في كواليس المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لا تدور المحادثات هذه المرة حول الركود أو الذكاء الاصطناعي، بل حول جزيرةٍ جليدية أعادت فتح أخطر ملف في العلاقات العابرة للأطلسي منذ عقود، فتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعداد رد غير مسبوق: رسوم جمركية انتقامية تصل إلى 93 مليار يورو (108 مليارات دولار) مع احتمال تقييد وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الأوروبية، وهي لحظة يتقاطع فيها الاقتصاد بالأمن والسيادة، وتتحول فيها التجارة إلى أداة ردع سياسي.
الجدير بالذكر أنّ حزمة الرسوم -التي أُنجز إعدادها العام الماضي ثم جرى تعليقها حتى 6 فبراير- ستعاد الآن لتكون “ورقة ضغط” في محادثات دافوس، وقيمة 93 مليار يورو التي تمّ الإعلان عنها تعكس اتساع شبكة السلع المعنية وقدرتها على إحداث أثر ملموس على الشركات الأمريكية العاملة في أوروبا، والرسالة إلى واشنطن واضحة: الرد لن يكون رمزيًا، بل قابلًا لخلق كلفة اقتصادية مباشرة.
ما وراء الرسوم.. أداة مكافحة الإكراه تدخل المسرح
الأخطر من الرسوم هو التفكير الأوروبي الجاد في تفعيل أداة مكافحة الإكراه (Anti-Coercion Instrument – ACI)، وهي آلية تشريعية أُقرت عام 2023 ولم تستخدم حتى الآن، فهذه الأداة تتيح للاتحاد فرض قيود على الاستثمارات وربما الخدمات، وفي القلب منها خدمات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، إذا تعرض لضغوط قسرية، ومجرد إدراج “ACI” في النقاش يرفع سقف المخاطر لأن أثره يتجاوز الحدود الجمركية إلى نماذج الأعمال والاستثمار.
قضية غرينلاند ليست نزاعًا تجاريًا تقنيًا، فالجزيرة تتمتع بحكم ذاتي تابع للدنمارك، وأي محاولة للسيطرة عليها تقرأ في أوروبا كمساسٍ مباشر بالسيادة وبالتحالف الغربي نفسه، ولهذا تتحرك العواصم الأوروبية على مسارين متوازيين: التصعيد المحسوب والدعوة إلى التهدئة.
اقرأ أيضًا: السيطرة على غرينلاند تشعل المواجهة بين واشنطن وأوروبا
الأمن الأوروبي وتماسك التحالف تحت الاختبار
التوتر يتفاقم لأن تهديدات الرسوم وملف غرينلاند تمس تماسك حلف شمال الأطلسي، وأي شرخ في العلاقات قد يترجم إلى تهديد وجودي للأمن الأوروبي، وفق توصيف دبلوماسيين، لذلك تحاول أوروبا تحصين المسار العسكري عبر احتواء المسار التجاري، لكنها في الوقت ذاته تُعد أدوات الرد إن فشل الاحتواء.
ترامب، من جهته، أعلن نيته فرض رسوم بنسبة 10% اعتبارا من 1 فبراير على واردات من المملكة المتحدة والنرويج، وست دول أوروبية، شاركت بقوات في مناورات بالجزيرة. هذه المهلة الزمنية صارت خط الأساس لاختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة لمسار بديل أم ذاهبة إلى التصعيد، والأوروبيون يعتبرون الأسابيع الفاصلة نافذة أخيرة للدبلوماسية.
في هذا السياق، تدفع فرنسا بقوة نحو تفعيل “ACI”، فيما تنسق مع ألمانيا ردًا مشتركًا، حيث إنّ اجتماع وزيري المالية في برلين قبيل التوجه إلى بروكسل يعكس إدراكًا بأن أي رد مجتزأ يضعف الموقف، وأن وحدة القرار هي رأس المال الحقيقي في مواجهة واشنطن، والمسألة ستُطرح كذلك ضمن أطر مجموعة السبع، لتوسيع الغطاء السياسي.
وفي خطوة تمهيدية، أعلنت أكبر الكتل في البرلمان الأوروبي تأجيل تصويت كان مقررًا لخفض الرسوم الأوروبية على سلع أمريكية ضمن اتفاق أُبرم العام الماضي، والتعليق يحمل في طياته رسالة مزدوجة: لا تنازلات مجانية، والكرة باتت في الملعب الأمريكي.
اقرأ أيضًا: القطب الشمالي.. ساحة الصراع الجديد على الموارد
دافوس يتحول إلى منصة لفضّ الاشتباك التجاري والسياسي
من المقرر أن يُجري ترامب محادثات خاصة مع قادة أوروبيين، بينهم رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، إلى جانب مشاركته في نقاشات أوسع، كما عدلت اجتماعات مستشاري الأمن القومي جدولها لإفساح المجال لأزمة غرينلاند، ومعنى ذلك أن الملف خرج من الهامش التجاري إلى صدارة الأمن السياسي.
وتقول رئيسة الوزراء الدنماركية إن بلادها “ترغب في التعاون”، فيما يصف دبلوماسيون أوروبيون التهديدات بأنها “إكراه” يُبرّر استخدام “ACI”، والمفارقة أن خطاب التهدئة يترافق مع بناء أدوات التصعيد؛ وهو توازن مقصود لزيادة الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها، من الحزبين، لدفع ترامب إلى التراجع.
في المقابل، يرى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن أوروبا “ضعيفة عن ضمان أمن غرينلاند”، معتبرًا أن تعزيز الأمن غير ممكن من دون أن تكون الجزيرة جزءًا من الولايات المتحدة، وتصريحاته، التي أدلى بها لـ NBC News، تغلظ الموقف وتغلق باب التنازل السريع.
الأثر الاقتصادي المباشر.. من يدفع الفاتورة؟
رسوم بقيمة 93 مليار يورو -إذا فُعّلت- ستطال قطاعات واسعة من التبادل التجاري، وتُربك سلاسل توريد شركات أمريكية تعتمد على السوق الأوروبية كنقطة نمو، كما أن أي قيود على الخدمات -خاصة الرقمية- ستضاعف الأثر عبر تقليص الإيرادات وإعادة تسعير المخاطر، وفي المقابل يدرك الأوروبيون أن التصعيد يحمل كلفة داخلية، لكنه يُقرأ كاستثمار في الردع.
قادة الاتحاد يستعدون لاجتماعٍ طارئ لبحث الأزمة خلال أيام، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أكد الجاهزية “للدفاع عن النفس ضد أي شكل من أشكال الإكراه”، والرسالة هنا مؤسسية: القرار لن يبقى في غرف الدبلوماسيين، بل سينتقل إلى أعلى مستويات صنع السياسات.
ما بدأ بتهديد حول غرينلاند، تحول إلى اختبار شامل لقواعد اللعبة عبر الأطلسي، والاتحاد الأوروبي يلوح بأدوات لم يستخدمها من قبل، ويُظهر استعدادا لتحويل قوته السوقية إلى رافعة سياسية، والولايات المتحدة تُصر على ربط الأمن بالسيطرة.
اقرأ أيضًا: الذهب يلامس 4700 دولار للأوقية.. صعود تاريخي مدفوع بالحروب التجارية