في خطوة لافتة تحمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية كبرى، أعلنت الإدارة الأمريكية عن توجه جديد يقوم على اقتناء حصص في شركات استراتيجية كبرى، بما يشبه تأسيس صندوق سيادي أمريكي يهدف إلى حماية الصناعات الحساسة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن السياسة الاقتصادية الأمريكية تعيش لحظة فارقة غير مسبوقة، إذ انتقلت الدولة من دورها التقليدي كمحفّز عبر القروض والإعفاءات الضريبية إلى دور المساهم المباشر في كبريات الشركات الاستراتيجية، وأكدت أن هذا التحول يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي في ظل أزمات سلاسل الإمداد العالمية، والتوتر المتصاعد مع الصين، واشتداد المنافسة الدولية على الموارد الحيوية.
وأضافت أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بسنّ القوانين وتوفير الحوافز، بل تسعى لتصبح شريكًا فاعلًا يملك حصصًا في شركات عملاقة مثل إنتل في صناعة الرقائق وليثيوم أميركاز في التعدين، بل وحتى شركات الدفاع مثل لوكهيد مارتن التي يُدرس الاستحواذ على جزء منها.
ترى رمسيس أن السياسة الجديدة بمثابة إعلان صريح بأن عصر السوق الحرة غير المقيدة قد وصل إلى نهايته، لتحل مكانه مرحلة جديدة تقوم على شراكة متزايدة بين الدولة والقطاع الخاص لحماية الأمن القومي وضمان الاستقرار الاقتصادي.
الليثيوم في قلب المعركة الصناعية
أوضحت رمسيس أن عنصر الليثيوم يمثل أولوية قصوى في هذه الاستراتيجية، كونه العمود الفقري لصناعة البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، وكشفت أن الحكومة الأمريكية تسعى للاستحواذ على حصة تصل إلى 10% من شركة “ليثيوم أميركاز” المالكة لمنجم “ثاكر باس” في ولاية نيفادا، وهو من أكبر رواسب الليثيوم داخل الولايات المتحدة. وأكدت أن هذه الخطوة تأتي ضمن إعادة التفاوض على قرض ضخم بقيمة 2.3 مليار دولار من وزارة الطاقة، ما يمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا في أهم مشروع محلي لإنتاج الليثيوم.
وتابعت أنَّ الهدف من هذه الخطوة يتجاوز مجرد الاستثمار المالي، إذ تسعى واشنطن لضمان أمن الإمدادات الحيوية لتصنيع البطاريات، وتقليل اعتمادها على الواردات الأجنبية، خصوصًا من الصين وأمريكا اللاتينية اللتين تهيمنان على السوق العالمي. وأضافت: “الولايات المتحدة تدرك أن معركة المستقبل ستُحسم في ميدان الطاقة النظيفة، ومن يسيطر على الليثيوم يملك مفتاح قيادة ثورة السيارات الكهربائية”.
الرقائق الإلكترونية.. تدخل حكومي غير مسبوق
انتقلت رمسيس للحديث عن قطاع التكنولوجيا، مشيرة إلى أن الحكومة الأمريكية استحوذت على 10% من شركة إنتل، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ صناعة الرقائق، وأوضحت أن هذه الخطوة جاءت في وقت كانت فيه الشركة تعاني من تراجع تنافسي أمام عمالقة مثل “إنفيديا” و”تي إس إم سي” التايوانية، لكن دخول الحكومة كمساهم أعاد الثقة وجذب استثمارات ضخمة.
ولفتت إلى أن شركة إنفيديا استثمرت 5 مليارات دولار في إنتل لتطوير شرائح مشتركة، وأنّ مجموعة سوفت بنك اليابانية ضخّت ملياري دولار إضافية، كما أكدت الخبيرة أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك حين وقّع اتفاقًا قانونيًا مع شركتي “إنفيديا” و”أدفانسد مايكرو ديفايسز” (AMD) يقضي بمنح الحكومة الأمريكية 15% من عائدات مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين. واعتبرت أن هذه الخطوة “تاريخية”، إذ تربط بين الأرباح التجارية والأهداف الاستراتيجية للأمن القومي، لتصبح الشركات الكبرى جزءًا من معركة النفوذ الجيوسياسي.
اقرأ أيضًا: كيف يهدد الحكم الفيدرالي استراتيجية ترامب في فرض الرسوم الجمركية؟
الدفاع.. بداية تأميم جزئي للشركات الاستراتيجية الأمريكية؟
أشارت رمسيس إلى أن إدارة ترامب تدرس الاستحواذ على حصة في شركة لوكهيد مارتن، أكبر منتجي الأسلحة في العالم، وأكدت أن هذه الخطوة، إذا نُفذت، ستكون الأولى من نوعها حيث تملك الحكومة الأمريكية حصة مباشرة في شركة دفاعية مدرجة في البورصة. ورأت أن هذا التوجه يمثل بداية تأميم جزئي تدريجي للصناعات الدفاعية، ما يعكس إدراك واشنطن أن الأمن القومي لا يمكن تركه بالكامل بيد القطاع الخاص.
وقالت: “صناعة الدفاع لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل هي العمود الفقري للهيمنة الأمريكية عالميًا، ولهذا تسعى الإدارة لضمان السيطرة المباشرة على قرارات الإنتاج وتخصيص الموارد”. وأضافت أنَّ البنتاغون ضخ استثمارات مباشرة بقيمة 400 مليون دولار في شركة “إم بي ماتيريالز” لإنتاج مغناطيسات المعادن النادرة، التي تُستخدم في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، مؤكدة أنَّ الهدف هو تقليل الاعتماد على الصين التي تهيمن على أكثر من 70% من السوق العالمية لهذه المعادن.
وأوضحت رمسيس أن هذه الخطوة جزء من استراتيجية أشمل لحماية الصناعات الأمريكية من أي صدمات جيوسياسية، خاصة في ظل تصاعد التوتر مع بكين حول ملفات التجارة والتكنولوجيا. وأضافت: “الولايات المتحدة تدرك أن السيطرة الصينية على المعادن النادرة تمثل ورقة ضغط خطيرة، ولذلك بدأت تتحرك بسرعة لبناء قاعدة إنتاج محلية”.
صندوق التعدين.. دور سيادي جديد
أشارت رمسيس إلى أن واشنطن تجري محادثات لإنشاء صندوق بقيمة 5 مليارات دولار للاستثمار في قطاع التعدين، وهو أكبر تحرك حكومي مباشر في هذا المجال منذ عقود، وأكدت أن هذا الصندوق سيمكن الحكومة من الدخول مباشرة في صفقات تعدين دولية في دول مثل أوكرانيا وغرينلاند والكونغو الديمقراطية، بدلًا من الاكتفاء بدور المراقب أو المحفز. وقالت: “بهذا الصندوق تتحول الحكومة الأمريكية إلى ما يشبه صندوقًا سياديًا يهدف إلى تأمين الموارد الاستراتيجية، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الاقتصاد”.
وأوضحت رمسيس أن هذه السياسات الجديدة لا يمكن فصلها عن التوتر المتصاعد حول ملف سقف الدين الأمريكي، إذ تسعى الحكومة لتقليل الاعتماد على الاستدانة عبر تعزيز الإنتاج المحلي، وأكدت أن الاستثمار المباشر في الشركات الاستراتيجية يمثل بديلًا عمليًا عن التوسع في الاقتراض، خصوصًا في ظل قيود يفرضها الكونغرس على الإنفاق.
وأضافت أن الولايات المتحدة واجهت صعوبات في توطين الصناعات بشكل سريع، بسبب حاجتها إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية معقدة وخبرات بشرية عالية، لذلك رأت أن الاستحواذ على حصص في الشركات القائمة يمثل “حلًا عمليًا مؤقتًا” لضمان استمرار تدفقات سلاسل الإمداد دون انتظار سنوات طويلة لإعادة بناء قاعدة صناعية متكاملة.
واعتبرت رمسيس أن هذه التحركات تحمل بعدًا جيوسياسيًا واضحًا، إذ تأتي في سياق صراع النفوذ بين واشنطن وبكين، ومحاولة الولايات المتحدة استعادة زمام المبادرة في قطاعات ستحدد شكل النظام الدولي الجديد، وأكدت أن صناعة الرقائق والمعادن النادرة والليثيوم لم تعد مجرد قطاعات اقتصادية، بل تحولت إلى أسلحة استراتيجية في صراع القوى العظمى.
راي داليو: أزمة ديون تلوح في الأفق بسبب سياسات ترامب.. اقرأ التقرير الكامل!