تستعد أوروبا لبدء موسم تخزين الغاز الطبيعي وسط تحديات جيوسياسية متصاعدة؛ حيث أدت التوترات في الشرق الأوسط إلى تفاقم مخاوف الإمدادات، الأمر الذي القارة العجوز في مواجهة منافسة شرسة مع الأسواق الآسيوية لتأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال، ويفرض ضغوطاً إضافية على مستويات المخزون واستقرار الأسعار.
وتشير البيانات الصادرة عن مؤسسة “غاز إنفراستركشر يوروب” إلى وضع مقلق للغاية، حيث وصلت مستويات التخزين في بعض الدول الأوروبية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات طويلة، ففي هولندا، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة امتلاء منشآت التخزين 6% فقط، وهو أدنى مستوى خلال هذه الفترة منذ عام 2010، ما يعكس حجم الاستنزاف الذي تعرضت له المخزونات خلال الشتاء الماضي.
أما في ألمانيا التي تعتبر أكبر مركز لتخزين الغاز في أوروبا، فقد بلغت نسبة المخزون نحو 22% فقط، وهي نسبة أقل بكثير من المعدلات الطبيعية المعتادة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة القارة على تأمين احتياجاتها خلال الأشهر المقبلة.
حرب الشرق الأوسط ومعضلة المنافسة مع آسيا
ويزداد الوضع تعقيدًا مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإيران، والتي أدت إلى تشديد الإمدادات العالمية من الطاقة وارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ. هذه التطورات تضع أوروبا في موقف صعب، إذ خرجت من فصل الشتاء بمخزونات شبه فارغة، ما يفرض عليها الإسراع في إعادة ملء هذه المخزونات خلال فصل الصيف، وهو ما يعني زيادة الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي المسال في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية محدودية في الإمدادات.
وتبرز هنا معضلة المنافسة مع آسيا التي تعد لاعبًا رئيسًا في سوق الغاز العالمي، حيث تسعى الدول الآسيوية، وعلى رأسها الصين، إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة وسط نفس الظروف العالمية، وهذا يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، خاصة في ظل ارتفاع الطلب العالمي وتراجع المعروض، وهو ما قد يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تتعافى من آثار أزمات سابقة.
تحركات أوروبية لتعويض نقص إمدادات الغاز
دعا مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، الدول الأعضاء إلى التحرك المبكر لبدء عمليات ملء المخزونات، محذرًا من أن التأخر في ذلك قد يؤدي إلى الدخول في منافسة حادة على الإمدادات خلال فترات الذروة، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على الأسعار.
كما اقترح خفض مستهدفات التخزين إلى نحو 80% بدلًا من النسب الأعلى التي كانت معتمدة سابقًا، مع الاستفادة من المرونة التي يوفرها الإطار القانوني الأوروبي، بما يسمح للدول الأعضاء بالتكيف مع ظروف السوق الحالية دون التعرض لضغوط مفرطة.
ومن ناحية أخرى، شهدت الأسواق تحسنًا ملحوظًا في الفوارق الموسمية لأسعار الغاز، مدعومة بارتفاع العقود الأوروبية طويلة الأجل، خاصة بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنشآت الغاز في قطر، وهو ما أثار مخاوف بشأن استمرارية الإمدادات في المستقبل، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الأسعار، حيث قفزت أسعار الغاز الأوروبية القياسية بأكثر من 55% منذ اندلاع الحرب، وهو ارتفاع كبير يعكس حجم التوترات التي تشهدها الأسواق.
ورغم هذا الارتفاع، لا تزال مستويات التخزين في أوروبا منخفضة نسبيًا، حيث تبلغ حاليًا نحو 28% فقط، وهو من أدنى المستويات المسجلة في السنوات الأخيرة، ويعكس هذا الواقع حجم التحديات التي تواجهها القارة، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة ملء المخزونات قبل حلول فصل الشتاء المقبل، وهو ما يتطلب جهودًا كبيرة واستثمارات ضخمة، فضلًا عن إدارة دقيقة للموارد المتاحة.
اقرأ أيضًا: ترامب وبينغ ومضيق هرمز.. مثلث الضغط الذي ينهي حرب إيران
هل تنقطع إمدادات الغاز في أوروبا؟
في هذا الإطار، أكد الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، أن أوروبا تواجه تحديًا متجددًا في ملف الطاقة، مشيرًا إلى أن القارة لا تزال من أكثر المناطق هشاشة أمام أي اضطرابات في الإمدادات العالمية، رغم التحسن النسبي في بنيتها التحتية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بنقص الإمدادات الفعلي، بل أيضًا بما يعرف بـ”تسعير المخاطر”، حيث تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ما ينعكس مباشرة على الأسعار حتى دون حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات.
وأشار إلى أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في احتمال حدوث انقطاع فعلي للإمدادات، خاصة في حال تصاعد التوترات في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ومع ذلك أوضح أن هذا السيناريو يظل محدود الاحتمال، نظرًا لصعوبة إغلاق المضيق لفترة طويلة من الناحية العسكرية والسياسية، لافتًا إلى أن التأثير الحالي للأسواق يأتي بشكل أكبر من المخاوف والتوقعات، وليس من نقص حقيقي في المعروض.
وأضاف الدكتور ياسر حسين أن الوضع الحالي يختلف إلى حد كبير عن أزمة عام 2022، عندما واجهت أوروبا صدمة كبيرة نتيجة انقطاع الغاز الروسي، حيث نجحت الدول الأوروبية منذ ذلك الحين في تطوير بنيتها التحتية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، ما منحها قدرا أكبر من المرونة في التعامل مع الأزمات. كما أشار إلى أن اعتماد أوروبا على الغاز الذي يمر عبر مضيق هرمز لا يتجاوز 10%، وهو ما يقلل من حدة التأثير المباشر لأي اضطرابات في هذا الممر.
ورغم ذلك شدد الخبير، على أن أوروبا لا تزال عرضة للتأثر غير المباشر، خاصة في ظل احتمال إعادة توجيه شحنات الغاز نحو الأسواق الآسيوية، التي قد تدفع أسعارًا أعلى لتأمين احتياجاتها، ما يزيد من حدة المنافسة ويضغط على أوروبا للحصول على الإمدادات.
اقرأ أيضًا: توترات مضيق هرمز تبقي النفط تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية
تنويع مصادر الطاقة في أوروبا
من جانبه، أشار ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إلى أن الاتحاد الأوروبي يتبنى نهجًا أكثر تنظيمًا ومرونة في التعامل مع أزمة الطاقة، مستفيدًا من الدروس التي خرج بها من الأزمات السابقة. وأوضح أن المفوضية الأوروبية تلعب دورًا تنسيقيًا بين الدول الأعضاء، حيث لا تتدخل بشكل مباشر في الأسواق، بل تعمل على وضع أطر تنظيمية تضمن استخدام المخزونات بشكل فعال، مع الحفاظ على حد أدنى من الاحتياطيات يكفي لمدة 90 يومًا من الاستهلاك.
وأضاف أن قرار الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية يعتبر خطوة مهمة، لكنه لا يمثل حلًا طويل الأمد، إذ إن هذه الكميات لا تغطي سوى فترة قصيرة نسبيًا من الإمدادات، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
وأكد أن أوروبا نجحت إلى حد كبير في تنويع مصادر الطاقة، حيث لم تعد تعتمد على مورد واحد كما كان الحال في السابق، بل توسعت لتشمل موردين مثل الولايات المتحدة والنرويج، وهو ما يمنحها قدرًا من الأمان النسبي، لكن لا تزال التحديات قائمة، خاصة في ظل انخفاض مخزونات الغاز، إلى مستوى أقل من المتوسط التاريخي، نتيجة زيادة الاستهلاك خلال الشتاء.
كما لفت إلى أن قطر تمثل نحو 9% من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال، إلا أن التحدي الأكبر لا يتعلق بمصدر الغاز بقدر ما يرتبط بممرات النقل، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق.
اقرأ أيضًا: صدمة البنزين في آسيا.. قفزة الهوامش وإعادة رسم خارطة التجارة