أزمة غير مسبوقة.. نصف جامعات بريطانيا في مرمى الإفلاس

تعيش جامعات بريطانيا واحدة من أعمق أزماتها منذ عقود، بعدما كشفت هيئة الرقابة على الجامعات ومزودي التعليم العالي في إنجلترا (OfS) عن أن خمسين جامعة مهددة بشكل مباشر أو غير مباشر بالإفلاس خلال السنوات المقبلة، ما يعكس تحولًا جذريًا في النموذج المالي للتعليم العالي البريطاني، الذي طالما استند إلى مزيج من الرسوم الدراسية المرتفعة والطلب الدولي القوي، ولكن الأعمدة المالية التي ارتكز عليها هذا النموذج تزعزعت تدريجيًا إلى أن بلغت اليوم مرحلة الخطر.

سوزان لابوورث، الرئيس التنفيذي لـ”OfS”، وصفت المشهد أمام لجنة التعليم في مجلس العموم البريطاني بلهجة أقل ما يقال عنها إنها إنذارية، إذ أكدت أن 24 مؤسسة جامعية تقع في أعلى فئات المخاطر، وهو ما يعني أنها قد تواجه انهيارًا فعليًا خلال 12 شهرًا، بينما تواجه 26 مؤسسة أخرى خطرًا مماثلًا خلال عامين أو ثلاثة، وبذلك يظهر للمرة الأولى بهذا الوضوح حجم التشققات داخل منظومة التعليم العالي البريطاني، التي طالما شكلت أحد أهم موارد القوة الناعمة للمملكة المتحدة.

جامعات صغيرة وكبيرة ضمن أعلى فئات المخاطر

رغم أن الجامعات الصغيرة هي الأكثر تضررًا، فإن نحو 20 مؤسسة كبرى يضم بعضها أكثر من 3000 طالب باتت مدرجة ضمن فئات المخاطر العليا، وهذا التطور يحمل دلالات استراتيجية مهمة؛ فالجامعات الصغيرة قد يكون سقوطها محصور التأثير، بينما انهيار جامعة كبيرة يهدد منظومة كاملة نظرًا لدورها البحثي، وشبكة التوظيف لديها، واعتماد مدن بأكملها اقتصاديًا على وجودها.

وتشرف “OfS” على أكثر من 100 جامعة في إنجلترا، إلا أن التقييم الأخير شمل نطاقًا واسعًا من 300 مؤسسة تعليم عالٍ، ورغم طمأنة لابوورث للبرلمان بأنه “لا خروج فوضويًا من السوق” في المدى القريب، فإن لهجتها المحافظة لا تخفي أنّ القطاع يعيش ضغطًا ماليًا قد لا يمكن احتواؤه عبر الإجراءات التنظيمية وحدها.

جذور الأزمة المالية: تراجع الطلاب الدوليين وتجميد الرسوم الدراسية

لطالما اعتمدت الجامعات البريطانية على الطلاب الأجانب لتعويض نقص الرسوم المحلية، فكانت النتيجة واضحة، وهي انخفاض حاد في هذه الأعداد أدى إلى حرمان الجامعات من مصدر إيرادات كان يشكل ركيزة أساسية في توازنها المالي. الأزمة هنا ليست مالية فقط، بل استراتيجية كذلك، لأن نموذج الجامعات البريطانية قائم على التمويل الهجين: رسوم داخلية ثابتة، ورسوم خارجية مرتفعة تضمن الاستمرارية، وعندما انهار هذا الجزء الأخير ظهر الخلل البنيوي كاملًا، وكأن الأزمة كانت في انتظار شرارة واحدة لتنفجر.

ومن ناحية أخرى، علينا أن نعود إلى القرار السياسي الذي اتخذته الحكومات البريطانية المتعاقبة خلال السنوات الماضية بتجميد الرسوم الدراسية، فرغم أن هذا القرار كان ينظر إليه كحل شعبي لتخفيف أعباء الطلاب، إلا أنَّ تأثيره على الجامعات كان أشبه بشلل مالي متدرج، فبينما ارتفعت تكاليف التشغيل والتوظيف والبنية التحتية بفعل التضخم، بقيت الرسوم ثابتة، ما خلق فجوة بين الإيرادات والتكاليف اتسعت عامًا بعد عام.

وفي ظل هذا المشهد، أعلنت وزيرة التعليم بريجيت فيليبسون سلسلة زيادات تدريجية على الرسوم الدراسية، بحيث تصل تكلفة الدرجة الجامعية إلى 12 ألف جنيه إسترليني بنهاية العقد. على الورق، يبدو هذا تدخلًا يستهدف تعزيز التمويل، لكنه يتزامن مع ضريبة جديدة بنسبة 6% على الطلاب الدوليين، وهو إجراء يجعل الزيادات نفسها عديمة الجدوى بالنسبة للمؤسسات الجامعية، فالجامعات قد تحصل على رسوم أعلى، لكنها ستخسر شريحة من الطلاب الدوليين الذين يشكلون رافعة إيرادات حاسمة، ما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر وربما أسوأ.

قرارات أكاديمية غير مسبوقة تكشف عمق الأزمة

كشفت الـ”OfS” مؤخرًا أنَّ 45% من جامعات إنجلترا تتوقع تسجيل عجز مالي خلال هذا العام، وهي نسبة مرعبة بالنسبة لقطاع يعد أحد أكثر القطاعات البريطانية اعتمادًا على التمويل الذاتي، والنتيجة أن جامعات كثيرة -بما فيها مؤسسات بحثية مرموقة- اضطرت إلى خطط تقشفية حادة، شملت إلغاء برامج دراسية بالكامل، وخفض عدد الموظفين، ودمج أقسام أكاديمية لم يكن يمسها التقشف حتى في أصعب الظروف.

وفي مؤشر صارخ على عمق الأزمة، أعلنت جامعة نوتنغهام -وهي عضو بارز في مجموعة “Russell Group”- قرارًا لافتًا بإلغاء قسم اللغات الحديثة بالكامل، إضافة إلى برامج في الموسيقى واللاهوت والميكروبيولوجيا، وهذه القرارات ليست مجرد إعادة هيكلة، بل إعادة تعريف لهوية جامعات كانت تتفاخر بتنوعها الأكاديمي.

في المقابل، تراجعت جامعة كارديف عن قرار سابق بإلغاء درجة التمريض، خشية تأثيره على إمدادات الكوادر الصحية في ويلز، ومجددًا ورغم أن الجامعتين ليستا ضمن قائمة الجامعات المهددة، فإن قراراتهما تعكس مزاجًا عامًا يصف التحول من التنوع الأكاديمي إلى “مبدأ الضرورة”، أي التركيز على البرامج الأكثر طلبًا ماليًا ومهنيا فقط.

تداعيات اقتصادية واجتماعية تهدد المدن البريطانية

بحسب اتحاد العاملين في الجامعات والكليات “UCU”، تجاوز عدد الوظائف التي تم الإعلان عن إلغائها خلال العام الماضي حاجز 15 ألف وظيفة، وهذا الرقم لا يمثل مجرد تقليص نفقات، بل يعكس تفككًا في السلسلة الأكاديمية داخل المملكة المتحدة، فالتعليم العالي ليس قطاعًا يمكن تشغيله بحد أدنى من الموظفين؛ إنه قطاع يعتمد على الكوادر، والبحث، والإشراف الأكاديمي، وكل هذه العناصر باتت اليوم مهددة.

ولا ينحصر خطر انهيار الجامعات على التعليم فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي، فمدن بريطانية كثيرة يعتمد جزء كبير من نشاطها الاقتصادي على وجود الجامعات، من الإيجارات إلى المتاجر والمطاعم وقطاع الخدمات، وانهيار أي جامعة كبيرة قد يطلق سلسلة من التأثيرات الاقتصادية تشبه ظاهرة الفراغ الصناعي، لكن هذه المرة في قلب المدن لا في أطرافها.

المعادلة الحكومية.. من المنافسة إلى التعاون والاندماج

قالت الوزيرة جاكي سميث إن “المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على التعاون”، وأوضحت أن الجامعات -حتى تلك التي لا يزال وضعها جيدًا- عليها التفكير في مشاركة الموارد وربما حتى الاندماج لتقليل التكاليف، وهذا يعكس اعترافًا حكوميًا صريحًا بأن نموذج المنافسة الذي طبق لأكثر من عقد لم يعد مناسبا لقطاع منهك ماليًا، وأن الحل قد يكون في التكتلات، لا في التمايز، وقد أشارت لابوورث إلى مثال اندماج جامعتي “Kent وGreenwich” رغم بعد المسافة بينهما، في محاولة لتجنب أزمة مالية تهدد بقاءهما.

ورغم أن الـ”OfS” أكدت أنها لا تتوقع خروجًا فوضويا لأي مؤسسة، فإن هذا لا يمنع أن القطاع كله يقف على حافة إعادة تشكيل غير مسبوقة، فالحكومة، من جهة، تبدو حريصة على ضبط عملية التغيير، ومن جهة أخرى، تفرض الأرقام المالية واقعًا لا يمكن تجاهله: مؤسسات عاجزة عن تحقيق التوازن، طلاب يتراجعون، رسوم غير كافية، وضغوط سياسية واجتماعية متزايدة.

في ضوء هذا الواقع، يرى خبراء القطاع أن بريطانيا تتجه نحو انكماش بنيوي في عدد الجامعات، مع عودة المؤسسات إلى التركيز على المجالات الأكاديمية الأساسية بدلًا من النمو الأفقي الذي ميّز العقدين الماضيين، ومن المرجح أن تشهد الجامعات في المملكة المتحدة اندماجات أكبر وأكثر تعقيدًا، وإلغاء لبرامج دراسية إضافية، بالإضافة إلى خروج بعض المؤسسات الصغيرة من السوق بطريقة مُدارة، وهذا بدوره قد يتيح الفرصة للجامعات الكبرى للخروج من الأزمة أكثر قوة، بعدما تعيد ضبط هياكلها المالية والأكاديمية.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة