أسبوع مضطرب للذهب والفضة.. النفط والدولار يقودان المشهد

شهدت أسواق المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب والفضة، أسبوعًا شديد التقلب، حيث تباينت الاتجاهات بين صعود محدود وضغوط هبوطية قوية، في ظل تأثيرات متشابكة شملت قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب ترقب الأسواق للبيانات الاقتصادية الأمريكية.

وعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليديًا الملاذ الآمن، وأن الفضة تتحرك غالبًا في الاتجاه ذاته، إلّا أنَّ كليهما تعرض لضغوط متزايدة خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تغير العوامل المؤثرة في الأسواق العالمية؛ حيث تعرضت أوقية الذهب عالميًا لتراجع ملحوظ، وسط تقلبات حادة تأثرت بشكل رئيس بتحركات الدولار الأمريكي وتداعيات التوترات الجيوسياسية. 

المتغيرات الهيكلية المؤثرة في حركة أسعار الذهب

أوضح المهندس سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، أنّ الأوقية افتتحت تعاملات الأسبوع الماضي عند مستويات مرتفعة نسبيًا، قبل أن تتراجع إلى أدنى مستوى لها خلال أربعة أشهر، ثم تعاود تعويض جزء من خسائرها في نهاية الأسبوع، وشهدت الأسعار نطاقًا واسعًا من التذبذب، ما يعكس حالة عدم الاستقرار التي تسيطر على الأسواق.

لم يعد الذهب يتأثر فقط بدوره التقليدي كملاذ آمن، بل أصبح خاضعًا لمجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية. يأتي في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوزت مستويات خام برنت حاجزًا مرتفعًا، ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا.

في المقابل، ساهمت قوة الدولار الأمريكي في تقليص جاذبية الذهب للمستثمرين، خاصة مع ارتفاع مؤشره، إلى جانب تأثير عوائد سندات الخزانة الأمريكية التي استقرت عند مستويات تجعل الاستثمار فيها أكثر جذبًا مقارنة بالذهب، الذي لا يحقق عائدًا دوريًا.

وأشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى التحديات المتزايدة في إدارة السياسة النقدية نتيجة صدمات أسعار الطاقة؛ فقد حذرت آنا بولسون من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة على التضخم، بينما وصف توماس باركين هذه التطورات بأنها تضيف مزيدًا من الغموض، داعيًا إلى التريث في اتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة حتى تتضح الرؤية الاقتصادية.

ديناميكيات السوق وردود فعل المؤسسات المالية

شهدت الأسواق خلال الأسبوع الماضي أكبر انخفاض يومي يوم الخميس، حيث تراجعت أسعار الذهب بشكل ملحوظ نتيجة صعود الدولار وارتفاع أسعار النفط، لكن رغم هذا التراجع رفعت بعض المؤسسات المالية العالمية، مثل بنك «كومرتس»، توقعاتها لأسعار الذهب بنهاية العام، معتبرة أن الهبوط الأخير قد يكون مؤقتًا في ظل استمرار العوامل الداعمة على المدى الطويل.

وقد أدى انخفاض الأسعار إلى تنشيط محدود في الطلب الفعلي، خاصة في الأسواق الآسيوية مثل الهند والصين، إلا أن هذا الانتعاش لا يزال هشًا، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع أسعار الطاقة، والتي قد تعزز التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة.

اقرأ أيضًا: قنوات السلام تحت النار.. هل تنجح الوساطة الرباعية في وقف الحرب؟

انعكاسات البيانات الاقتصادية الأمريكية على تداولات المعادن

تترقب الأسواق صدور بيانات سوق العمل الأمريكي، والتي تعد عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاهات الذهب خلال الفترة المقبلة، وتشير التوقعات إلى تحسن محدود في معدلات التوظيف مع استقرار معدل البطالة. وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة في ظل استمرار التشديد النقدي، حيث لا تزال التوقعات تشير إلى عدم خفض أسعار الفائدة خلال العام، مع احتمالات لرفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية.

وقد أظهرت بيانات حديثة تراجع ثقة المستهلك الأمريكي، بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم قصيرة الأجل، بالإضافة قيام البنك المركزي التركي بعمليات تسييل لجزء من احتياطياته من الذهب، سواء من خلال البيع المباشر أو عبر صفقات مقايضة للحصول على سيولة.

ورغم أن هذه العمليات لا تعكس خروجًا كاملًا من الذهب، إذ تستخدم غالبًا كضمان مؤقت، فإنّ تكرار مثل هذه التحركات من قبل بنوك مركزية أخرى قد يشكل ضغطًا هبوطيًا على الأسعار عالميًا.

التوترات الجيوسياسية وتأثيرها

ساهمت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط في دعم أسعار الذهب مؤخرًا، حيث عززت الأحداث العسكرية الطلب على المعدن كملاذ آمن. ومع ذلك، شهدت الأسواق موجات بيع واسعة خلال الفترة الأخيرة، نتيجة قوة الدولار، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في الأسعار خلال الشهر، وكذلك منذ بداية التصعيد العسكري الأخير.

وعلى الرغم من الضغوط الحالية، بدأت فئة من المستثمرين في العودة إلى السوق مستفيدة من انخفاض الأسعار، ما يدعم الاتجاه الصعودي للذهب على المدى الطويل.

كما تسعى مراكز مالية آسيوية، مثل هونج كونج وسنغافورة، إلى تعزيز دورها في تجارة الذهب عالميًا من خلال تطوير البنية التحتية وزيادة القدرات التخزينية، في إطار تعزيز مكانة الذهب كأصل احتياطي استراتيجي.

اقرأ أيضًا: قنوات السلام تحت النار.. هل تنجح الوساطة الرباعية في وقف الحرب؟

محددات العرض والطلب في سوق الفضة العالمي

شهدت الفضة خلال عام 2026 تقلبات غير مسبوقة، تضمنت صعودًا حادًا أعقبه تصحيح سريع، في واحدة من أسرع دورات التغير السعري في تاريخ السوق. وخلال تداولات الأسبوع، سجَّلت أسعار الفضة ارتفاعات ملحوظة في بعض الجلسات مع تراجع المخاوف بشأن الفائدة وانخفاض أسعار النفط، قبل أن تتعرض لانخفاضات حادة مع صعود الدولار وعودة النفط للارتفاع، ثم تعاود التعافي بشكل جزئي مع نهاية الأسبوع.

وتتأثر الفضة بعدة عوامل متشابكة، فهي من جهة تتحرك مع الذهب كملاذ آمن، ومن جهة أخرى تتأثر بشكل أكبر بالسياسات النقدية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار إلى الضغط على أسعارها.

كما تلعب أسعار الطاقة دورًا مهمًا، إذ يؤدي ارتفاع النفط إلى تعزيز توقعات استمرار التشديد النقدي، ما ينعكس سلبًا على الأصول التي لا تدر عائدًا مثل الفضة.

من ناحية أخرى، تأثرت أسواق الفضة بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لجأ المستثمرون إلى بيع الذهب لتوفير السيولة بالدولار، ما زاد من الطلب على العملة الأمريكية وأثر سلبًا على المعادن.

لكن رغم التراجع الكبير في أسعار الفضة منذ بداية العام، لا تزال التوقعات طويلة الأجل إيجابية، حيث تشير التقديرات إلى استمرار وجود عجز في المعروض للعام السادس على التوالي، إلى جانب نمو الطلب الاستثماري.

ولا يزال التضخم وأسعار الفائدة يمثلان العامل الأكثر تأثيرًا على الذهب والفضة، حيث يشير مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى ضرورة الإبقاء على السياسة النقدية الحالية لفترة أطول، حتى تظهر مؤشرات واضحة على تراجع التضخم.

وفي الوقت الراهن، تترقب الأسواق صدور البيانات الاقتصادية الأمريكية، خاصة تقرير الوظائف، إلى جانب متابعة تطورات الأوضاع الجيوسياسية، باعتبارها المحرك الرئيس لتحركات الأسعار خلال الفترة المقبلة.

قد يهمّك أيضًا: دولار الصاغة يربك سوق الذهب في مصر.. هل تعود السوق السوداء؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة