الانهيار المالي في فرنسا يثير الرعب في أوروبا بأكملها

أثار رئيس الوزراء الفرنسي المستقيل فرانسوا بايرو صدمة كبرى في الأوساط السياسية والاقتصادية، عندما حذر من أن فرنسا تقف على حافة هاوية مالية غير مسبوقة، في لحظةٍ زلزلت أوروبا بأكملها، فالأرقام التي ساقها كانت كفيلة بإثارة الذعر، إذ بلغ الدين العام 3.9 تريليون دولار، أي ما يعادل حجم اقتصادي فرنسا وبلجيكا معاً، فيما يرتفع الدين بمقدار 350 ألف دولار كل دقيقة.

أيضا العجز في الميزانية وصل إلى 195 مليار دولار، بينما أعلنت 131 ألف شركة إفلاسها خلال عامي 2023 و2024، مع توقع إفلاس 67.5 ألف شركة إضافية هذا العام، كما أن هناك أكثر من 10.5 مليون فرنسي يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يعادل 15% من السكان، إضافة إلى 3.5 مليون عاطل عن العمل، ورغم كل هذا، لا يتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً هذا العام بأكثر من 0.6%، وهو الأضعف منذ 12 عامًا باستثناء أزمة كورونا.

الدين يتجاوز حجم الاقتصاد بأضعاف

لم تتوقف الأرقام الصادمة عند هذا الحد، فإجمالي الدين الفرنسي -العام والخاص- بلغ 8.6 تريليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد الوطني، ومن هذا المبلغ تشكّل الديون الحكومية وحدها نحو 3.6 تريليون دولار حتى يونيو 2025.

هذه الأرقام، تضع فرنسا في موقع غير مريح على خريطة الديون العالمية، إذ ترتفع التزاماتها بمعدل 450 ألف دولار كل دقيقة، في وقت تتباطأ فيه وتيرة النمو بشكل خطير، ويضاف إلى ذلك معضلة الشيخوخة السكانية، حيث يعيش في فرنسا 14 مليون شخص فوق سن 65 عامًا، أي ما يعادل خُمس عدد السكان، ما يزيد الضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.

ركود القطاع الخاص وفشل الإصلاحات

القطاع الخاص الفرنسي يعيش ركودًا متواصلًا منذ 11 شهراً، وسط ارتفاعات ضريبية أثقلت كاهل الشركات والأسر، وهذا الركود المزمن أدى إلى انكماش الاستثمارات، وتراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي مقارنة بجيرانه الأوروبيين.

ورغم أن الحكومة وضعت خطة لإنعاش المالية العامة، عبر خفض العجز إلى 4.6% من الناتج بحلول 2026 وتوفير 48 مليار دولار في ميزانية 2026، فإن هذه الخطة تواجه عراقيل كبرى بسبب الانقسام الحاد داخل البرلمان، الذي أطاح بآخر ثلاثة رؤساء وزراء خلال أقل من عامين.

اقرأ أيضًا: فرنسا وألمانيا.. اقتصادان في مركب غارق

مأزق سياسي يفاقم الأزمة

أعلن قصر الإليزيه، أن الرئيس إيمانويل ماكرون، سيُعَيِّن رئيس وزراء جديداً خلال أيام، بعد أن خسر بايرو تصويت الثقة في الجمعية الوطنية وقدّم استقالته رسمياً، لكن التحدي الأكبر أمام الرئيس هو إيجاد شخصية قادرة على تمرير موازنة جديدة في برلمان منقسم بحدة، وهو أمر يبدو مستحيلاً في ظل استقطاب سياسي غير مسبوق، كما أنّ رئيس الوزراء المقبل سيكون الخامس في أقل من عامين، وهو رقم يكشف عمق التصدع داخل النظام السياسي الفرنسي.

في هذا السياق، تترقب الأحزاب الفرنسية المشهد من كثب؛ فالحزب الاشتراكي أعلن أنه جاهز لتولي رئاسة الحكومة، في حين رفض الجمهوريون المشاركة في أي حكومة يقودها اليسار، وقال جان لوك ميلونشون -زعيم اليسار المتشدد- بوضوح إنه لن يدعم حكومة يرأسها الاشتراكيون، وبما أنّ هذا الانقسام لا يترك مجالاً لبناء توافق فإنّ أي رئيس وزراء جديد سيكون مجرد شخصية انتقالية عاجزة عن تنفيذ إصلاحات جوهرية.

لوبان تطالب بانتخابات جديدة

مارين لوبان وحزبها “التجمع الوطني” استغلوا الموقف للدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، وهو ما رفضه ماكرون مؤكداً أنه سيواصل ولايته حتى 2027، لكنّ لوبان هاجمت السياسات المالية والهجرة التي يتبناها الرئيس، معتبرة أنها السبب في انهيار الثقة بالاقتصاد الفرنسي، كما أنّ المعارضة اليمينية واليسارية -على حد سواء- تحاول استثمار الأزمة لزيادة الضغط على الإليزيه.

ردود الأسواق.. قلق يتجاوز باريس

الأزمة السياسية انعكست سريعاً على الأسواق المالية، فمؤشر كاك 40 فقد 3.3% منذ الانتخابات المبكرة التي دعا إليها ماكرون العام الماضي، مقارنة بارتفاع مؤشر “Stoxx Europe 600” بنسبة 5.4% وصعود مؤشر داكس الألماني بنسبة 25%، بحسب بلومبرج.

كما استقرَّ الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية عند 76 نقطة أساس، وهو من أعلى المستويات خلال عقد، ما يعكس فقدان ثقة المستثمرين في قدرة باريس على استعادة التوازن المالي.

الديون تكوي جيوب الفرنسيين

العبء الأكبر يقع على المواطنين الفرنسيين، فالدين العام الفرنسي يرتفع بمعدل 5 آلاف يورو كل ثانية، أي ما يعادل 5840 دولاراً، وخدمة الدين ستكلف الخزينة 75 مليار يورو العام المقبل، وهو مبلغ يلتهم أي فرصة للاستثمار في البنية التحتية أو التعليم أو الصحة، كما أن خطة بايرو للتقشف -التي شملت زيادة الضرائب وخفض الإنفاق بقيمة 44 مليار يورو- أثارت سخطاً شعبياً واسعاً، خاصة بعد اقتراحه إلغاء عطلتين رسميتين لتوفير الأموال.

لكن هذه الخطة أثارت استياءً واسعًا، حيث دعت النقابات العمالية إلى إضراب في 18 سبتمبر احتجاجاً على مشروع الموازنة، وتبعها دعوات للتظاهر في 10 سبتمبر من مجموعات احتجاجية أخرى. في موازاة ذلك، تترقّب الأسواق مراجعةً لتصنيف فرنسا الائتماني من وكالة فيتش، ما يزيد من التوتر السياسي والمالي.

اقرأ أيضًا: زلزال اقتصادي في فرنسا وموديز تخفض التصنيف الائتماني – ديسمبر 2024

تكاليف الاقتراض الفرنسية تتجاوز إيطاليا

في تطور تاريخي، تجاوزت تكاليف الاقتراض الفرنسية نظيرتها الإيطالية للمرة الأولى في تاريخ منطقة اليورو، وهذا التحول الذي وصفه خبراء الأسواق بأنه “زلزال مالي” يعكس حجم القلق المتنامي بشأن قدرة باريس على السيطرة على ديونها، حيث كانت إيطاليا تاريخياً الحلقة الأضعف في المنطقة، لكن اليوم باتت فرنسا موضع الشك.

صحيح أن جزءاً من التحول يعود إلى اختلاف تواريخ استحقاق السندات، إذ ينتهي السند المرجعي الفرنسي في نوفمبر 2035 مقارنة بنظيره الإيطالي الذي يستحق قبل ذلك بعدة أشهر، لكن الاتجاه الأوسع يعكس واقعاً مقلقاً؛ فالعجز الفرنسي يتسع، والديون تتراكم، والسياسة عاجزة عن تقديم حلول.

أزمة ثقة عميقة

الأسواق لم تعد تعاقب إيطاليا على ماضيها المالي المضطرب، بل بدأت ترى في فرنسا خطراً أكبر بسبب الانقسامات السياسية وغياب الإصلاحات، والمستثمرون يتعاملون مع باريس باعتبارها الحلقة الأضعف الجديدة، ما يرفع تكاليف التمويل ويضاعف الضغط على الاقتصاد.

كما لم يكن تحذير “بايرو” مجرد خطاب سياسي عابر، بل ناقوس خطر يعلن أن فرنسا تقف أمام منعطف خطير قد يعصف بالاتحاد الأوروبي بأكمله، فالاقتصاد الفرنسي -ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة- يترنح تحت وطأة الديون والعجز والشيخوخة والانقسام السياسي، وإذا لم تنجح باريس في استعادة الثقة سريعاً، فإن تداعيات الانهيار ستتجاوز حدودها لتصيب أوروبا والعالم بأسره.

قد يهمّك أيضًا: مصر وفرنسا والاتحاد الأوروبي يوقعون 9 اتفاقيات ومنح بقيمة 262.3 مليون يورو

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة