص الجمع بين التيسير النقدي والإنفاق المالي الواسع.
اقرأ أيضًا: كيف يهدد التصعيد بين الصين واليابان مصالح الطرفين؟
تآكل الثقة وضغوط على صانعي السياسة
ما يزيد حدة الموقف أن الضغوط لا تقع على “بنك اليابان” وحده، فالموجة البيعية أثارت قلقًا سياسيًا واضحًا دفع وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما إلى عقد اجتماع طارئ مع البنك المركزي، معلنة أن الحكومة تتابع التطورات “بحس مرتفع من القلق”، ولكن هذا التصريح لم يكن كافيًا لتهدئة الأسواق؛ إذ استمر الين في الهبوط ليسجل أدنى مستوى في عشرة أشهر عند 157.78 ين للدولار، بينما ظلت عوائد السندات الطويلة تُحلق عند مستوياتها التاريخية.
في الخلفية، يدور نقاش أساسي حول ما إذا كان “بنك اليابان” متأخرًا عن اللحاق بركب التشديد النقدي العالمي، ويقول أليس كاوتني، رئيس إدارة الفوائد الدولية في “فانغارد” بلندن، إنَّ الأسواق “تزداد قناعة بأن بنك اليابان يتأخر عن اللحاق بالركب”، مشيرًا إلى أن تشديد السياسة النقدية أصبح “الخيار الوحيد” لوقف نزيف السندات طويلة الأجل. وبمعنى آخر، فإن السوق تقول للبنك المركزي: “لا يمكنكم الجمع إلى ما لا نهاية بين سياسة فائدة شديدة الانخفاض وإنفاق حكومي متضخم، دون ثمن في شكل عوائد أعلى وعملة أضعف”.
إضراب غير معلن للمشترين
التطور الأخطر في هذه الأزمة هو ما يمكن وصفه بـ”إضراب غير معلن للمشترين”، فارتفاع العوائد لم يُقابل بتدفق تلقائي لمستثمرين يبحثون عن دخل أعلى، بل ترافق مع تراجع في شهية الشراء لدى المؤسسات المحلية والأجنبية على حد سواء. وتقليديًا، كانت شركات التأمين اليابانية و”بنك اليابان” يمثلان دعامة أساسية للطلب على السندات الحكومية، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه الركيزة تهتز.
فمن جهة، خفض بنك اليابان مشترياته من السندات في إطار محاولته الابتعاد تدريجيًا عن سياسة التدخل المكثف في سوق الدين، ومن جهة أخرى، أعادت شركات التأمين توجيه محافظها مبتعدة عن الاستحقاقات الطويلة جدا، وبيانات “ميزوهو” تُظهر أن شركات التأمين كانت بائعًا صافيًا للسندات طويلة الأجل لثالث شهر على التوالي في أكتوبر، في أطول موجة بيع منذ عام 2004، وبقيمة 276.7 مليار ين، وفي الوقت نفسه، تراجع زخم الشراء من جانب المستثمرين الأجانب، ما جعل السوق تعتمد بدرجة أكبر على قاعدة ضيقة من الطلب.
لي تشو، رئيس إدارة الدخل الثابت في “فيديليتي” في هونغ كونغ، يلخص الموقف بعبارة: “ببساطة، لا يوجد مشترون جدد في الوقت الحالي”، وهذا الغياب شبه الكامل للطلب يعني أن العوائد يمكن أن تواصل الصعود إلى أن تستقر عند مستوى يجذب جزءًا من المستثمرين مجددًا، لكن كلفة هذا التصحيح ستكون عالية على الحكومة والاقتصاد.
انفصال الين عن فارق الفائدة.. إشارة إنذار إضافية
من التفاصيل اللافتة في هذه الحلقة أن العلاقة التقليدية بين الين وفارق أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة بدأت تتفكك، فمنذ انتخاب ساناي تاكايتشي رئيسة للحزب الحاكم، تمهيدًّا لتوليها رئاسة الوزراء كأول امرأة في هذا المنصب، خسر الين نحو 6% أمام الدولار، رغم تقلص فارق عوائد السندات الأمريكية واليابانية بـ11 نقطة أساس.
فيشنو فاراثان، رئيس بحوث آسيا في “ميزوهو”، يعلق على ذلك قائلًا إن المستثمرين “إما يتبنون مقاربة بيع اليابان، أو أن الروابط التقليدية لم تعد صالحة”، وما يلمح إليه فاراثان هو أن السوق باتت تنظر إلى الين ليس فقط من زاوية الفارق في العوائد، بل من زاوية اتساع حالة عدم اليقين بشأن مزيج السياسات الاقتصادية في البلاد: حكومة جديدة ذات شهية إنفاقية كبيرة، وبنك مركزي يتحرك ببطء شديد في مسار تشديد سياسته التاريخية فائقة التساهل.
التركيبة الحالية -ارتفاع العوائد وضعف الين وتراجع الأسهم- تُعتبر غير مريحة على الإطلاق لصناع السياسة، فهي تشير إلى أن المستثمرين يعاقبون كلا من السندات والعملة، ولا ينظرون إلى اليابان كملاذ آمن في هذه اللحظة، وهو ما يعني عمليًا أن “انهيار الثقة” لم يعد توصيفًا مبالغًا فيه.
مأزق بنك اليابان.. بين رفع الفائدة وترك الين ينهار
يقف “بنك اليابان” اليوم أمام معادلة صعبة، إذا رفع الفائدة بوتيرة أسرع فإنه يعرض تعافي الاقتصاد والتزامات الدين العام لضغوط كبيرة، وإذا تمسك بالتدرج البطيء في التشديد يدفع ثمنًا في شكل هبوط مستمر للين وارتفاع حاد في العوائد الطويلة، وهذه الثنائية وصفها أكثر من خبير بأنها “خياران أحلاهما مر”.
جونكو كويدا، عضو مجلس إدارة البنك المركزي، حاولت إرسال رسالة تهدئة بالقول إن البنك “مستعد للتدخل” إذا قفزت العوائد بشكل مبالغ فيه، ولكن الأسواق قرأت هذه الإشارة بصورة مغايرة؛ فالتدخل يعني عمليا أن البنك سيضطر إلى طباعة المزيد من الين لشراء السندات، وهو ما قد يضغط أكثر على العملة، ووزيرة المالية نفسها ترى أن مزيدًا من ضعف الين قد يصبح مؤذيًا للاقتصاد، خاصة في بلد يعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاته من الطاقة والمواد الأولية.
خطة تحفيز تحت نيران الأسواق
على الجانب المالي، تواجه الحكومة تحديًا لا يقل تعقيدًا، فخطة التحفيز الضخمة التي تجهز لها تاكايتشي تهدف إلى دعم الاقتصاد في مرحلة دقيقة، لكنها في الوقت نفسه تُفاقم مخاوف المستثمرين من اتساع العجز وارتفاع الدين، وارتفاع العوائد يعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين، ما يمتص جزءًا متزايدا من الموارد العامة، ويقلّص القدرة على استخدام الموازنة كأداة للاستجابة للأزمات المستقبلية.
ومع كل ارتفاع جديد في عوائد السندات، تصبح معادلة “تحفيز اليوم” مرتبطة ضمنيا بـ”تشدد الغد”، أي أن الحكومة قد تجني مكاسب سياسية قصيرة الأجل من توسعة الإنفاق، لكنها ستدفع ثمنًا طويل الأجل في هيئة ضغوط تمويلية وربما حاجة لاحقة لتقييد الإنفاق أو رفع الضرائب، وهذا التناقض بين طموح سياسي في الإنفاق وواقع سوقي يطالب بالتقيّد والانضباط، هو ما يجعل المقارنة مع تجربة بريطانيا ليست مجرد تشبيه إعلامي، بل تحذيرًا عمليًا، من أن تحدي الأسواق في هذه اللحظة قد يكون مكلفا إلى حد يصعب تحمله.
المستثمرون الأجانب.. بين الخروج التكتيكي والرهان المؤجل
رغم الصورة القاتمة، لا تشير البيانات حتى الآن إلى خروج شامل للمستثمرين الأجانب من الأصول اليابانية، فعلى العكس، تظهر الأرقام أنهم ضخوا نحو 6.25 تريليون ين في الأسهم خلال أكتوبر، في أكبر تدفق صافي منذ 20 عامًا، وكانت السوق عند مستويات قياسية قبل أسابيع فقط، وهذا يعني أن هناك ثقة أساسية في الشركات اليابانية وفي قدرتها على الاستفادة من بيئة عالمية تُكافئ المنتجين الكبار، لكن هذه الثقة لا تمتد بالضرورة إلى سوق السندات أو إلى العملة في الوقت الراهن.
في الوقت نفسه، ساهم تفكيك مراكز مضاربية ضخمة كانت تراهن على ارتفاع الين، في زيادة حدة هبوط العملة، ومع عودة ما يُعرف بـ”الصفقات المحمولة”، أي الاقتراض بالين منخفض العائد للاستثمار في عملات ذات عوائد أعلى، يجد الين نفسه تحت ضغط مزدوج، ضغوط داخلية من سياسات البنك والحكومة، وضغوط خارجية من استراتيجيات المستثمرين العالمية الباحثة عن عائد.
تعرّف إلى السندات ذات العائد السلبي.. رغبة في خسارة أم ملاذ آمن؟
هل يمكن استعادة الثقة أم أن بنية السوق تتغير؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس فقط عن حجم الخسائر في هذه الجولة من التقلبات، بل عن عمق التغير الهيكلي الذي تشهده السوق اليابانية، فتركيبة المشهد الحالي تتلخص في حكومة إنفاقية وبنك مركزي متردد بين التشديد والتيسير، ومستثمرين محليين يعيدون توزيع محافظهم، ومستثمرين أجانب أكثر حذرًا، توحي بأن الأزمة ليست “حادثًا عابرا” بقدر ما هي إعادة تسعير لمخاطر كانت مؤجلة لسنوات.
انهيار الثقة، لا يعني أن اليابان فقدت مكانتها كإحدى أهم الاقتصادات في العالم، لكنه يشير إلى أن الأسواق لم تعد تتقبل المعادلات القديمة بالسهولة ذاتها، وارتفاع العوائد وتراجع الين ليسا مجرد أرقام على شاشات التداول، بل انعكاس لجدل عميق حول حدود قدرة السياسة النقدية والمالية على الاستمرار في مسارات استثنائية دون تكلفة.
في المحصّلة، يتوقف ترميم الثقة على قدرة الحكومة و”بنك اليابان” معًا على صياغة خطاب أكثر وضوحًا، وتقديم استراتيجية متماسكة تُجيب عن الأسئلة الجوهرية: كيف ستُموَّل خطط التحفيز؟ وما هو المسار المتوقع لسعر الفائدة؟ وكيف يمكن إيجاد توازن دقيق بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسواق؟ وإلى أن تتبلور هذه الإجابات، سيظل المشهد الياباني محكومًا بعنوان واحد: أزمة ثقة تربك الين وسندات الحكومة، وتدفع الجميع إلى إعادة حساباتهم.
قد يهمّك أيضًا: اتفاق جمركي تاريخي بين أمريكا واليابان بقيمة 550 مليار دولار