أسعار الفضة تلامس قممًا تاريخية غير مسبوقة بدعم الطلب الصناعي
سجلت أسعار الفضة في الأسواق العالمية ارتفاعات قوية خلال تعاملات اليوم الأربعاء، 17 ديسمبر، لتصل الأوقية إلى أعلى مستوى في تاريخها، في موجة صعود مدفوعة بتنامي الطلب الصناعي والاستثماري، بالتوازي مع استمرار القيود الهيكلية على جانب المعروض، بحسب تقرير صادر عن مركز “الملاذ الآمن”.
وقفزت أسعار الفضة بنحو 5 دولارات للأوقية لتسجّل مستوى 67 دولارًا، وهو أعلى مستوى تاريخي للمعدن الأبيض، في ظل موجة شراء واسعة النطاق قادتها المؤسسات الاستثمارية والطلب الصناعي المتزايد.
وأشار التقرير إلى أن الفضة بلغت مستويات غير مسبوقة في أسواق السلع العالمية، مدفوعة بمزيج نادر من العوامل الداعمة، يأتي في مقدمتها استمرار قيود العرض للعام الخامس على التوالي، إلى جانب القوة المتصاعدة للطلب الصناعي والاستثماري منذ مطلع العام الجاري.
ووفقًا للتقرير، واصلت الفضة تسجيل مكاسب قياسية تجاوزت 131%، متفوقة بفارق واضح على أداء الذهب، الذي ارتفع بنحو 60%، في واحد من أكثر أعوامه ربحية منذ عام 1979، ما يعكس تحوّلًا لافتًا في شهية المستثمرين تجاه الفضة باعتبارها أصلًا يجمع بين الوظيفة الصناعية وأدوات التحوط.
محدودية المعروض تلهب الأسعار
التقرير أرجع الارتفاع الحاد في أسعار الفضة إلى استمرار العجز في المعروض العالمي، بالتوازي مع نمو قوي في الطلب. وتشير التقديرات الدولية إلى أن عام 2025 سيشهد نقصًا في الإمدادات للعام الخامس على التوالي، في ظل تراجع الإنتاج المستخرج بنحو 3% على أساس سنوي، نتيجة انخفاض تركيز الخامات المعدنية، وتراجع عدد المشروعات التعدينية الجديدة، وهو ما يحد من قدرة القطاع على زيادة الإنتاج، وفق بيانات المكتب العالمي لإحصاءات المعادن.
وفي السياق ذاته، توقّع معهد الفضة العالمي في تقرير سابق أن يحقق المعروض نموًا محدودًا لا يتجاوز 2% خلال العام، وهو معدل غير كافٍ لسد الفجوة القائمة، ما يُبقي العجز عند مستويات تقترب من 20%، ويُبقي الضغوط الصعودية قائمة على الأسعار.
الطلب الصناعي يعزز مكانة الفضة
على جانب الطلب، تواصل الفضة لعب دور محوري في الاستخدامات الصناعية، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والإلكترونيات والتكنولوجيا النظيفة، وقد أسهم التوسع في مشروعات إزالة الكربون والتحول الرقمي في رفع معدلات الاستهلاك الصناعي، ما عزّز من أداء الفضة مقارنةً ببقية السلع والمعادن النفيسة.
كما أسهم الجمع بين الدور الصناعي والاستثماري للفضة في تعزيز جاذبيتها لدى المستثمرين، لا سيما مع تصاعد التدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالفضة، وجاء ذلك بالتزامن مع تنامي التوقعات بشأن اتجاه البنوك المركزية العالمية نحو تخفيف السياسات النقدية، واحتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية خلال عام 2026، وهو ما قلّص تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول غير المدرة للعائد، ودفع المحافظ الاستثمارية المؤسسية إلى تعزيز مراكزها في الفضة باعتبارها أداة فعالة للتحوط والتنويع.
اكتشف أداء الفضة في نوفمبر: هل تدخل الفضة عصر الأسعار القياسية؟
زخم داعم من سوق المعادن النفيسة
في إطار أوسع، شهدت أسواق المعادن النفيسة أداءً قويًا بشكل عام، حيث اقترب الذهب من أعلى مستوياته القياسية، متداولًا قرب 4322 دولارًا للأوقية، مدعومًا ببيانات البطالة الأمريكية لشهر نوفمبر، والتي عززت رهانات الأسواق على اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو تبني سياسة نقدية أكثر مرونة خلال الفترات المقبلة.
ورغم هذا الأداء القوي، أشار التقرير إلى أن الفضة لا تزال من أكثر المعادن النفيسة عرضة للتقلبات السعرية، نظرًا لحساسيتها المرتفعة للتغيرات في النشاط الصناعي والاستثماري، ولفت تقرير صادر عن بنك ING الهولندي إلى أن صغر القيمة السوقية للفضة مقارنةً بالذهب يجعل تحركاتها السعرية أكثر حدّة، سواء في الاتجاه الصاعد أو الهابط.
وحذّر البنك من أن المخاطر الرئيسة التي قد تواجه آفاق الفضة على المدى المتوسط ترتبط بالجانب الصناعي، إذ إن أي تباطؤ اقتصادي عالمي أعمق من المتوقع قد يؤدي إلى تراجع وتيرة الطلب الصناعي، رغم استمرار الدعم الحالي من قوة الطلب ومحدودية نمو المعروض وتحسّن البيئة الاقتصادية الكلية.
اقرأ أيضًا: كيف أعاد قرار خفض الفائدة تشكيل مسار الذهب وأسواق المال؟
مخزونات لندن وكومكس تواصل الصعود
أظهرت البيانات ارتفاع مخزونات الفضة في بورصة لندن بنحو 1447 طنًا منذ بداية العام، وزيادة مخزونات كومكس بنحو 4311 طنًا، مع تمركز الحصة الأكبر من هذه المخزونات في لندن. وتشير الأرقام إلى أن نحو 78% من حيازات الفضة في خزائن جمعية سوق لندن للمعادن الثمينة مدعومة بصناديق المؤشرات المتداولة، مقارنةً بنسبة 65% في نوفمبر 2024، ما يعكس تنامي الدور الاستثماري المؤسسي في السوق.
كما سجلت صناديق المؤشرات المدعومة بالفضة تدفقات قوية، حيث ارتفعت مقتنياتها بنحو 487 طنًا خلال نوفمبر، وبأكثر من 475 طنًا منذ بداية ديسمبر، في مؤشر واضح على دخول مؤسسي واسع النطاق إلى السوق، ورغم ذلك فإن زيادة الكميات المتاحة في بورصة لندن تشير إلى تحسّن تدريجي في أوضاع السوق من حيث السيولة والتوازن.
توقعات مستقبلية بارتفاع ممتد
توقع بنك ستاندرد تشارترد أن تمتلك الفضة مجالًا لمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مع استمرار احتمالات التقلب على المدى القصير، في ظل سعي السوق لإيجاد مستويات توازن جديدة بعد الارتفاعات الحادة الأخيرة.
كما ترجّح تقديرات معهد الفضة العالمي استمرار عجز المعروض للعام الخامس على التوالي في 2025، ما يعزز الضغوط السعرية الصاعدة على المدى المتوسط والطويل، بدعم من توقعات خفض الفائدة الأمريكية، وضعف الدولار نسبيًا، واستمرار تدفقات المستثمرين إلى أدوات الاستثمار المدعومة بالفضة.
ورغم الأداء الاستثنائي، تشير بعض التقديرات إلى احتمال تباطؤ الطلب الصناعي في حال ضعف النمو الاقتصادي العالمي، إلا أن قوة الطلب الاستثماري الحالية تبقى كافية للحفاظ على مستويات الأسعار المرتفعة، والحد من أي تصحيحات سعرية حادة محتملة في الأجل القريب.
اقرأ أيضًا: الذهب والفضة يواصلان الارتفاع وسط ضبابية الاقتصاد الأمريكي