أزمة مياه السند بين الهند وباكستان: تهديدات اقتصادية وجيوسياسية واسعة
مع تزايد التوترات بين الهند وباكستان بشأن مياه نهر السند، تواجه المنطقة تحديات غير مسبوقة تهدد الأمن الاقتصادي والبيئي، إذ إنّ الصراع الحالي حول الموارد المائية بين البلدين، والذي يعكس تضارب المصالح بين الاقتصاد والزراعة والطاقة، يسلط الضوء أيضاً على أهمية التعاون الدولي في إدارة المياه العابرة للحدود.
ووفقًا للخبراء فإنّ هذه القضية ليست مجرد نزاع محلي بين دولتين جارتين، بل ستترتب عليها تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، لاسيما في ظل اعتماد باكستان على مياه النهر في قطاعات حيوية مثل الزراعة والطاقة الكهرومائية.
آثار اقتصادية إقليمية فورية
من جانبه حذر الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، من أن تصاعد النزاع القائم بين الهند وباكستان بشأن مياه نهر السند يمثل خطرًا حقيقيًا ليس فقط على استقرار جنوب آسيا، بل أيضًا على الاقتصاد العالمي ككل. وأكد أن أي تحرك عسكري أو تصعيد في هذا الملف الحساس ستكون له انعكاسات اقتصادية دولية واسعة.
كما أوضح أن النزاع بين البلدين له جذور تاريخية تعود إلى ما بعد استقلالهما في عام 1947، مشيرًا إلى أنَّ اتفاقية مياه السند عام 1960، التي وُقعت برعاية البنك الدولي، وزعت حقوق استخدام مياه الحوض بين الجانبين، لكن مع تغير الظروف المناخية وزيادة الطلب على المياه عادت الخلافات إلى السطح بشكل أكثر حدة.
وفي هذا السياق، أكَّد الخبير الاقتصادي أنَّ اندلاع نزاع عسكري بين الهند وباكستان بسبب المياه سيؤدي إلى شلل اقتصادي إقليمي، موضحًا أن الزراعة الباكستانية تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر السند، وبالتالي فإن أي تقليص في الحصة المائية سيهدد الأمن الغذائي لباكستان ويؤدي إلى أزمة إنسانية قد تمتد آثارها إلى الدول المجاورة.
وأشار إلى أن الهند أيضًا ستتأثر، حيث إنَّ قطاعيها الصناعي والزراعي يعتمدان بشكل متزايد على الموارد المائية المستقرة، وأي نزاع قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعطيل سلاسل التوريد الداخلية.
انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي
أوضح الدكتور محمد الشوربجي أنَّ تداعيات النزاع لن تقتصر على حدود البلدين، بل ستمتد إلى الأسواق العالمية، مبينًا أنَّ الهند وباكستان من كبار منتجي السلع الغذائية الرئيسية مثل الأرز والقمح والقطن، وبالتالي فإنَّ أي تعطل في الإنتاج أو التصدير سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، وهو ما قد يُفاقم أزمة التضخم التي تُعاني منها العديد من الاقتصادات.
وأضاف أنَّ الأسواق المالية ستكون شديدة الحساسية لأي تصعيد، حيث ستشهد موجة من هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة باتجاه الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار الأمريكي، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار العملات والأصول في مختلف أنحاء العالم.
وأكد أن حركة التجارة الدولية قد تتأثر أيضًا، نظرًا لأن الهند تعد مركزًا مهمًا لسلاسل الإمداد العالمية في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والصناعات الدوائية والمنسوجات، وأي تعطيل لهذه القطاعات سينعكس سلبًا على الشركات العالمية.
وأشار الشوربجي أيضًا إلى أن منطقة النزاع قريبة جغرافيًا من الشرق الأوسط، وهي منطقة حيوية لإنتاج النفط والغاز، مما يجعل الأسواق النفطية حساسة لأي تصعيد عسكري هناك. وقال إنَّ مجرد التوترات قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا بسبب المخاوف على سلامة طرق الإمداد، وهو ما قد يضغط على النمو الاقتصادي العالمي.
البعد الجيوسياسي للصراع
أوضح الخبير الاقتصادي أنَّ النزاع قد يستقطب قوى دولية كبرى مثل الصين، التي تربطها علاقات استراتيجية بباكستان، في مقابل الولايات المتحدة التي تمتلك مصالح اقتصادية قوية مع الهند، مما قد يحول النزاع إلى أزمة إقليمية أكبر ذات أبعاد جيوسياسية عالمية.
وأضاف أنَّ استمرار التصعيد قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي بنسبة ملحوظة، مع تزايد احتمالات دخول بعض الدول في موجات من الركود نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
اقرأ أيضًا: ترامب يدفع الهند لإلغاء رسوم السيارات الأمريكية.. هل تفتح تسلا أبواب السوق الهندي؟
استراتيجيات حل الأزمة
رغم خطورة الموقف، أشار الدكتور محمد الشوربجي إلى أن هناك فرصًا حقيقية لتجنب نشوب نزاع مسلح، مشددًا على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي في تسهيل الحوار بين الجانبين.
وأكد أن التعاون في مجال إدارة الموارد المائية أصبح ضرورة ملحة، داعيًا إلى تبني حلول طويلة الأمد مثل الاستثمار في تحلية المياه، وتطوير شبكات الري الحديثة، وإعادة تدوير المياه لضمان استدامة الموارد وتقليل حدة النزاعات.
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن العالم لا يستطيع تحمل المزيد من الأزمات الكبرى، خاصة مع استمرار تداعيات الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، مضيفًا أن حل النزاعات حول المياه بشكل سلمي أصبح اليوم ضرورة اقتصادية بقدر ما هو ضرورة إنسانية.
الحاجة إلى مراجعة اتفاقية مياه السند
اتفقت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية مع رأي الشوربجي مؤكدة أن الخلافات المتزايدة بين الهند وباكستان بشأن مياه حوض نهر السند تمثل خطرًا متناميًا ليس فقط على الاستقرار الإقليمي ولكن أيضًا على الأمن الاقتصادي العالمي، في ظل اعتماد أكثر من 80% من الزراعة الباكستانية ونحو ثلث إنتاجها من الطاقة الكهرومائية على مياه الحوض.
وأشارت إلى أن باكستان كانت قد اعترضت في السابق على عدة مشروعات هندية للطاقة الكهرومائية والبنية التحتية المائية، معتبرة أن هذه المشروعات قد تؤدي إلى تقليص تدفقات الأنهار وانتهاك اتفاقية مياه السند، وهي الاتفاقية التي رعتها الأمم المتحدة والبنك الدولي للحفاظ على استقرار توزيع المياه بين البلدين.
وأضافت أن الهند باتت تسعى اليوم إلى مراجعة اتفاقية مياه السند، مبررة ذلك بالاحتياجات المتغيرة لمواطنيها في مجالات الري، ومياه الشرب، والطاقة الكهرومائية، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. وأوضحت أن هذا التوجه الهندي قد يؤدي إلى مزيد من التوترات، خصوصًا مع تمسك باكستان ببنود المعاهدة الأصلية.
تهديدات الهند بتعليق المشروعات المائية
حذرت الخبيرة الاقتصادية من خطورة إعلان الهند تعليق تنفيذ عدد من المشاريع المائية، مؤكدة أنَّ الهند -بحكم موقعها الجغرافي كدولة تقع أعلى حوض النهر- تمتلك قدرة تقنية وجغرافية تمنحها الأفضلية للتحكم بمجرى المياه، وهو ما قد يؤدي إلى الإضرار الكبير بالاقتصاد الباكستاني.
وأضافت أن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو محدودية البنية التحتية الهندية الحالية، حيث تعتمد مشروعاتها المائية على توليد الكهرباء من تدفقات الأنهار دون الحاجة لتخزين كميات ضخمة من المياه، مما يقلل من فرص تنفيذ التهديدات باحتجاز المياه بشكل واسع النطاق، إلا أن أي تطوير مستقبلي في البنية التحتية قد يغير هذه المعادلة بشكل دراماتيكي.
غياب تبادل البيانات الهيدرولوجية وتأثيراته
أوضحت الدكتورة مروى خضر أن المعاهدة تنص على ضرورة تبادل البيانات الهيدرولوجية الحيوية لتوقعات الفيضانات وخطط الري والطاقة، إلا أن الهند شاركت باكستان فقط حوالي 40% من البيانات المطلوبة حتى قبل الإعلان الأخير، بحسب ما كشفته تصريحات مسؤولين باكستانيين.
وأكدت خضر أنَّ امتناع الهند عن مشاركة البيانات سيفاقم مخاطر الكوارث الطبيعية، خصوصًا خلال فترة الرياح الموسمية التي تمتد من يونيو حتى سبتمبر، وتشهد عادة فيضانات مدمرة.
المخاوف من “تسليح المياه”
حذرت خضر من خطورة ما يسمى بـ”القنبلة المائية”، موضحة أن الدولة الواقعة أعلى مجرى النهر قد تحتجز المياه مؤقتًا ثم تطلقها فجأة دون إنذار، مما قد يؤدي إلى دمار واسع النطاق في الأراضي الواقعة أسفله، وهي باكستان في هذه الحالة.
ورغم أنَّ التضاريس والمسافة الكبيرة بين السدود الهندية والحدود الباكستانية تجعل من الصعب استخدام هذا السيناريو حاليًا، إلا أن الدكتورة خضر أكدت أن تطوير الهند لبنيتها التحتية مستقبلاً قد يجعل هذا الاحتمال قائمًا، مما يهدد الأمن المائي والغذائي للمنطقة بأسرها.
أهمية تحرك المجتمع الدولي
أوضحت الدكتورة مروى خضر أنَّ تفاقم النزاع المائي بين الهند وباكستان قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية العالمية، بدءًا من ارتفاع أسعار الغذاء بسبب اضطرابات الإنتاج الزراعي في باكستان، وصولاً إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية إذا امتد التوتر إلى جنوب آسيا بأكملها، وهي منطقة حيوية لممرات التجارة والنفط.
كما أشارت إلى أن تصاعد التوترات قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة إلى الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب، مما يخلق تقلبات عنيفة في أسواق المال العالمية.
وفي ختام تصريحاتها، شدَّدت الخبيرة الاقتصادية على أهمية تحرك المجتمع الدولي، خصوصًا البنك الدولي والأمم المتحدة، لدعم تسوية سلمية وعادلة للنزاع المائي، من خلال آليات تضمن تقاسمًا عادلًا ومستدامًا للموارد المائية.
كما أكَّدت أن إدارة النزاعات المائية اليوم لم تعد قضية تنموية أو بيئية فحسب، بل أصبحت أيضًا قضية أمن اقتصادي واستقرار إقليمي وعالمي.
اقرأ أيضًا: الهند تدرس خفض دعم انتقال الطاقة لشركات النفط