نفط بـ 150 دولاراً؟ تحذيرات “بلاك روك” من ركود عالمي وشيك

تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من القلق المتزايد، وذلك بعد التحذيرات التي أطلقها الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك”، لاري فينك، بشأن مستقبل أسعار النفط وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، حيث أشار إلى احتمالية ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى 150 دولارًا للبرميل، وهو ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى الدخول في حالة ركود، خاصة إذا استمرت التوترات المرتبطة بإيران وتأثيرها على حركة التجارة الدولية ومضيق هرمز حتى بعد انتهاء الحرب.

وأوضح فينك، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية، أن استمرار المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج قد يؤدي إلى بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تتجاوز 100 دولار للبرميل لفترات طويلة، مع إمكانية اقترابها من مستوى 150 دولارًا، وهو ما يمثل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي، نظرًا لما يترتب عليه من ارتفاع في تكاليف الطاقة وتأثيرات ممتدة على مختلف القطاعات الاقتصادية.

وأكد أن الوصول إلى هذه المستويات السعرية المرتفعة لن يكون مجرد تطور في أسواق الطاقة، بل سيكون له تأثير مباشر وقوي على أداء الاقتصاد العالمي، حيث قد يؤدي إلى دخول الاقتصاد في حالة ركود، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع معدلات النمو، وزيادة الضغوط التضخمية.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه أسعار النفط تقلبات ملحوظة، إذ سجلت تراجعًا بنحو 4% خلال تعاملات الأربعاء، 25 مارس 2026، وذلك على خلفية تقارير أشارت إلى وجود مقترح أمريكي يتضمن 15 بندًا يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران، وهو ما عزز من احتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأسهم مؤقتًا في تهدئة الأسواق.

ورغم هذا التراجع المؤقت في الأسعار، لا تزال الأسواق العالمية تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة اضطرابات الإمدادات، خاصة في ظل التوقف شبه الكامل لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الحيوية في العالم.

قلق متزايد داخل المؤسسات المالية الكبرى

في هذا الشأن، أكد الدكتور كرم سالم، الخبير الاقتصادي، أن التحذيرات الصادرة عن مؤسسة “بلاك روك”، باعتبارها أكبر مدير أصول في العالم، تعكس مستوى متزايدًا من القلق داخل المؤسسات المالية الكبرى تجاه تطورات المشهد الجيوسياسي العالمي، خاصة في ظل استمرار التوترات وامتداد أمد الصراعات.

وأوضح سالم أن هذه التحذيرات لا ترتبط فقط بأسواق الطاقة، بل تمتد تداعياتها إلى الأمن الغذائي العالمي، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب بهذا الزخم ستكون له انعكاسات سلبية أوسع، تشمل ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى جانب الطاقة، وهو ما يضع العالم أمام تحديات مزدوجة تتعلق بأمن الطاقة وأمن الغذاء.

كيف يرتبط مضيق هرمز بأسعار الغذاء؟

أشار الخبير الاقتصادي إلى أن أهمية مضيق هرمز في هذا السياق تمثل عاملًا حاسمًا، حيث يمر عبره نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، إلى جانب ما يقرب من 30% من احتياجات العالم من الأسمدة الزراعية، وهو ما يفسر الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها الأسواق مؤخرًا، إذ ارتفعت أسعار اليوريا بنسبة 49%، كما زادت أسعار الأسمدة الزراعية بأكثر من 25% خلال شهر واحد فقط.

وأضاف أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى زيادات تدريجية في الأسعار خلال الفترة المقبلة، ما يعزز الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي، لافتًا إلى أن السيناريو المطروح في تقارير المؤسسات الدولية يشير إلى احتمالية حدوث ركود حاد إذا استمر سعر النفط عند مستوى 150 دولارًا لفترة تمتد إلى نحو عام.

اقرأ المزيد: ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب حرب إيران.. هل يواجه العالم أزمة غذاء؟

مخاوف من الركود التضخمي

أوضح سالم أن التقديرات قد تكون أكثر تشاؤمًا، حيث يرى أن الاقتصاد العالمي قد لا يواجه فقط ركودًا تقليديًا، بل قد يدخل في مرحلة الركود التضخمي، وهو السيناريو الذي يجمع بين تراجع النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم في الوقت نفسه، نتيجة صدمة في أسعار النفط ناجمة عن نقص الإمدادات، وليس زيادة الطلب.

وأكد أن هذا النوع من الصدمات النفطية، خاصة في حال تعطل الإمدادات عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، يمثل أحد أخطر السيناريوهات التي قد تواجهها الحكومات، نظرًا لصعوبة التعامل مع الركود التضخمي مقارنة بالركود التقليدي.

وفيما يتعلق بالسيناريو المتوقع في حال دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود، أوضح الخبير أن ذلك يعني تسجيل معدلات نمو سلبية لعدة فترات ربع سنوية متتالية، وليس مجرد تباطؤ في النمو، وهو ما يُعرف بالركود العميق، إلا أنه شدد على أن تحقق هذا السيناريو يظل مرتبطًا بشكل أساسي بتطورات الأوضاع السياسية على الأرض، خاصة فيما يتعلق بفرص التهدئة أو بدء مفاوضات جدية.

وأشار إلى أن وتيرة المفاوضات حتى الآن لا تزال بطيئة للغاية، حيث لم يتم تسجيل تقدم ملموس، واقتصر الأمر على تبادل رسائل غير مباشرة عبر وسطاء مثل تركيا وباكستان ومصر، لافتًا إلى أن الردود الإيرانية الأولية جاءت متحفظة، في حين استمرت التصريحات الأمريكية في طابعها التصعيدي، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.

قفزة التضخم ومصير أسعار الفائدة

أوضح أن هذه التطورات انعكست بشكل مباشر على توقعات التضخم، حيث أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أنه في حال استقرار الأوضاع، كان من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم نحو 2.6%، إلا أن استمرار الأزمة قد يدفعه إلى الارتفاع ليصل إلى نحو 6.4%، وهو ما يمثل قفزة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن هذا السيناريو سيجبر البنوك المركزية، خاصة في الاقتصادات الكبرى، على إعادة النظر في سياساتها النقدية، وقد يدفعها إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا، بعد أن كانت قد بدأت في خفضها عقب تراجع معدلات التضخم من مستويات قياسية تجاوزت 9% إلى ما دون 3%، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى مزيد من التباطؤ الاقتصادي عالميًا.

وفيما يتعلق بأوروبا، أشار سالم إلى أن اعتمادها الكبير على واردات الطاقة يجعلها أكثر عرضة لتداعيات هذه الأزمة، موضحًا أن بعض الدول قد تلجأ إلى حلول سريعة، مثل زيادة ضخ النفط والغاز محليًا، أو استخدام المخزونات الاستراتيجية لتخفيف الضغوط الناتجة عن اضطراب الإمدادات.

مستقبل الأسواق مرهون بالتصريحات السياسية

على صعيد الأسواق، أكد سالم أن حالة عدم اليقين تظل العامل الأبرز في تحركات الأسعار، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة، وذلك باقتراب خام برنت من مستوى 120 دولارًا قبل أن يتراجع إلى نحو 96 دولارًا، ثم يعاود الارتفاع مرة أخرى ليتجاوز حاجز 100 دولار، وهو ما يعكس غياب الرؤية الواضحة بشأن مستقبل المفاوضات والتطورات السياسية.

كما أشار إلى أن التصريحات السياسية، خاصة تلك الصادرة عن الإدارة الأمريكية، لم تنجح بشكل كامل في طمأنة الأسواق، في ظل تساؤلات حول مدى مصداقيتها، وهو ما يزيد من حدة التقلبات ويعزز حالة الترقب لدى المستثمرين.

واختتم الخبير تصريحاته بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي يقف حاليًا عند مفترق طرق، حيث إن أي انفراجة في المسار السياسي قد تساهم في تهدئة الأسواق وتقليل الضغوط، في حين أن استمرار التصعيد قد يدفع نحو السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، بما في ذلك الركود أو الركود التضخمي، بما يحمله ذلك من تداعيات واسعة على مختلف الاقتصادات حول العالم.

اقرأ أيضًا: أزمة الغاز في أوروبا.. السباق مع آسيا وارتفاع الأسعار يهددان أمن الطاقة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة