لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا يومًا خالية من الخلافات، لكن ما تشهده المرحلة الراهنة يتجاوز حدود التباينات التقليدية حول التجارة أو تقاسم الأعباء الدفاعية، فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية انتقلت القطيعة الخطابية مع أوروبا من مستوى الشكوى السياسية إلى صدام ثقافي معلن، تقوده حركة “ماغا” بوصفه امتدادًا لمعركة داخلية ضد الليبرالية الأمريكية، ولكن على مسرح عابر للأطلسي.
في سردية ترامب، لم تعد أوروبا مجرد شريك متراخٍ أو حليف يُقصِّر في إنفاقه الدفاعي، بل تحولت إلى تجسيد رمزي لما تكرهه حركة ماغا: نخبة ليبرالية، وتنظيمات فوق قومية، وهجرة واسعة، وخطاب حقوقي متشدد، واقتصادات مثقلة باللوائح، ومن هنا أصبح الاتحاد الأوروبي، بل وأحيانا حلف شمال الأطلسي، جزءًا من معركة الهوية التي تخوضها ماغا ضد ما تعتبره “انحرافًا حضاريًا” في الغرب، بحسب “فايننشال تايمز”.
خطاب ترامب.. أوروبا بوصفها المشكلة
في خطاب ترامب، تختصر أوروبا في مجموعة من الصور السلبية الحادة، فلندن -بحسب وصفه- تُدار على يد “عمدة فظيع شرير”، في إشارة مباشرة إلى صادق خان، بينما يصنف القادة الأوروبيون عموما بوصفهم “ضعفاء”، ودولهم “آيلة إلى التدهور”، أما الاتحاد الأوروبي فيقدم باعتباره مشروعًا أُنشئ أصلًا لإيذاء الولايات المتحدة.
هذه اللغة ليست مجرد انفعال شخصي، بل تعبّر عن إعادة تعريف للعلاقة عبر الأطلسي، فترامب -الذي احتفظ تاريخيًا بانتقادات حادة لأعضاء الناتو بسبب عدم التزامهم بمستهدفات الإنفاق الدفاعي- وسَّع نطاق السخط، ليشمل البنية السياسية والاقتصادية الأوروبية نفسها. ووفق جيريمي شابيرو، مدير الأبحاث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن هذه الحدة “ظهرت فجأة تقريبًا”، ولم تكن جزءًا أصيلًا من نقاشات عالم ماغا خلال الولاية الأولى.
من الخلاف التجاري إلى إعادة تعريف الشراكة
يرجع محللون ومساعدون سابقون في إدارة ترامب هذا التحول إلى تراكم نزاعات قديمة حول التجارة والتكنولوجيا وتنظيمات المناخ، فالبيت الأبيض يرى في الاتحاد الأوروبي شريكًا “صعب المراس” في المفاوضات التجارية، لا سيما مع إصراره على قواعد صارمة تتعلق بالمنافسة والبيئة وحماية المستهلك.
وقد عبَّر مسؤول أمريكي سابق خدم في الإدارة الثانية لترامب عن هذا الشعور بوضوح، حين قال إن الاتحاد الأوروبي “يثير غضب ترامب أكثر من أي شريك تجاري آخر”، وهذا الغضب لا ينبع فقط من العجز عن انتزاع تنازلات اقتصادية، بل من قناعة أعمق داخل ماغا بأن النموذج التنظيمي الأوروبي يمثّل تهديدًا للنموذج الأمريكي القائم على الأسواق الأوسع والقيود الأقل.
طمس الحدود بين الناتو والاتحاد الأوروبي
إحدى السمات اللافتة في خطاب ترامب وفريقه هي دمج القضايا الاقتصادية بالأمن القومي، على نحو طمس الفروق التقليدية بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، رغم اختلاف عضويتهما ووظائفهما، وهذا التداخل عبر عنه بوضوح نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، حين كتب أن الدول الأوروبية “عندما ترتدي قبعات الناتو” تؤكد أهمية التعاون الأمني، لكنها “عندما ترتدي قبعات الاتحاد الأوروبي” تتبنى أجندات تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، وهذا الطرح يحول الخلاف الاقتصادي والتنظيمي إلى إشكالية أمنية، ويعيد تعريف أوروبا لا بوصفها حليفًا غير كامل، بل شريكًا ذا ولاءات مزدوجة، بل وربما متناقضة، في نظر صُناع القرار في واشنطن.
اقرأ أيضًا: من المسؤول عن خسارة أوروبا؟ عقود من الأخطاء لا ترامب
البعد الثقافي.. ما وراء السياسة التقليدية
الخلاف -وفق مراقبين- لا يمكن فهمه من زاوية السياسات وحدها، فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، دعت صراحة إلى “تنمية المقاومة داخل الاتحاد الأوروبي”، وأعطت أولوية لتعميق العلاقات مع دول وسط وشرق أوروبا التي توصف بأنها “سليمة” ثقافيًا، في إشارة إلى ميولها المحافظة.
ويرى جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو، أن “الأشياء التي لا يحبونها في أوروبا هي ذاتها التي لا يحبّونها في الولايات المتحدة”، والهجرة، في نظرهم، تغير الطابع الديموغرافي للدول، والتنظيم المفرط يخنق الحرية الاقتصادية، والليبرالية الثقافية تُضعف الهوية الوطنية.
وتذهب الاستراتيجية الأمنية الجديدة أبعد من ذلك، حين تحذر من “طمس حضاري” محتمل في أوروبا، نتيجة الهجرة الجماعية، وتراجع معدلات المواليد. وتشير الوثيقة، إلى سيناريو قد تصبح فيه بعض دول الناتو “غير أوروبية الأغلبية” خلال عقود، ما قد يغير نظرتها للعالم ولمفهوم التحالف مع واشنطن، وهذا الخطاب يمثل قطيعة واضحة مع عقود من السياسة الخارجية الأميركية، التي قامت على الدفاع عن أوروبا بوصفها فضاء للقيم الديمقراطية المشتركة، بل إنه يبتعد حتى عن استراتيجية ترامب الأولى عام 2017، التي اتسمت -رغم نبرتها الصدامية- بقدر أكبر من التقليدية في توصيف الشراكة الأطلسية.
“ماغا” كحركة ثقافية عابرة للحدود
وفق شابيرو، فإن هذا التحول هو ثمرة أربع سنوات من العمل المكثف على بناء البنية المؤسسية والفكرية لحركة “ماغا” خلال إدارة جو بايدن، ففي تلك الفترة خلصت الحركة إلى أن إخفاق الولاية الأولى لترامب لم يكن سببه نقص السيطرة السياسية، بل سوء تقدير لطبيعة القوة الليبرالية، والقناعة الجديدة داخل “ماغا” تقول إن الهيمنة الليبرالية لا تُمارَس فقط عبر الرئاسة أو الكونغرس، بل من خلال الجامعات والإعلام ومكاتب المحاماة والمؤسسات الثقافية الأوسع، ومن هذا المنطلق أصبحت أوروبا -بمؤسساتها فوق القومية وخطابها الحقوقي- امتدادًا طبيعيًا لساحة الصراع.
ومنذ بداية الولاية الثانية، شن ترامب حملة هجومية ضد ما يراه معاقل للنخبة الليبرالية داخل الولايات المتحدة، وما يُسمى “الدولة العميقة”، ويرى فريقه أن أوروبا تمثل النسخة الدولية من هذه المعاقل. ومن جهته، يقول شابيرو إن ما يحدث هو “توسيع حرب الثقافة إلى القارة الأوروبية”، حيث تُعامَل بروكسل وبرلين وباريس بوصفها مراكز لإنتاج السياسات والقيم التي تعارضها “ماغا”.
الشعبوية الأوروبية في عين “ماغا”
ستيف بانون، المستشار الاستراتيجي السابق لترامب، عبر عن هذا المنظور بوضوح حين قال إن محاولات الدول الأوروبية كبح صعود اليمين المتطرف تُفسر داخل أوساط ماغا كـ”إهانة مباشرة”، فالحركات الشعبوية القومية في أوروبا تعامل -بحسب بانون- بازدراء من النخب هناك، وهو ما تلقفته القاعدة الأمريكية المؤيدة لترامب، وفي هذا السياق، تصبح أوروبا ليس فقط خصما أيديولوجيا، بل ساحة مظلومية مشتركة بين الشعبويين على جانبي الأطلسي.
فانس وألمانيا.. لحظة الانفجار
بلغ التوتر ذروته في خطاب نائب الرئيس جيه دي فانس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، بعد أسابيع من بدء الولاية الثانية، حيث اتهم فانس القادة الأوروبيين بممارسة الرقابة، محذرًا من أن “التهديد من الداخل” أخطر على أوروبا من الصين أو روسيا، رغم الحرب الروسية المستمرة، وقد عكس هذا الطرح تحولًا جذريًا في الأولويات الأمريكية، من التركيز على التهديدات الجيوسياسية الخارجية إلى محاكمة البنية السياسية والثقافية الأوروبية نفسها.
لم يتوقف الأمر عند الخطاب، فقد دافع مسؤولون أمريكيون كبار، بينهم فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، عن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، معتبرين التحقيقات الألمانية بحقه اعتداء على حرية التعبير، وذهب روبيو إلى وصف قرار الاستخبارات الألمانية تصنيف الحزب “منظمة متطرفة” بأنه “استبداد مقنّع”، وهذا الموقف شكَّل تدخُّلًا غير مسبوق في الشؤون الداخلية لدولة أوروبية كبرى، ورسالة واضحة بأن واشنطن في عهد ترامب مستعدة للانحياز العلني إلى قوى سياسية أوروبية مثيرة للجدل، إذا كانت تتقاطع أيديولوجيا مع “ماغا”.
المفارقة، أن هذا العداء البنيوي للمشروع الأوروبي، لا يمنع ترامب من إقامة علاقات شخصية جيّدة مع بعض القادة، مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ولكن هذه العلاقات لا تغير موقفه من الاتحاد الأوروبي بوصفه كيانا. ويرى كورت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة The American Conservative، أن ترامب “يحكم بالحدس والعلاقات الشخصية”، وأنه من غير المرجح أن يقيده التصور الوارد في استراتيجية الأمن القومي الجديدة.
اقرأ أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي
ما الذي يعنيه هذا لأوروبا؟
اقتصاديًا، هذا النهج يفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين في العلاقات التجارية والتنظيمية عبر الأطلسي، خاصة إذا استُخدمت أدوات الأمن القومي للضغط في ملفات السوق والتنظيم. وسياسيًا، الخطاب الأمريكي الداعم لليمين المتطرف يُضعف تماسك الجبهة الأوروبية في مواجهة تحديات داخلية وخارجية، أما ثقافيا فإن تصدير حروب الثقافة الأمريكية إلى أوروبا يهدد بتحويل الخلافات القيمية إلى شرخ استراتيجي طويل الأمد، يصعب رأبه حتى مع تغير الإدارات.
في نهاية المطاف، لا تكره حركة “ماغا” أوروبا بوصفها قارة أو شعوبًا، بل بوصفها مرآة لما تحاربه في الداخل الأمريكي، وأوروبا في هذا الخطاب ليست حليفًا ضل الطريق، بل نموذجًا تحذيريًا لما قد تصبح عليه الولايات المتحدة إذا انتصرت الليبرالية التي تناهضها “ماغا”.
وهكذا، ينقل ترامب حروب الثقافة عبر الأطلسي، ليعيد تعريف العلاقة مع أوروبا لا على أساس المصالح المشتركة وحدها، بل على أساس صراع هوية وقيم، قد يكون هو الأخطر في تاريخ الشراكة الغربية الحديثة.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يصعّد ضغوطه على أوروبا لوقف شراء النفط الروسي
