البحر الأحمر يشتعل: كيف هزت أزمة الشحن التجارة العالمية؟
كشف تقرير صادر عن البنك الدولي أنَّ أزمة الشحن في البحر الأحمر أدَّت إلى تأثيرات واسعة النطاق على التجارة العالمية؛ حيث ارتفعت تكاليف الشحن بنسبة 141% خلال نوفمبر 2024 مقارنة بالفترة التي سبقت الأزمة، وشهدت الأسعار على المسارات الملاحية التي تمر عبر البحر الأحمر، مثل شنغهاي إلى روتردام وجنوة، زيادة حادة بنسبة 230%.
وعلى الرغم من هذه القفزات، فإنَّ تأثير هذه الأزمة على معدلات التضخم ظل محدودًا، نتيجة لانخفاض الطلب العالمي وتوافر المخزونات الكافية، بالإضافة إلى عدم تأثر أسعار النفط أو السلع الأساسية بشكل كبير.
البحر الأحمر: شريان التجارة العالمية تحت الضغط
أدَّت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر إلى تعطيل حركة الشحن العالمية؛ حيث يمر عبر هذا الممر الاستراتيجالحوي حوالي ثلث حركة الحاويات العالمية، ومع تصاعد التهديدات الأمنية بدأت العديد من السفن في إعادة توجيه مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي تسبب في اضطراب كبير في تدفق التجارة بين آسيا وأوروبا، وكذلك بين آسيا وشمال الأطلسي.
نتيجة لهذه الاضطرابات، شهدت قناة السويس ومضيق باب المندب انخفاضًا حادًا في حركة المرور البحرية، حيث تراجعت بنسبة 75% بحلول ديسمبر 2024، بعد أن كانت نسبة التراجع قد سجلت 50% في مايو 2024. وفي المقابل، شهد ممر رأس الرجاء الصالح زيادة في النشاط بنسبة تجاوزت 50%، رغم أنَّه لم يتمكن من تعويض الخسائر الناجمة عن تعطيل الملاحة عبر البحر الأحمر، كما أصبح مرور السفن عبر هذا الطريق أكثر تقلبًا بسبب الاضطرابات التي أصابت سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا والأمريكيتين.
أما مضيق هرمز، الممر الأهم لنقل النفط عالميًا، فقد سجل انخفاضًا بنسبة 15% في حركة السفن، بسبب المخاوف الأمنية وقربه من مناطق التوتر.
انعكاسات أزمة الشحن في البحر الأحمر
أدى تحويل مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح إلى زيادة كبيرة في المسافات وأوقات السفر للسفن التي كانت تستخدم ممر البحر الأحمر، وبحلول أكتوبر 2024 ارتفعت المسافات التي تقطعها سفن الشحن بنسبة 48%، وناقلات النفط بنسبة 38%، مقارنة بالفترة من يناير إلى سبتمبر 2023.
كما شهدت أوقات السفر زيادة حادة؛ حيث ارتفعت بنسبة 45% لشحنات النفط، و28% لناقلات النفط، مما أثر بشكل مباشر على كفاءة الخدمات اللوجستية البحرية وزاد من تكاليف التشغيل على الشركات العالمية.
ومن ناحية أخرى، انعكست أزمة الشحن البحري في البحر الأحمر على سلاسل التوريد العالمية؛ حيث ارتفع مؤشر إجهاد سلسلة التوريد للبنك الدولي إلى 2.3 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا في ديسمبر 2024، وهو أكثر من ضعف المستويات المسجلة في ديسمبر 2023.
تأخيرات قياسية في التسليم
ارتفعت نسبة الشحنات المتأخرة في موانئ شرق البحر المتوسط والخليج العربي إلى 26%، في حين انخفضت حصة الصين من إجمالي الشحنات إلى 9%، بعد أن كانت 38% سابقًا، مما يشير إلى تحوُّلات كبيرة في تدفقات التجارة العالمية.
وقد أثرت هذه الأزمة أيضًا على أوقات تسليم الموردين عالميًا، حيث سجَّل مؤشر مديري المشتريات زيادة ملحوظة في 25 دولة من أصل 35 شملها المسح بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، وكان التدهور أكثر وضوحًا في أوروبا وبعض الدول الآسيوية بسبب اضطراب الشحن البحري وتأخر وصول البضائع.
تراجع حاد في نشاط الموانئ
أثرت الأزمة بشكل كبير على نشاط الموانئ العالمية، حيث شهدت دول الشرق الأوسط ودول الخليج تراجعًا كبيرًا في حركة التجارة عبر البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023، وقد سجلت الأردن وعُمان انخفاضًا في صادرات الشحن بنسبة 38% و28% على التوالي، بينما تراجعت واردات الشحن في الأردن وقطر بنسبة 50% و27%. كما انخفضت التجارة عبر الموانئ الكبرى عالميًا بنسبة 8% خلال الفترة من نوفمبر 2023 إلى أكتوبر 2024 مقارنةً بفترة ما قبل الأزمة.
وفي هذا السياق، أعلنت مصر عن خسارة 7 مليارات دولار من عائدات قناة السويس، في حين تمكنت بعض الموانئ في الإمارات والسعودية ومصر من التكيف مع الأزمة إلى حد ما. ورغم انخفاض التجارة البحرية، شهدت أحجام التجارة العالمية تسارعًا عامًا، مما يعكس تحولًا نحو إعادة توجيه الشحنات بدلاً من تقليص حجم التجارة الدولية.
اقرأ أيضًا: مخاوف من عودة أزمة البحر الأحمر بعد تصريحات ترامب على الملاحة
هل نشهد نهاية النفق؟ سيناريوهات محتملة لأزمة البحر الأحمر
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيِّز التنفيذ في 19 يناير 2025، وتعهُّد الحوثيين بالحد من الهجمات على السفن التجارية، زادت التوقعات بتخفيف الأزمة في النقل البحري. ووفقًا للبنك الدولي، هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الوضع في قطاع الشحن خلال عام 2025:
- السيناريو الأساسي: استمرار الأزمة حتى أكتوبر 2025، مما يُبقي على نموّ تجارة الشحن عند مستوياته الحالية.
- سيناريو التعافي التدريجي: ويتمثّل بانتهاء الأزمة بحلول مايو 2025، مع عودة نموّ التجارة إلى المستويات الطبيعية تدريجيًا؛ فمن المتوقّع أن تنمو واردات الشحن بنسبة 1.6% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و4.9% في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى زيادة صادرات الشحن بنسبة 10.3% في البحر الأحمر وشمال أفريقيا، و5.1% في الاتحاد الأوروبي.
- سيناريو التعافي السريع: انتهاء الأزمة في فبراير 2025، مما يؤدي إلى انتعاش سريع في حركة الشحن العالمية، حيث يتوقّع في هذه الحالة أن تزداد واردات الشحن بنسبة 2.1% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و8.2% في الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن زيادة صادرات الشحن بنسبة 17.4% في البحر الأحمر وشمال أفريقيا، و10.2% في الاتحاد الأوروبي.
تسبَّبت أزمة البحر الأحمر في ارتفاع تكاليف الشحن، واضطراب سلاسل التوريد، وتغير مسارات التجارة العالمية، لكن رغم التأثير السلبي على قناة السويس والموانئ الإقليمية، إلّا أنَّ بعض الدول تمكنت من إعادة توجيه تدفقاتها التجارية إلى مسارات بديلة. ومع احتمال انتهاء الأزمة خلال 2025، سيظل التحدي الأكبر هو كيفية استعادة استقرار الشحن البحري وتقليل المخاطر المستقبلية، لضمان مرونة سلاسل التوريد واستدامة التجارة العالمية.