أزمة باريس تتعمق بعد استقالة لوكورنو

دخلت فرنسا مرحلة جديدة من الارتباك السياسي، بعد الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، التي جاءت بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون تشكيل حكومته الجديدة، وقد صدمت هذه الخطوة الأوساط السياسية والاقتصادية في باريس، وأشعلت موجة بيعٍ في الأصول الفرنسية، ورفعت هوامش المخاطر في الأسواق، لتتحول الأزمة الحكومية إلى أزمة ثقة أعمق تمس استقرار ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

حكومة بلا تغيير واتهامات بالجمود السياسي

جاءت استقالة لوكورنو بعد أن قرر ماكرون الإبقاء على معظم وزرائه البارزين في التشكيل الجديد، وهو ما اعتبرته المعارضة دليلاً على غياب أي نية للإصلاح أو التغيير. والمفاجأة الأكبر تمثلت في الانتقادات العلنية التي وجهها وزير الداخلية المعاد تعيينه برونو ريتايو، زعيم حزب الجمهوريين اليميني الوسطي، الذي قال إن الحكومة الجديدة “فشلت في القطيعة مع الماضي”.

وبهذا، فقدت الحكومة شرعيتها السياسية حتى قبل أن تبدأ عملها فعلياً، وهو ما عبّر عنه أيضاً أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، قائلاً إن “كتلة الرئيس ماكرون تتفكك، وإننا نعيش أزمة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الحديثة”.

الجدير بالذكر أنّ ماكرون أعاد تدوير شخصيات قديمة دون تقديم أي رؤية جديدة، إذ انتقل برونو لو مير من وزارة المالية إلى وزارة الدفاع، بينما تولّى رولان ليسكيور حقيبة المالية، ورغم أن الأخير معروف بخلفيته اليسارية إلا أنه من أبرز المقربين من الرئيس، ما جعل المعارضة تصف التعديل بأنه “تغيير في المقاعد لا في السياسات”.

وفي هذا السياق، وصف المحللون في “ING Brussels” المشهد بأنه “حلقة من فقدان الثقة المؤسسية”، متوقعين أن يتجه الفارق بين العائد الفرنسي والألماني نحو 100 نقطة أساس، إذا لم تُتخذ خطوات سياسية عاجلة لاستعادة الاستقرار.

الاقتصاد يتأثر فورًا.. ارتفاع العائد وتوسع الفجوة

اقتصادياً لم يتأخر تأثير الصدمة، إذ سجَّلت الأسواق المالية تراجعاً ملحوظاً، فقد ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى 3.6% بزيادة تسع نقاط أساس، بينما اتسع الفارق بين العائد الفرنسي والألماني إلى أكثر من 89 نقطة أساس، وهو الأعلى منذ أواخر عام 2024.

هذا الفارق، يُعد مؤشراً رئيسياً على مستوى الثقة في المالية العامة، ما يعني أن المستثمرين باتوا يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، في إشارة واضحة إلى ارتفاع المخاطر السياسية والاقتصادية في البلاد.

عجز يتكرر كل عام

جاءت استقالة لوكورنو امتدادًا لأزمةٍ سياسية متجددة في فرنسا، تعكس حالة الانقسام الحاد داخل البرلمان وصعوبة تمرير الموازنة العامة؛ فبعد فشل ميشيل بارنييه في ديسمبر 2024 في تمرير خطته لخفض الإنفاق واستقالته لاحقًا، تولّى فرانسوا بايرو رئاسة الحكومة، لكنه واجه المصير ذاته في سبتمبر 2025 إثر خسارته تصويت الثقة بعد رفض النواب زياداتٍ ضريبية مقترحة لسد العجز المالي.

واليوم، يلتحق سيباستيان لوكورنو بالقائمة بعد أقل من شهرٍ على تعيينه، لتتعمق صورة المشهد المالي والسياسي المضطرب، حيث لا تزال باريس عالقة في معادلة صعبة عنوانها “الموازنة المستحيلة” بين الانضباط المالي والحسابات السياسية في برلمان منقسم.

اطّلع على جذور الأزمة الفرنسية من الإطاحة بميشيل بارنييه إلى استقالة فرانسوا بايرو في سبتمبر 2025

خيارات ماكرون الصعبة لاستعادة الاستقرار

يجد الرئيس ماكرون نفسه اليوم أمام ثلاثة خيارات جميعها مُكلفة وصعبة التنفيذ، أولها تعيين رئيس وزراء جديد في محاولة لترميم التحالف الحاكم وإعادة الثقة، وثانيها حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة قد تُعيد خلط الأوراق بالكامل، أما الخيار الثالث فهو تحمل المسؤولية منفرداً، وهو احتمال استبعده ماكرون أكثر من مرة لكنه لا يزال قائماً في حسابات المعارضة.

ومع اقتراب الموعد الدستوري لتقديم مشروع الموازنة في الثالث عشر من أكتوبر، تشير التقديرات إلى أن الحكومة قد تلجأ إلى استخدام “تشريعات استثنائية” لتجنّب فراغٍ مالي، وهي خطوة قد تُعمق الأزمة وتُضعف الثقة أكثر في الأسواق المالية.

الدعوات لانتخابات مبكرة تلوح في الأفق

في المقابل، توحدت المعارضة على انتقاد الرئيس وتشكيله الحكومي، فقد قال جوردان بارديلا، زعيم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، إن “الاستقرار لن يُستعاد إلا بالعودة إلى صناديق الاقتراع وحل الجمعية الوطنية”، فيما أكد الحزب الاشتراكي وحركة الخضر أنَّ الحكومة الجديدة “نسخة مكررة من الإخفاق السابق”، إذ احتفظت بالأسماء والسياسات نفسها التي فقدت ثقة الفرنسيين. أما في الشارع، فقد عادت مشاعر الإحباط التي تذكر باحتجاجات قانون التقاعد عام 2023، حيث يرى المواطنون أن الحكومة تتجاهل المطالب الاجتماعية وتخدم مصالح النخبة الاقتصادية.

انعكاسات أعمق.. ضعف التصنيف والضغوط الدولية

بدأ المستثمرون فعلاً في تقليص حيازاتهم من السندات الفرنسية، وسط تحذيرات من أن الأزمة قد تؤثر على التصنيف الائتماني للبلاد، فقد تجاوزت الديون العامة الفرنسية 112% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت يتراجع فيه النمو وتتسع الفجوة بين الإيرادات والنفقات.

هذا الضعف المالي يجعل من كل اضطرابٍ سياسي خطراً مضاعفاً، لأن الأسواق لم تعد تتسامح مع التأجيل أو الغموض في الخطط الاقتصادية، وتقول مصادر في البنك المركزي الأوروبي إن استمرار الشلل السياسي في باريس قد يدفع وكالات التصنيف مثل ستاندرد آند بورز وموديز إلى مراجعة تقييمها للاقتصاد الفرنسي.

قبل استقالته بيومٍ واحد، كان من المفترض أن يُقدم لوكورنو بيان السياسة العامة أمام البرلمان، محذراً من أن فشل تمرير الموازنة، سيجبر الحكومة على إدارة الإنفاق عبر أوامر تنفيذية مؤقتة، وهذا التحذير تحقق فعلاً بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، إذ تراجعت السندات وتزايدت الضغوط على الاقتصاد الفرنسي، بينما بقيت الأسهم في البورصة تحت ضغط مزيجٍ من المخاوف السياسية والتباطؤ الاقتصادي. وتقدر وزارة المالية أن العجز المالي قد يرتفع إلى 6% من الناتج المحلي بدل الهدف المعلن عند 4.6%، ما يُهدد بزيادة عبء الفوائد وتآكل ثقة المستثمرين.

اقرأ أيضًا: فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش

تحالف وسطي يترنح

تكشف الأزمة الأخيرة هشاشة التحالف الوسطي الذي قام عليه نظام ماكرون منذ انتخابه عام 2017، فالرئيس فقد تدريجياً دعم اليسار المعتدل الذي ساعده على الوصول إلى الحكم، كما فشل في استمالة اليمين البراغماتي المنقسم داخلياً، ومع غياب أغلبية واضحة في البرلمان، أصبح تمرير أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي مهمة شبه مستحيلة، ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا الجمود إلى شلل مؤسسي طويل الأمد، يعمق أزمة الثقة بين السلطة والمجتمع ويضعف صورة فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي.

في هذه الأجواء، بدأت القوى السياسية استعداداتها لاحتمال الانتخابات المبكرة، فاليمين المتطرف يرى في الأزمة فرصةً تاريخية للوصول إلى الحكم، فيما يحاول اليسار بناء تحالف موحد تحت شعار “إنقاذ الجمهورية من الفوضى”، أما داخل المعسكر الوسطي، فالأصوات المطالبة بتغيير المسار السياسي تتزايد يوماً بعد يوم، وقال أحد قادة الجمهوريين في تصريحات إذاعية: “هذه ليست أزمة حكومة فحسب، بل أزمة نظام، لأن الرئيس فقد القدرة على الحكم”.

ترقب حذر في الأوساط السياسية والاقتصادية

الأسواق تترقب قرارات الإليزيه في الأسابيع المقبلة لمعرفة الاتجاه المقبل، فالمستثمرون ينتظرون ما إذا كان ماكرون سيعين رئيس وزراء جديداً، أو يتجه إلى صناديق الاقتراع، وفي كلتا الحالتين تبدو النتيجة واحدة على المدى القصير: مزيد من التقلبات ومزيد من الحذر تجاه الأصول الفرنسية، كما يقترب الموعد الدستوري لتقديم الموازنة ليكون بمثابة اختبار لشرعية الحكومة المقبلة، ولقدرتها على طمأنة الأسواق وإعادة الثقة في الاقتصاد الفرنسي.

استقالة لوكورنو، لا تُختصر في كونها أزمة حكومية عابرة، بل هي تعبير عن خلل هيكلي في توازن السلطة داخل الجمهورية الخامسة، فبين حكومة بلا أغلبية، وبرلمان منقسم، وأسواق تفقد الثقة، ورئيس يبحث عن طريق ثالث بين الصدام والتراجع، تبدو فرنسا في لحظة مفصلية من تاريخها الحديث، فإما أن تنجح في ترميم الثقة سريعاً عبر حكومة جديدة تملك رؤية مالية واضحة، أو تنزلق نحو انتخابات مبكرة تعيد رسم المشهد السياسي بالكامل، وفي الحالتين يظل الثمن الاقتصادي والسياسي باهظاً، لأن البلاد دخلت فعلاً مرحلةً جديدة عنوانها: سياسة مشلولة، واقتصاد تحت الضغط، وثقة الأسواق على المحك.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة