أسعار النفط تتراجع تحت ضغط إنتاج “أوبك+” والمخاوف الاقتصادية
واصلت أسعار النفط العالمية تراجعها في تعاملات اليوم الاثنين، 4 أغسطس، في ظل ضغوط متعددة على السوق، أبرزها إعلان تحالف “أوبك+” عن زيادة كبيرة في إنتاج النفط خلال شهر سبتمبر، إلى جانب تنامي المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، أكبر مستهلك للنفط في العالم.
هذه العوامل مجتمعة دفعت الأسعار للهبوط، على الرغم من موسم الطلب المرتفع نسبيًا خلال الصيف، وهو ما يعكس هشاشة التوازن الحالي بين العرض والطلب، فقد سجّلت العقود الآجلة لخام برنت انخفاضًا بمقدار 23 سنتًا، أي بنسبة 0.3%، ليبلغ سعر البرميل 69.44 دولارًا، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 17 سنتًا، أو بنسبة 0.2%، ليصل إلى 67.16 دولارًا للبرميل، ويُعد هذا التراجع استكمالًا لهبوط الجمعة الماضية، عندما خسر كلا الخامين نحو دولارين لكل برميل عند الإغلاق.
تأثر أسعار النفط بقرار أوبك بلس
جاء التراجع في أسعار النفط مباشرة بعد إعلان تحالف “أوبك+”، عن زيادة جديدة في إنتاجه بمقدار 547 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من سبتمبر المقبل، ضمن سلسلة من الزيادات المتتالية التي تهدف إلى استعادة الحصة السوقية التي فقدتها بعض الدول الأعضاء لصالح المنتجين من خارج التحالف.
وأكد التحالف أن هذه الزيادة تستند إلى تقييمه لقوة الاقتصاد العالمي وانخفاض مستويات المخزون، معتبرًا أن السوق بات مؤهلًا لاستيعاب كميات إضافية دون الإخلال بالتوازن السعري. ومع ذلك، فإن الأسواق لم تستجب بشكل إيجابي لهذا الإعلان، وواصلت الأسعار تراجعها، ما يُشير إلى وجود حالة من الحذر تجاه قدرة السوق على امتصاص المزيد من المعروض.
فجوة بين تصريحات أوبك+ والتطبيق الفعلي للزيادة
في تحليل صادر عن بنك “غولدمان ساكس”، توقّع المحللون أنَّ الزيادة الفعلية في الإمدادات من الدول الثماني التي رفعت إنتاجها منذ مارس الماضي قد لا تتجاوز 1.7 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو ثلثي الكمية المُعلنة رسميًا، وأرجع البنك هذا التفاوت إلى قيام بعض الدول داخل “أوبك+” بتقليص إنتاجها خلال الأشهر الماضية، بعد أن تجاوزت حصصها المقررة في وقت سابق.
وفي مذكرة بحثية، أوضح البنك أن سياسة التحالف لا تزال تتسم بالمرونة في ظل حالة الغموض الجيوسياسي، مرجحًا أن يُبقي “أوبك+” على مستويات الإنتاج دون تغيير بعد سبتمبر، كما أشار إلى أن ارتفاع المعروض من خارج التحالف، خاصة من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، سيجعل من الصعب على السوق استيعاب المزيد من براميل النفط دون التأثير على الأسعار.
اطّلع على هذا التقرير المصور: النفط.. الذهب الأسود ثروة اقتربت من نهايتها
الدول ذات الفائض الإنتاجي تستفيد من فوضى السوق
أوضح ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، أنَّ قرار التحالف يعزز موقع الدول التي تمتلك فائضًا في الطاقة الإنتاجية، والتي استطاعت استغلال فجوات السوق لصالحها، لا سيما في فصل الصيف، حيث تكون مستويات الطلب في ذروتها. وأضاف أن هذه الدول أصبحت في موقع متقدم يسمح لها بتحقيق مكاسب إضافية مقارنة بالدول ذات القدرات المحدودة، وهو ما قد يعيد تشكيل موازين القوة داخل التحالف ذاته.
وأشار إلى أنّه مع اقتراب الربع الأخير من العام، تقف أسواق النفط أمام مفترق طرق حاسم، ففي حال استمرت “أوبك+” في ضخ مزيد من الإمدادات دون تنسيق دقيق مع مستوى الطلب العالمي، وخاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد الصيني وتذبذب الطلب الأوروبي، فقد تواجه السوق موجة فائض جديدة تضغط على الأسعار نحو مستويات أقل من 65 دولارًا للبرميل.
وفي المقابل، إذا نجح التحالف في ضبط إيقاع المعروض عبر تأجيل إعادة ضخ الكميات المعلّقة البالغة 1.66 مليون برميل يوميًا، وراقب عن كثب تطورات الاقتصاد العالمي، فقد يساهم ذلك في استعادة التوازن السعري وتفادي التقلبات الحادة.
كما قال أحمد إنّه من المرجح أن تلعب التوترات الجيوسياسية دورًا متزايدًا في توجيه السوق، لا سيما مع تصاعد العقوبات على إيران وروسيا، واستمرار التحدي الهندي لواشنطن بشأن واردات النفط الروسي. أما على المدى المتوسط، فتشير التقديرات إلى أن تباطؤ نمو الإنتاج خارج “أوبك+” بحلول 2027 قد يعيد زمام السيطرة مجددًا للتحالف.
قد ترغب في معرفة كواليس خفض سقف النفط الروسي وتفاصيل عودة النفط الإيراني للأسواق
هل تواجه سوق النفط نقطة تحول حاسمة هذا العام؟
قال الدكتور علي بن عبدالله الريامي، الخبير في شؤون الطاقة ومدير التخطيط السابق بوزارة النفط العُمانية، إن الأسعار الحالية لا تعكس بالضرورة توازنًا مستقرًا، بل تعكس توترًا بين قرارات الإنتاج من جهة، والواقع الاقتصادي والجيوسياسي من جهة أخرى.
وأوضح الريامي أنَّ إنهاء التخفيضات الطوعية سيساهم مؤقتًا في تحسين إيرادات الدول المنتجة، لا سيما مع تعافي الأسعار إلى مستويات أعلى من 70 دولارًا للبرميل، لكنه حذر من أن الاستمرار في ضخ كميات كبيرة قد يؤدي إلى فائض في المعروض خلال الربع الأخير من العام، خاصة إذا لم يتعافَ الطلب بالسرعة المتوقعة.
وأضاف الريامي: “الأسواق لا تزال تواجه تحديات هيكلية، أبرزها تباطؤ الاقتصاد الصيني وتذبذب الطلب الأوروبي، ما يجعل من أي زيادة إنتاجية غير محسوبة خطوة محفوفة بالمخاطر”.
كما أشار إلى أن “أوبك+” يعول في خطته طويلة الأجل على تباطؤ نمو الإنتاج من خارج التحالف، خاصة مع تراجع الاستثمارات العالمية في مشاريع الاستكشاف الجديدة، واستشهد بتقديرات شركة “وود ماكنزي” التي تشير إلى أن نمو الإمدادات من دول مثل كندا والبرازيل وغيانا قد ينخفض بنسبة تتجاوز 80% بحلول عام 2027، مما يمنح دول “أوبك+” مرونة استراتيجية أكبر لإعادة التحكم في دفة السوق.
كميات معلّقة تترقب القرار النهائي
رغم اكتمال عودة الكميات المُخفضة سابقًا، لا تزال الأسواق تترقب مصير 1.66 مليون برميل يوميًا تم تعليقها ضمن اتفاقيات سابقة داخل التحالف، وسط ترجيحات بأنَّ “أوبك+” قد يُبقي هذه الكميات خارج السوق حتى نهاية عام 2026، بهدف الحفاظ على التوازن ودعم الأسعار في المدى المتوسط.
وقد أكد الريامي أن التحالف يواجه اليوم معادلة شديدة الحساسية، تتمثل في الرغبة في الحفاظ على مستويات سعرية مستقرة من جهة، مقابل الحفاظ على الحصة السوقية في مواجهة منتجين آخرين من خارج “أوبك+”، من جهة أخرى.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “الفصل الأخير من العام الجاري سيكون حاسمًا في تحديد مستقبل السوق، ليس فقط من حيث الأسعار، ولكن من حيث شكل التحالفات والتحولات داخل سوق الطاقة العالمي، فنحن أمام مشهد معقّد تتحكم فيه السياسة بنفس قدر تحكم المعادلات الاقتصادية”.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يفرض رسومًا جديدة على عشرات الدول وسط تحذيرات دولية