دفعت التوترات الحالية في مضيق هرمز بعض الدول للبحث عن بدائل لتأمين إمدادات الوقود، وفي هذا الإطار أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي اليوم الثلاثاء، 19 مايو 2026، أن بلاده ستستورد ثلاث شحنات من وقود الطائرات من الصين بإجمالي 600 ألف برميل، لمضاعفة المخزون الوطني لمواجهة تحديات ارتفاع أسعار الوقود.
وكان تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز قد أدى إلى زيادة حادة في أسعار الوقود عالمياً، ما وضع العديد من دول آسيا والمحيط الهادئ أمام أزمة طاقة محتملة، خاصة في القطاعات الحيوية التي تعتمد على النقل الجوي.
ومن المتوقع وصول شحنات وقود الطائرات الجديدة في شهر يونيو المقبل، بعد أن جرى الاتفاق عليها عقب محادثات الشهر الماضي بين ألبانيزي ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، التي تناولت ملف أمن الطاقة والتعاون الاستراتيجي بين البلدين في هذا القطاع الحيوي.
مخاطر التصعيد العسكري
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي أن الخطوة التي اتخذتها أستراليا لن تقتصر عليها بل ستمتد للعديد من الدول الأخرى، مؤكدًا أن الأزمة في مضيق هرمز لم تعد مجرد توتر محدود بين دولتين، بل أصبحت ملفًا دوليًا حساسًا؛ لأن أي تصعيد يمكن أن يؤثر على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، وأسواق الطاقة والتأمين البحري.
وأشار عبد الهادي إلى أنّ التهديدات الأمريكية المتكررة باستهداف المنشآت الإيرانية الحيوية، سواء كانت منشآت نفطية أو موانئ أو محطات طاقة، لم تعد مجرد رسائل سياسية، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي الإقليمي والدولي.
وقد أعلنت طهران أكثر من مرة أنها مستعدة للرد على أي استهداف، بما في ذلك ضرب المصالح الاستراتيجية للدول الداعمة للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يزيد من احتمالية تصعيد الموقف وتوسعه.
وأضاف عبد الهادي أن مخاطر الأزمة تكمن في أن أي تصعيد عسكري جديد قد يمتد إلى باب المندب أيضًا، مما يهدد ممرين بحريين حيويين للتجارة العالمية ويجعل الاقتصاد الدولي أمام تحديات جسيمة تشمل ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل حركة الشحن وارتفاع تكلفة التأمين على النقل البحري.
وأكد أن أي محاولة للسيطرة العسكرية على مضيق هرمز ليست سهلة، لأنها تتطلب عملية واسعة ومكلفة للغاية، وقد تؤدي إلى اندلاع حرب مفتوحة بدلاً من إعادة الاستقرار، مشيرًا إلى أن مجرد التلويح بإغلاق المضيق كافي لإرباك الأسواق العالمية.
وأشار عبد الهادي إلى أن الاقتصاد أصبح جزءًا من أدوات الحرب، حيث لم تعد الصواريخ والطائرات وحدها هي من تتحكم في الصراعات، بل تدخل أساليب الضغط الاقتصادية والمالية والإعلامية لتحديد موازين القوى، ما يجعل أي تحرك عسكري مرتبطًا بتداعيات اقتصادية مباشرة.
وأوضح أن الولايات المتحدة تواجه معادلة صعبة، فهي ترغب في تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، لكنها في الوقت نفسه محدودة بالقيود الداخلية، مثل الضغوط الانتخابية والأحداث الدولية الكبرى، وهو ما يعقد حساباتها ويجعل أي تحرك محدودا محفوفا بالمخاطر.
اقرأ أيضًا: بعد انتهاء زيارة ترامب للصين.. هل تضغط بكين على طهران؟
تكلفة استهداف المنشآت الاقتصادية
من جانبه، أكد الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، أن تصعيد الأزمة يفتح الباب أمام تعقيدات قانونية شديدة، لأن أي محاولة لإغلاق الممرات البحرية أو استهداف المنشآت النفطية أو محيط المنشآت النووية قد يثير أسئلة حول حرية الملاحة، وحدود استخدام القوة، ومسؤولية الدول عن الأضرار الناتجة وفق القانون الدولي وقانون البحار.
وأوضح يوسف أن استهداف المنشآت الاقتصادية في دول المنطقة قد يؤدي إلى مطالبات تعويضية ضخمة، خاصة إذا تسبب في تعطيل العقود التجارية أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. وأضاف أن تعدد الأطراف المنخرطة في الأزمة يجعل تحديد المسؤولية القانونية أمرًا بالغ التعقيد، إذ يمكن أن يثار جدل حول مسؤولية الدولة التي خرجت منها الهجمات، ومدى علمها بها، وقدرتها على منعها، وعلاقتها بالجهة المنفذة، وهو ما يضع القانون الدولي أمام اختبار حقيقي.
وفي سياق متصل، أكد عبد الهادي أن إيران تمتلك أوراق قوة استراتيجية متعددة؛ تشمل القدرات العسكرية والصاروخية والمسيرات والغواصات، وهي قادرة على توسيع دائرة الرد على أي هجوم محتمل، بما يشمل الممرات البحرية والمنشآت النفطية لدول المنطقة.
ولفت إلى أن هذا يجعل أي تهديد أمريكي محدوداً أو قصير الأمد، كما أن المعنويات الداخلية في إيران مرتفعة، إذ تدعم التظاهرات الشعبية المستمرة موقف القيادة، ما يمنح طهران مساحة أكبر للمناورة ويجعل الرد العسكري الإيراني أكثر صلابة وفعالية. وأضاف أن إيران تراهن على الوقت وصمودها أمام الضغوط، وهو ما يعطيها موقعًا تفاوضيًا أقوى في أي مسار سياسي محتمل.
كما أشار الخبراء إلى أن أي تصعيد قد يمتد إلى العراق أو اليمن أو لبنان، أو يشمل استهداف المنشآت النفطية لدول الخليج أو محيط المنشآت النووية، ما يحول النزاع من مواجهة ثنائية إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف، ويضاعف التداعيات الاقتصادية.
ولفتوا إلى أن دخول أي دولة أخرى في نطاق العمليات العسكرية سيزيد التعطيل الاقتصادي، ويرفع تكلفة النقل البحري، ويؤثر في حركة التجارة العالمية، ويضع المنطقة أمام تهديد اقتصادي مباشر يطال الأسواق المحلية والدولية على حد سواء.
وأكد يوسف أن القانون الدولي يضع قيودًا واضحة على استخدام القوة، خصوصًا فيما يتعلق بالممرات البحرية والمنشآت النووية أو النفطية، وأن أي تصعيد من شأنه فتح ملفات قانونية واسعة، بما في ذلك مطالبات تعويضية للشركات والحكومات المتضررة.
كما أوضح أن العقود التجارية الدولية غالبًا ما تتضمن بنودًا متعلقة بالحرب والحصار والقوة القاهرة، لكنها تختلف في تفسيرها بحسب القانون المطبق، وهو ما يزيد من التعقيد في أي أزمة قد تتطور إلى مواجهة إقليمية.
اقرأ أيضًا: النفط بين توترات مضيق هرمز ونزيف المخزونات العالمية
دور الحرب النفسية والإعلامية في أزمة هرمز
أشار عبد الهادي إلى أن الحرب النفسية والإعلامية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الصراع، حيث تؤثر التهديدات المستمرة وتصريحات المسؤولين حول أهداف محتملة على الأسواق المالية والعقود التجارية، حتى قبل وقوع أي ضربات فعلية.
وأضاف أن استمرار هذه التهديدات يفرض على الشركات والحكومات إعادة تقييم المخاطر، وقد يدفعها إلى تعديل العقود أو تأجيل المشاريع أو رفع أسعار الخدمات، ما يجعل الحرب النفسية جزءًا من إدارة الصراع الاقتصادي والقانوني معًا.
ووفقًا للخبراء فإنّ الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالصراع العسكري، بل تمتد لتشمل الاقتصاد، والقانون والمجتمع المدني، حيث يمثل صمود إيران الشعبي والمعنوي عاملاً حاسمًا في الحسابات الإقليمية والدولية، وأي مواجهة عسكرية في المنطقة لن تبقى محصورة في طرفين فقط، بل قد تتوسع لتشمل مناطق نفوذ متعددة، مما يحول النزاع إلى أزمة إقليمية ودولية واسعة، مع تداعيات اقتصادية وقانونية طويلة المدى.
وشدّد الخبراء على أن الحل السياسي والتفاوضي يظل الخيار الأكثر أمانًا والأقل تكلفة، حيث أن أي مواجهة عسكرية مفتوحة ستؤدي إلى ارتباك الأسواق، وارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل التجارة الدولية، بالإضافة إلى زعزعة الاستقرار القانوني والاقتصادي في المنطقة، بينما يتيح التفاوض السياسي تحقيق أهداف أطراف النزاع مع الحد من الأضرار الاقتصادية والقانونية المحتملة، بما يحافظ على مصالح الدول والشركات والمجتمع الدولي.
اقرأ أيضًا: طهران تتحرك للسيطرة على هرمز عبر آلية ملاحة ورسوم بحرية