أزمة وقود الطائرات تضرب شركات الطيران حول العالم

تلقي أزمة نقص وقود الطائرات، الناتجة عن التوترات الأمنية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بظلالها الثقيلة على صناعة النقل الجوي العالمي، وسط مخاوف متزايدة من اضطراب حركة الرحلات الجوية مع دخول ذروة موسم السفر الصيفي.

وفي هذا السياق، قال يسري عبدالوهاب، الرئيس السابق لاتحاد النقل الجوي المصري، إن أزمة وقود الطائرات ممتدة منذ أكثر من شهرين، ولم تقتصر آثارها على إفريقيا أو منطقة الشرق الأوسط فقط، بل انعكست على حركة الطيران في العالم كله.

وأوضح عبدالوهاب أن بعض المناطق مثل الولايات المتحدة وأوروبا بدأت تشهد تحسنًا نسبيًا في معدلات التشغيل، إلا أن أسعار تذاكر الطيران لا تزال في ارتفاع، مشيرًا إلى أن منطقة الشرق الأوسط كانت الأكثر تأثرًا بالأزمة، بسبب الحرب التي دارت في منطقة الخليج، وما صاحبها من استهدافات وتوترات أثرت سلبًا على حركة الطيران وأسعار الوقود.

أسباب أزمة وقود الطائرات

أشار عبدالوهاب أنّ من بين الأسباب الرئيسة للأزمة أن نسبة مهمة من الوقود العالمي تمر عبر منطقة هرمز، موضحًا أن التقديرات تشير إلى أن نحو 20% من الوقود العالمي يأتي من هذه المنطقة، وهو ما أدى إلى بطء تعافي حركة الطيران في الشرق الأوسط مقارنة بمناطق أخرى.

وأشار إلى أن الأزمة لا تزال قائمة، لكنها بدأت تخف تدريجيًا، مع توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة بعض التحسن إذا استقرت حركة إمدادات النفط والوقود.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة لحركة الطيران خلال ذروة موسم الصيف في حال استمرار نقص الإمدادات، أكد عبدالوهاب أن التأثير موجود بالفعل، خاصة مع بداية شهر مايو، حيث تبدأ حركة السفر والسياحة في الزيادة، خصوصًا من منطقة الخليج إلى معظم دول العالم.

وأوضح أن المشكلة الكبرى التي بدأت مع حرب الخليج تمثلت في ارتفاع أسعار الوقود، وهو ما انعكس على جميع الصناعات المرتبطة بالطيران؛ فالوقود لا يؤثر على تكلفة تشغيل الطائرات فحسب، وإنّما يمتد أثره إلى الخدمات اللوجستية والتموين وقطع الغيار والزيوت المستخدمة في الطائرات، وحتى الوجبات المقدمة على الرحلات، لأن ارتفاع الوقود يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الخضروات واللحوم والفواكه وغيرها من مستلزمات التشغيل.

قد يهمّك أيضًا: أزمة إيران تعزز رهان الصين على السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية

معايير إلغاء المسارات الجوية

أكّد عبدالوهاب أن صناعة الطيران تعد من الصناعات الحساسة للغاية، لأن أي ارتفاع في أسعار الوقود ينتقل سريعًا إلى باقي عناصر التكلفة، ثم يظهر في النهاية على أسعار تذاكر الطيران، وهو ما حدث بالفعل خلال الفترة الحالية، معربًا عن أمله في أن تبدأ الأسعار في التراجع خلال الفترة المقبلة مع عودة تدفقات النفط من مضيق هرمز بصورة أكثر انتظامًا.

وعن معايير شركات الطيران في إلغاء بعض المسارات الجوية لتفادي الخسائر، أوضح عبدالوهاب أن شركات الطيران بطبيعتها تبحث عن تحقيق الربحية وتقليل الخسائر إلى أدنى مستوى ممكن، لذلك تلجأ بعض الشركات إلى إلغاء الرحلات غير المجدية اقتصاديًا، خاصة إذا كان عدد الركاب منخفضًا، كأن تكون الطائرة محملة بعشرين راكبًا فقط في اتجاه معين.

وأضاف أن الشركات قد تلجأ كذلك إلى دمج بعض الرحلات أو التعاون فيما بينها، بحيث تتفق شركتان أو ثلاث أو أربع شركات على تجميع الركاب في رحلة واحدة بدلًا من تشغيل عدة رحلات منخفضة الإشغال، بهدف تقليل التكلفة والحفاظ قدر الإمكان على سعر التذكرة، حتى لا يضطر الراكب إلى البحث عن بدائل أخرى مثل الطرق البرية أو البحرية، رغم صعوبتها في كثير من الحالات.

نقص إنتاج وقود الطائرات والكيروسين

شهدت واردات أوروبا من وقود الطائرات القادمة من الشرق الأوسط خلال شهر أبريل الماضي انخفاضًا حادًا، نتيجة تأثير الحرب الإيرانية على إمدادات الشرق الأوسط، وهو ما أثار مخاوف من نقص كبير في الإمدادات قبل ذروة موسم السفر الصيفي.

وتستهلك الدول الأوروبية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تضم كبرى الدول الصناعية، نحو 1.6 مليون برميل يوميًا من وقود الطائرات والكيروسين، بينما لا تنتج المصافي الأوروبية سوى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا، ما يخلف عجزًا لا يقل عن 500 ألف برميل يوميًا، يجب تغطيته من خلال الواردات.

من جانبه، قال الدكتور عاطف عبد اللطيف، الخبير السياحى، إن أزمة الوقود تحولت بالفعل إلى كابوس لشركات الطيران في أوروبا، معتبرًا أن القارة الأوروبية تعد من أكثر المناطق تضررًا بعد منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن منطقة الشرق الأوسط كانت قد حققت معدلات نمو قوية في حركة السفر والسياحة، وكانت تقود مناطق العالم من حيث نمو الإيرادات السياحية، حيث بلغت إيراداتها في العام الماضي نحو 194 مليار دولار، بزيادة وصلت إلى 24% مقارنة بعام 2019، إلا أن التوترات الحالية تسببت في انحسار واضح لحركة السفر والسياحة في المنطقة.

وأشار إلى أن أوروبا تأثرت بشدة لأن جزءًا كبيرًا من حركة الطيران القادمة من آسيا كان يمر عبر مطارات محورية في المنطقة، مثل دبي وأبوظبي والبحرين والدوحة، موضحًا أن بعض هذه المطارات عملت بشكل جزئي في ظل المعطيات الجيوسياسية الحالية، ما انعكس على حركة السفر بين آسيا وأوروبا.

اقرأ أيضًا: أبعاد انسحاب الإمارات من أوبك وتأثيره على أسعار النفط

رفع أسعار تذاكر الطيران

أكد عبد اللطيف أن التوترات الجيوسياسية أثرت على العالم كله، وأن ارتفاع أسعار الوقود تسبب في اضطراب كبير في حركة السفر والسياحة، مشيرًا إلى أن الوقود يمثل جزءًا كبيرًا من تكلفة تشغيل شركات الطيران، وكان في السابق يمثل نحو 25% إلى 27% من التكلفة عندما كان سعر البرميل عند مستوى 88 دولارًا، بينما ارتفعت نسبة تكلفة الوقود حاليًا إلى نحو 35%، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار التذاكر.

وأضاف أن شركات الطيران الدولية رفعت أسعار التذاكر وقلصت عددًا من رحلاتها بسبب أزمة الوقود، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على جدولة الرحلات الدولية؛ حيث إنّ ارتفاع أسعار الطيران يؤدي إلى رفع أسعار الرحلات السياحية، وكلما ارتفعت الأسعار تراجع الطلب أو اضطرب، ما دفع بعض المسافرين في الرحلات القصيرة إلى استخدام القطارات أو استئجار السيارات والكرفانات أو السفر بسياراتهم الخاصة، نتيجة ارتفاع أسعار تذاكر الطيران بشكل كبير.

هل تتستطيع الشركات الأوروبية امتصاص الصدمة؟

أشار البطوطي، الخبير السياجي، إلى أنّ هناك حالة قلق كبيرة في أوروبا، موضحًا أنه إذا استمرت الحرب أو بقي الوضع الحالي كما هو، دون حرب شاملة ودون تهدئة واضحة، فقد تظهر مشكلات حقيقية خلال نحو ستة أسابيع، بسبب نقص كبير في وقود الطائرات.

وعن قدرة الشركات الأوروبية على امتصاص صدمة أسعار الطاقة دون تمريرها بالكامل إلى المستهلك، أوضح أن الأمر يختلف من شركة إلى أخرى حسب القوة المالية لكل شركة، فهناك شركات طيران قوية قادرة على تحمل جزء من التكلفة، وشركات أخرى ضعيفة تعاني بدرجات متفاوتة. كما يختلف الوضع من دولة إلى أخرى، فبعض الدول تمتلك احتياطيًا من الكيروسين ووقود الطائرات، بينما دول أخرى لديها احتياطي محدود أو شبه معدوم.

وفيما يتعلق بالخطط الاستباقية التي يمكن أن تتخذها اتحادات النقل وشركات الطيران لحماية القطاع الجوي من الركود، قال الخبير إن وضع الخطط أصبح بالغ الصعوبة في ظل حالة عدم اليقين الحالية، مؤكدًا أن لا أحد يستطيع بناء توقعات دقيقة في ظل تغير المواقف السياسية والعسكرية بسرعة.

اقرأ أيضًا: مضيق هرمز.. قراءة اقتصادية وسياسية في أخطر ممرات الطاقة العالمية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة