أسعار الغذاء ترتفع عالميًا… البن والكاكاو يقودان الزيادة
توقّعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” أن يشهد عام 2025 ارتفاعًا جديدًا في فاتورة استيراد الغذاء العالمية بنسبة تقارب 8% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر واضح على أن الأسواق العالمية تتجه نحو موجة تضخّم غذائي جديدة، وإن كانت تختلف في محرّكاتها عن موجة ما بعد كورونا.
وأوضحت المنظمة أن الزيادة المتوقعة تأتي رغم تراجع أسعار بعض السلع الأساسية مثل الحبوب والسكر، فيما تقود السلع عالية القيمة، وعلى رأسها البن والكاكاو والشاي والتوابل، الارتفاعَ الكبير في التكلفة.
2.22 تريليون دولار واردات الأغذية الأساسية
أشارت تقديرات الفاو إلى أن إجمالي قيمة واردات الأغذية الأساسية قد يصل إلى 2.22 تريليون دولار في عام 2025، وهو ثاني ارتفاع سنوي على التوالي بعد تراجع محدود في 2023، وترى المنظمة أن الاتجاه الصعودي مدفوع بارتفاع لافت في أسعار بنود استهلاكية تتصدر قوائم الطلب في الدول ذات الدخل المرتفع، بينما تعاني الدول المنتجة من أوضاع مناخية قاسية ضربت المحاصيل وأدت إلى تقلّص الإمدادات وضغط الأسعار نحو الأعلى.
وأظهرت بيانات الفاو أن تكاليف استيراد البن والكاكاو والشاي والتوابل ارتفعت بنحو 34.5%، وهي نسبة كبيرة تعكس اختلالات في العرض العالمي، خاصة في دول الإنتاج الرئيسية، فقد شهدت البرازيل وإندونيسيا وفيتنام تراجعًا في إنتاج البن بفعل موجات جفاف وأمطار غير منتظمة، فيما واجهت ساحل العاج وغانا –اللتان توفران أكثر من 60% من إنتاج الكاكاو عالميًا– تراجعًا حادًا في المحصول نتيجة أمراض النباتات وتقلبات الطقس.
المناخ يحدد أسعار الغذاء
أوضحت الفاو، في تقريرها، أن أزمة المناخ أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد أسعار الغذاء عالميًا، ولم تعد مجرد عامل ثانوي يتسبب في تذبذب محدود، فقد تزامن ارتفاع أسعار السلع عالية القيمة مع زيادة متوقعة في قيمة واردات منتجات الألبان بنسبة 16.4% خلال 2025، نتيجة انخفاض الإنتاج العالمي بسبب موجات حر وتغير الفصول وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة، إلى جانب انتشار أمراض المواشي في بعض المناطق.
وفي المقابل، ساهم تراجع أسعار الحبوب والسكر في تهدئة جزء من الضغوط، إذ تستفيد الأسواق حاليًا من وفرة كبيرة في محاصيل الذرة والقمح والأرز، ما يضمن حدًا أدنى من الاستقرار في أحد أهم مدخلات الغذاء عالميًا، إلا أن المنظمة تحذّر في الوقت ذاته من أن الطلب العالمي، وخاصة على الأرز، يشهد نموًا ملحوظًا ما قد يعيد الأسعار للارتفاع إذا تعرضت الدول المنتجة لأي اضطرابات مناخية خلال 2025.
وعلى الرغم من هذا التحسن في الحبوب، يبقى قطاع الزيوت النباتية مصدر قلق كبير، إذ تؤكد التقديرات أن معدل استهلاك الزيوت يتجاوز معدل الإنتاج، خصوصًا بعد انخفاض إنتاج فول الصويا في الولايات المتحدة والأرجنتين والهند وأوكرانيا بسبب انخفاض المساحات المزروعة وتدهور جودة المحصول، وهذا يعني أن أسعار الزيوت مرشحة لموجة ارتفاع جديدة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء الأساسية في الدول النامية.
اقرأ أيضًا: أزمة عالمية.. أسعار الشوكولاتة تضرب جيوب الأوروبيين
تراجع فاتورة الدول منخفضة الدخل
أشارت التوقُّعات إلى أنَّ الدول منخفضة الدخل ستشهد تراجعًا محدودًا في فاتورة وارداتها الغذائية بنسبة 0.2% فقط مقارنة بالعام السابق، بينما سترتفع الفاتورة قليلًا في إفريقيا جنوب الصحراء، ورغم أن هذه الأرقام تبدو مستقرة نسبيًا، إلا أنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في زيادة إنفاق الدول الأقل نموًا على الزيوت والمشروبات، في وقت تعاني فيه من ضعف القدرة الإنتاجية وارتفاع أسعار التمويل وخروج صناعات محلية من السوق بسبب التكلفة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، أن تقرير الفاو “يكشف بوضوح عن تحول هيكلي ومقلق في طبيعة التضخم الغذائي”، مشيرًا إلى أنَّ العالم لا يواجه نقصًا في الحبوب، وإنما اختلالًا في سلع ذات حساسية مناخية عالية مثل البن والكاكاو.
وقال حسين إنَّ “الارتفاع بنسبة 8% في فاتورة الغذاء العالمية ليس رقمًا عابرًا، بل يعكس انتقال مركز الثقل من السلع الأساسية إلى السلع المرتبطة بذوق المستهلكين في الدول الغنية، وهو ما يخلق موجة تضخّم لا تبنى على الاحتياجات الأساسية فقط”.
وأضاف أنّ “التقلبات المناخية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد الغذائي العالمي، والسلع التي كانت آمنة نسبيًا أصبحت معرضة لمخاطر مرتفعة”، موضحًا أنّ الدول الأساسية المنتجة للبن والكاكاو تعتمد على هذه السلع بشكل كبير في صادراتها، ما يجعل تراجع المحصول أزمة اقتصادية مزدوجة: انخفاض إنتاج + خسائر في الميزان التجاري.
وأشار حسين إلى أن تراجع أسعار الحبوب والسكر “يساعد فقط في تخفيف العبء، لكنه لا يغيّر حقيقة أن العالم يدخل مرحلة تضخم غذائي مبني على اختلالات هيكلية في العرض والطلب، وليس على صدمات قصيرة المدى”، وتوقع أن تتعرض الأسواق لارتفاعات إضافية إذا استمرت موجات الجفاف أو الأمطار غير المنتظمة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أما بالنسبة للأسمدة، فقد رصدت المنظمة ارتفاعًا في معدلات استخدامها خلال موسم 2025/2024 بعد انخفاض سابق بسبب ارتفاع الأسعار، ووصل سعر سلة الأسمدة المرجعية إلى 489 دولارًا للطن في سبتمبر، أي أقل بنسبة 40% عن ذروة 2022، لكنه ما زال أعلى من متوسط السنوات الماضية، ما يعني أن تكاليف الإنتاج الزراعي ستظل مرتفعة نسبيًا.
الشرق الأوسط في قلب الموجة
على الصعيد الإقليمي، أكد الدكتور ياسر حسين أن الشرق الأوسط، ومصر تحديدًا، ليست بعيدة عن تأثيرات هذه الموجة، خاصة في منتجات الألبان والزيوت والبن والجبن المستورد، ومع اعتماد مصر على الاستيراد في جزء كبير من هذه السلع، فإن أي ارتفاع عالمي سينعكس محليًا سواء في صورة زيادة أسعار أو تغيرات في أنماط الاستهلاك.
واختتم الدكتور ياسر حسين تصريحاته مؤكدًا أن العالم مقبل على مرحلة تضخم غذائي هادئ لكنه خطير، تتحرك فيه الأسعار بفعل مزيج من المناخ والتوترات الجيوسياسية وتكاليف التمويل، وليس فقط بفعل العرض والطلب التقليدي. كما أنّه دعا الدول النامية، ومنها مصر، إلى “تبني سياسات إنتاج غذائي محلي أكثر استدامة، وتحسين نظم التخزين، وتقليل الاعتماد على استيراد السلع الحساسة، لتخفيف أثر أي صدمات عالمية مستقبلية”.
اقرأ أيضًا: قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي لخريف 2025