أسعار النفط ترتد مؤقتًا وسط فائض المعروض وتراجع المخاطر الجيوسياسية

سجّلت أسعار النفط ارتفاعًا محدودًا اليوم الاثنين، 15 ديسمبر 2023، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدتها خلال الأسبوع الماضي، وسط حالة من الترقب والحذر تسيطر على الأسواق العالمية، وجاء هذا التحرك في وقت تتابع فيه الأسواق من كثب تطورات التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وفنزويلا، بالتوازي مع استمرار القلق من احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية بين روسيا وأوكرانيا، وهي عوامل أبقت حركة الأسعار محصورة داخل نطاق ضيق يعكس بوضوح حالة عدم اليقين المسيطرة على سوق الطاقة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي الريامي، خبير أسواق النفط، إن الارتفاعات المحدودة التي سجلتها أسعار النفط في مستهل تعاملات اليوم لا تعبّر عن تحول حقيقي في الاتجاه العام للسوق، وإنما تمثل تعويضًا فنيًا جزئيًا عن الخسائر القوية التي تكبدتها الأسعار خلال الأسبوع الماضي، والتي اقتربت من 4%، مؤكدًا أن الضغوط الهيكلية المرتبطة بـ”فائض المعروض العالمي” لا تزال العامل الأكثر تأثيرًا في حركة السوق.

أسباب ارتفاع أسعار النفط

أوضح الريامي أن التحركات الأخيرة للأسعار جاءت نتيجة تداخل عاملين رئيسين؛ أولهما تصاعد المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالتوتر المتزايد بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وما يحمله ذلك من احتمالات وإن كانت محدودة لتعطل بعض الإمدادات، وهو ما أعاد مؤقتًا جزءًا من علاوة المخاطر إلى السوق، أما العامل الثاني فيتمثل في عمليات شراء انتقائية لجني مكاسب قصيرة الأجل عقب موجة الهبوط الحاد، دون أن يكون هناك أي تغير جوهري في أساسيات العرض والطلب.

وأضاف أن الأسواق، رغم هذه الارتدادات، لا تزال تتعامل مع العوامل الجيوسياسية باعتبارها مؤثرًا ثانويًا في المرحلة الحالية، مقارنة بالتركيز المتزايد على فائض المعروض المتوقع مع نهاية العام وبداية الربعين الأول والثاني من العام المقبل. وأشار إلى أن تقديرات المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة، إلى جانب تقارير منظمة أوبك الأخيرة، تشير إلى فائض قد يصل إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًا، وهو ما يفرض سقفًا واضحًا على أي محاولات لصعود مستدام في الأسعار.

وأكد الريامي أن القلق من احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا لا يزال حاضرًا بقوة في آلية تسعير النفط، موضحًا أن أي تقدم حقيقي في هذا المسار من شأنه تقليص ما تبقى من علاوة المخاطر الجيوسياسية، ودفع الأسعار إلى مزيد من الضغوط الهبوطية، خاصة في ظل وفرة المعروض العالمي وضعف وتيرة نمو الطلب.

اقرأ أيضًا: ما هو سبب انهيار اقتصاد فنزويلا رغم ثروتها النفطية الهائلة؟

تأثير التوترات السياسية على تدفقات النفط الروسي

أوضح خبير أسواق النفط أن السوق أصبح أكثر تكيفًا مع الأزمة الروسية الأوكرانية، مشيرًا إلى أن صادرات النفط الروسية أظهرت مرونة واضحة رغم الحرب والعقوبات الغربية، سواء عبر المسارات التقليدية أو من خلال ما يعرف بـ”أسطول الظل”، وأضاف أن أي تراجع في الصادرات حتى الآن يظل محدودًا ولا يصل إلى مستوى التأثير الهيكلي القادر على إعادة رسم ميزان العرض والطلب عالميًا.

وأشار الريامي إلى أن الضربات التي استهدفت بعض البنى التحتية النفطية داخل روسيا كان لها تأثير جزئي على نشاط المصافي والاستهلاك الداخلي، لكنها لم تنعكس بشكل ملموس على حجم الصادرات، لافتًا إلى أن السوق لم يظهر رد فعل سعري قوي تجاه هذه التطورات، ما يؤكد أن التركيز الأساسي لا يزال منصبًا على فائض الإمدادات وليس على المخاطر السياسية.

تصحيحات فنية قصيرة الأجل

فيما يتعلّق بما إذا كانت الارتدادات السعرية الأخيرة تشير إلى دخول مشترين استراتيجيين عند هذه المستويات، شدد الريامي على أن ما تشهده الأسواق حاليًا يندرج في إطار تصحيحات فنية قصيرة الأجل تحكمها العوامل النفسية وسلوك المتداولين، وليس نتيجة تحسن في أساسيات السوق، مضيفًا أن مستويات الأسعار الحالية لا تزال هشة، وأن أي كسر لمستويات الدعم الرئيسة قد يفتح المجال أمام مزيد من التراجع.

وأوضح أن العديد من الدول المنتجة قامت بتسعير النفط في موازناتها العامة عند مستويات أعلى بكثير من المستويات الحالية، وهو ما يجعل استمرار الأسعار المنخفضة مصدر ضغط مالي واقتصادي متزايد، ويدفع بعض الحكومات بالفعل إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والإنفاقية تحسبًا لاستمرار هذه الضغوط خلال الأشهر المقبلة.

لماذا تسيطر حالة عدم اليقين على الأسواق؟

في السياق نفسه، قال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إن المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بات أكثر تعقيدًا في ظل تداخل مسارات التفاوض السياسي مع ضغوط أسواق الطاقة، موضحًا أن التطورات المرتبطة بالحرب الروسية–الأوكرانية تشهد تحركات لافتة، لكنها لا تزال غير محسومة، وهو ما يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على الأسواق العالمية.

وأوضح حسين أن العرض الذي قدمه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتخلي عن سعي بلاده للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي خلال محادثات مطولة مع مبعوثين أمريكيين في برلين يعكس تحولًا سياسيًا مهمًا قد يمهد لتهدئة محتملة، خاصة مع تأكيد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إحراز تقدم كبير في المفاوضات، رغم غياب تفاصيل واضحة حتى الآن، وهو ما يعكس حالة من التفاؤل الحذر التي تحيط بالمسار التفاوضي.

وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن التطورات الميدانية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق، خاصة بعد إعلان الجيش الأوكراني تنفيذ هجوم استهدف مصفاة نفط روسية رئيسة في مدينة ياروسلافل شمال شرقي موسكو، ما أدى إلى توقف الإنتاج فيها، وأكد أن مثل هذه الهجمات تكشف هشاشة البنية التحتية للطاقة في مناطق النزاع، لكنها لم تحدث حتى الآن صدمة سعرية كبيرة، ما يعكس تراجع تأثير العوامل الجيوسياسية مقارنة بعوامل العرض والطلب.

وأضاف أن الضغوط الاقتصادية على روسيا تتزايد، في ظل تقديرات تشير إلى احتمال انخفاض إيرادات الحكومة الروسية من النفط والغاز خلال شهر ديسمبر بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى نحو 410 مليارات روبل، نتيجة تراجع أسعار النفط عالميًا وارتفاع قيمة الروبل، وهو ما يزيد من الضغوط على الموازنة الروسية ويدفع باتجاه البحث عن حلول سياسية تقلل الكلفة الاقتصادية للصراع.

وقد أكد حسين أن أي اتفاق سلام محتمل بين موسكو وكييف قد يفتح الباب أمام عودة تدريجية لكميات إضافية من النفط الروسي إلى الأسواق العالمية، رغم استمرار العقوبات الغربية، موضحًا أن مجرد التوقعات بزيادة الإمدادات الروسية تمثل عامل ضغط إضافي على الأسعار في ظل وفرة المعروض الحالية.

اقرأ أيضًا: ترامب يصعّد ضغوطه على أوروبا لوقف شراء النفط الروسي

تحذيرات من استمرار تخمة المعروض

أشار الدكتور ياسر حسين إلى أن الأسواق تعيش حالة واضحة من التذبذب نتيجة غياب الرؤية الواضحة، موضحًا أن محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا تتأرجح بين التفاؤل والحذر، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين واشنطن وكاراكاس، وهو ما يعزز المخاوف من حدوث اضطرابات مفاجئة في إمدادات النفط.

وأضاف أن التحذيرات بشأن استمرار مخاطر تخمة المعروض تعكس واقع السوق الحالي، خاصة مع توقعات بإمكانية تراجع أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 55 دولارًا للبرميل مطلع العام المقبل، في حال عدم حدوث تصعيد حاد في المخاطر الجيوسياسية قادر على قلب موازين السوق.

وعلى صعيد المعروض الأمريكي، أوضح حسين أن خفض شركات الطاقة في الولايات المتحدة عدد منصات حفر النفط والغاز الطبيعي العاملة للأسبوع الثاني خلال ثلاثة أسابيع، قد يحد جزئيًا من وتيرة نمو الإنتاج الأمريكي خلال الفترة المقبلة، لكنه يظل تأثيرًا محدودًا في مواجهة فائض المعروض العالمي.

واختتم حسين تصريحاته بالتأكيد على أن سوق النفط يمر بمرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها حسابات السياسة والاقتصاد، مشددًا على أن الاتجاه العام للأسعار سيظل خاضعًا لمعطيات فائض المعروض وتباطؤ الطلب العالمي، ما لم تشهد الساحة الدولية تطورات جيوسياسية استثنائية قادرة على إعادة تسعير المخاطر في أسواق الطاقة العالمية.

قد يهمّك أيضًا: استبعاد بنوك روسية من نظام سويفت.. كيف يؤثر على الشرق الأوسط؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة