أزمة الصين واليابان.. تايوان تشعل أخطر موجة توتر في شرق آسيا
يشهد شرق آسيا واحدة من أكثر موجات التوتر حساسية منذ سنوات، في ظل أزمة الصين واليابان التي انفجرت عقب التصريحات التي أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بشأن احتمال تدخل طوكيو عسكريًا إذا استخدمت الصين القوة ضد تايوان، لتفجّر أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين وتعيد إلى الواجهة التنافس الاستراتيجي بين القوتين الآسيويتين.
التصريحات التي تعد الأكثر حدة من جانب مسؤول ياباني رفيع منذ عقود، أشعلت غضبًا صينيًا واسعًا وأدت إلى تفاعلات سياسية وأمنية متلاحقة، في مؤشر على أن المنطقة ربما تقترب من مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة.
تصريحات تشعل أزمة الصين واليابان
قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إنَّ أولى نتائج هذه التصريحات ظهرت سريعًا عندما أصدرت الحكومة اليابانية تحذيرًا عاجلًا لمواطنيها المقيمين في الصين، دعاهم إلى تجنّب الأماكن المزدحمة ورفع مستوى الحذر إلى أقصى درجة.
ووفق ما أعلنه كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، فقد جاء التحذير بعد رصد تنامٍ ملحوظ في الخطاب العدائي تجاه اليابانيين داخل وسائل الإعلام الصينية، مما دفع طوكيو للتعامل مع الموقف باعتباره قضية أمن داخلي تهدد سلامة رعاياها هناك.
وأشار عناني إلى أنَّ السفارة اليابانية في بكين أصدرت تعليمات مباشرة لمواطنيها تحثهم على عدم التنقل بمفردهم، والتحرك ضمن مجموعات، والانتباه إلى أي تصرفات أو مجموعات قد تبدو مريبة، وهو ما يعكس وجود تقدير استخباراتي بأن البيئة المحيطة لم تعد آمنة بالشكل المعتاد.
في الوقت نفسه، لم تتأخر بكين في الرد؛ إذ اعتبرت تصريحات تاكايتشي “تدخلًا سافرًا” في الشؤون الداخلية للصين، مؤكدة أنها تمس جوهر أمنها القومي، وأن الصين “لن تقبل بأي شكل من أشكال تدويل قضية تايوان”، وعلى الفور استدعت وزارة الخارجية الصينية السفير الياباني لتقديم احتجاج رسمي، بينما نشرت صحيفة “جيش التحرير الشعبي” التابعة للجيش الصيني تحذيرًا حمل لهجة غير مسبوقة، جاء فيه أن اليابان “تخاطر بتحويل كامل أراضيها إلى ساحة معركة” إذا تدخلت عسكريًا في مضيق تايوان.
اقرأ أيضًا: الصين.. من طموح الهيمنة إلى الانطواء الاقتصادي
قلق من زيادة النفوذ الصينية في المحيط الهادئ
وصف الدكتور عناني الرسالة بأنَّها إحدى أقوى الإشارات العسكرية التي توجهها بكين لطوكيو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في دلالة واضحة على حساسية الملف وعلى أن الصين باتت مستعدة لاستخدام لغة القوة للرد على أي محاولة للاقتراب من “الخط الأحمر” المتعلق بتايوان.
وزادت حدة التصعيد بعد أن نصحت الحكومة الصينية مواطنيها بتجنب السفر إلى اليابان، وظهرت مؤشرات على إجراءات اقتصادية غير معلنة، تمثلت في تعليق عرض عدد من الأفلام اليابانية في دور السينما الصينية، وهي خطوة لا تحدث إلا عندما ترغب بكين في إرسال رسائل اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه. ويرى عناني أن هذه الإجراءات تمثل بداية “تصعيد ناعم” قد يتحول لاحقًا إلى أدوات ضغط اقتصادية أشد، إذا استمرت الأزمة على هذا النحو.
وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، قال الدكتور حامد فارس، خبير العلاقات الدولية، إن أزمة تايوان لم تعد مجرد ملف صيني داخلي كما تدعي بكين، بل تحولت إلى “نقطة الارتكاز الأهم في منظومة الأمن الإقليمي لشرق آسيا”.
وأشار فارس إلى أن اليابان تنظر إلى تايوان باعتبارها الحاجز الأول أمام تمدد النفوذ الصيني في المحيط الهادئ، وأن الجزر اليابانية القريبة من تايوان –والتي لا تبعد سوى مئة كيلومتر– تجعل طوكيو ترى أي تغيير في الوضع القائم بمضيق تايوان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأضاف أن التصريحات التي أدلت بها تاكايتشي جاءت في سياق القلق الياباني المتزايد من التطور الكبير في القدرات العسكرية الصينية، بما في ذلك التوسع البحري في بحر الصين الجنوبي والشرقي، وهو ما جعل دوائر صنع القرار في طوكيو تشعر بأن اليابان بحاجة لإعادة رسم خطوط دفاعها الاستراتيجية.
الجذور التاريخية لأزمة الصين واليابان
أكَّد فارس أنَّ الأزمة بين اليابان والصين ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الصراع النفسي والسياسي بين البلدين، إذ لا تزال الذاكرة الصينية مثقلة بإرث الاحتلال الياباني وأحداث الحرب العالمية الثانية، بينما تتخوف اليابان من صعود الصين كقوة عسكرية واقتصادية قد تغيّر ملامح التوازن في شرق آسيا. وهذا الإرث التاريخي، كما يصفه فارس، يجعل أي تصريح أو خطوة سياسية قابلة للاشتعال بسرعة، لأن العلاقات بين الطرفين مبنية على حساسية شديدة وانعدام ثقة متبادل.
ورغم محاولات طوكيو احتواء الأزمة دبلوماسيًا فإن التوتر لم يتراجع، فقد وصل إلى بكين مسؤول الشؤون الآسيوية في وزارة الخارجية اليابانية ماساكي كاناي لإجراء محادثات مباشرة مع نظيره الصيني ليو جينسونج.
وأكد الجانب الياباني خلال اللقاء أن سياسة “الصين الواحدة” لا تزال ثابتة، وأن تصريحات تاكايتشي لا تعني تغييرًا في الموقف الرسمي، غير أن الجانب الصيني تمسك بمطالبته بسحب التصريحات باعتبارها “مسيئة وخطيرة”، وقال عناني إن بكين تفسر مثل هذه التصريحات باعتبارها مؤشرًا على تغيّر محتمل في توجهات السياسة اليابانية، وربما استعدادًا لدور عسكري أكبر في المنطقة، وهو ما تعتبره الصين تجاوزًا خطيرًا لما جرى التوافق عليه منذ عقود.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات الدبلوماسية، بل امتد إلى الساحة الميدانية؛ إذ رصدت اليابان دخول سفن صينية مسلحة إلى المياه المتنازع عليها قرب جزر دياويو/سينكاكو، ويرى فارس أن هذه التحركات البحرية تحمل رسائل مباشرة لليابان بأن الصين ليست مستعدة للتراجع أو تقديم تنازلات، وأن لديها القدرة على فرض أمر واقع إذا لزم الأمر، وفي المقابل أعلنت وزارة الدفاع اليابانية أنها تتابع التطورات “بدقة وعلى مدار الساعة”، وأنها لن تسمح بأي محاولة لتغيير الوضع القانوني للجزر المتنازع عليها.
التداعيات الاقتصادية للأزمة
أشار فارس إلى أنَّ التداعيات الاقتصادية للأزمة قد تكون الأكثر خطورة على المدى المتوسط، لأن اليابان والصين ترتبطان بتبادل تجاري ضخم ومصالح اقتصادية مشتركة، وأي انزلاق سياسي، كما يقول، قد يؤدي إلى قيود على الاستثمارات أو تباطؤ في حركة السياحة أو تضييق على الشركات اليابانية داخل الصين، وهو سيناريو سبق أن حدث في أزمات سابقة بين البلدين.
الأزمة الحالية -وفقًا لخبراء- تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة شرق آسيا على تجنب سيناريوهات التصعيد، وأن العودة إلى الحوار الدبلوماسي هي الطريق الوحيد لاحتواء الموقف. وأكد عناني أن تداخل العوامل العسكرية والاقتصادية والتاريخية يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، بينما يعتبر فارس أن “تايوان اليوم ليست مجرد جزيرة، بل مركز ثقل استراتيجي قد يحدد مستقبل المنطقة بأكملها، وأي اضطراب حولها سيترك أثره على العالم كله، وليس شرق آسيا فقط”.
اقرأ أيضًا: لغز تراجع الاستثمارات في الصين