هل يمهد إفلاس “متروبوليتان كابيتال” لموجة تعثرات جديدة؟
في تطور لافت داخل القطاع المصرفي الأمريكي، أعلنت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع إغلاق بنك Metropolitan Capital، بقرار صادر عن الجهات الرقابية المختصة في ولاية إلينوي، ليُسجل بذلك أول إفلاس مصرفي في أمريكا منذ بداية عام 2026.
وأوضحت المؤسسة أن قرار الإغلاق جاء بعد تقييم الوضع المالي للبنك، وبما ينسجم مع القواعد الرقابية الهادفة إلى حماية أموال المودعين والحفاظ على استقرار النظام المصرفي. وفي هذا الإطار، جرى تنفيذ اتفاقية “شراء وتولي” جرى نقلها بموجبها معظم ودائع البنك وأصوله إلى First Independence Bank، الذي يتخذ من مدينة ديترويت مقرًا له.
وأكدت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع أن هذا الإجراء يضمن حماية كاملة لودائع العملاء دون تحميلهم أي خسائر، كما يتيح لهم الاستمرار في استخدام خدماتهم المصرفية بشكل طبيعي ودون انقطاع، سواء عبر الفروع أو القنوات الإلكترونية.
ويأتي هذا التحرك في إطار السياسة الاحترازية المتبعة في الولايات المتحدة للتعامل مع حالات التعثر المصرفي بشكل مبكر ومنظم، بما يمنع انتقال المخاطر إلى باقي القطاع المصرفي، ويعزز الثقة في قدرة الجهات الرقابية على إدارة الأزمات وحماية حقوق المودعين.
ماذا يعني الانهيار المصرفي الصامت؟
في تعليقه على القرار، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن ما جرى يعد نموذجًا لما يعرف بـ”الانهيار المصرفي الصامت”، حيث لا يحدث السقوط نتيجة ذعر مفاجئ أو هروب جماعي للودائع، بل بسبب تدهور تدريجي في المؤشرات الأساسية يفقد البنك أهليته للاستمرار رقابيًا.
وقال شوقي إن الجهات الرقابية في ولاية إلينوي قررت في 30 يناير 2026 إغلاق البنك وتسليم إدارته إلى المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع، التي تولّت نقل الودائع والأصول إلى First Independence Bank، في خطوة هدفت إلى حماية المودعين والحفاظ على استقرار النظام المصرفي، بعد فشل البنك في تلبية الحد الأدنى من متطلبات السلامة المالية.
فخ الأصول الضعيفة.. تحليل أسباب سقوط أول بنك أمريكي في 2026
أشار شوقي إلى أن البنك يصنف ضمن شريحة البنوك الصغيرة، بإجمالي أصول يبلغ نحو 261 مليون دولار، محتلاً مركزًا متأخرًا بين البنوك الأمريكية، وهو ما حدّ من قدرته على تنويع المخاطر وامتصاص الصدمات، كما أن رأس المال كان شديد المحدودية عند نحو 4.2 مليون دولار، مع نسب رأسمالية قريبة من الحدود الرقابية الدنيا، ما أفقد البنك أي هامش أمان حقيقي.
وأضاف أن حجم الودائع بلغ نحو 212 مليون دولار، مقابل محفظة قروض بحوالي 142 مليون دولار، تركز أكثر من 80% منها في قروض الشركات والتجارة. وهذا التركز المرتفع، بحسب شوقي، كشف البنك لمخاطر ائتمانية كبيرة، خاصة بعد تسجيل صافي شطب ديون بقيمة 12.5 مليون دولار خلال الربع المنتهي في سبتمبر 2025، ما أدى إلى خسائر تراكمية بلغت 10.8 مليون دولار منذ بداية العام.
وفيما يتعلق بجودة الأصول، أوضح شوقي أن القروض غير المنتظمة بلغت 4.5 مليون دولار، معظمها ضمن قروض الشركات، في مقابل مخصص خسائر قروض لا يتجاوز 3.4 مليون دولار، وهو مستوى غير كافٍ، حيث تجاوزت نسبة القروض المتعثرة إلى المخصصات 131%. كما زادت الضغوط مع محفظة أوراق مالية متاحة للبيع بقيمة 52.5 مليون دولار، ذات آجال طويلة وعائد ضعيف لا يتجاوز 1.7%، ما ساهم في خسائر غير محققة وأضعف المركز المالي.
وأكد أن هذه التطورات انعكست بوضوح على الربحية، إذ سجل البنك معدلات عائد سلبية حادة، مع تراجع العائد على الأصول والعائد على حقوق الملكية إلى مستويات تعكس استنزافًا شبه كامل لرأس المال. وعلى صعيد السيولة، ورغم عدم حدوث أزمة سيولة فورية، فإن اعتماد البنك على ودائع غير مستقرة ومصادر تمويل قصيرة الأجل زاد من هشاشته أمام أي صدمة.
واختتم شوقي بأن الجهات الرقابية اعتبرت وضع البنك “غير آمن وغير سليم”، بسبب تدهور رأس المال وضعف الحوكمة، ما استدعى التدخل المبكر. والدروس المستفادة، بحسب شوقي، تؤكد أن رأس المال الكافي شرط بقاء، وأن جودة الأصول أهم من حجمها، وأن السيولة لا تكون آمنة إلا إذا استندت إلى مصادر مستقرة، فالبنوك، كما شدد، لا تغلق بسبب الخسائر وحدها، بل عندما تفشل في الحفاظ على ثقة الرقابة.
قد يهمّك أيضًا: ثروة دونالد ترامب 202.. كيف قفزت بـ 3 مليارات دولار في عام واحد؟
كيف تحركت الجهات الرقابية لتأمين أموال المودعين؟
من جانبها، أكدت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن إغلاق البنك كان أول حالة إفلاس مصرفي في الولايات المتحدة خلال عام 2026، لكنه لا يمثل حدثًا مفاجئًا أو أزمة سيولة تقليدية، بل ناتج عن تدهور تدريجي في مؤشرات الأداء الأساسية.
وأوضحت خضر أن تحرك الجهات الرقابية في ولاية إلينوي جاء سريعًا ومنظمًا، عبر نقل الودائع والأصول إلى بنك آخر تحت إشراف المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع، بما ضمن حماية المودعين واستمرار الخدمات دون اضطراب، مؤكدة أن هذا الأسلوب يعكس تطور أدوات الاحتواء الرقابي مقارنة بالأزمات السابقة.
وأضافت أن خطورة الحالة لا تكمن في حجم البنك أو تأثيره المباشر، بل في الدلالة الهيكلية التي يحملها، مشيرة إلى أن البنوك الصغيرة والإقليمية أصبحت أكثر هشاشة في ظل بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وتشديد السيولة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما يضغط على هوامش الربحية وجودة الأصول في آن واحد.
اقرأ أيضًا: ترشيح كيفين وارش للفيدرالي.. هل يملك مفتاح خفض الفائدة؟
هل يمثل إفلاس متروبوليتان كابيتال بداية لسلسلة من الانهيارات؟
أشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن غياب الذعر الإعلامي أو اندفاع المودعين لا يعني سلامة الوضع، بل يعكس تصميم النظام المصرفي الحالي على احتواء الفشل بهدوء لتفادي انتقال العدوى، مؤكدة أن هذا “الهدوء المنظم”، قد يُخفي ضغوطًا أعمق داخل النظام.
وقالت خضر إن محدودية عدد حالات الإفلاس المصرفي خلال العام الماضي لا يجب تفسيرها كمؤشر اطمئنان مطلق، بل كجزء من اختبار ضغط تدريجي يتم خلاله استبعاد المؤسسات الأضعف، موضحة أن الأسواق تراقب ما إذا كانت هذه الحالة معزولة أم تمثل بداية سلسلة جديدة من التعثرات في 2026.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن الرسالة الأهم من هذه الواقعة هي أن النظام المصرفي قادر على إدارة الفشل، لكنه لا يزال يواجه تحديًا حقيقيًا في منع تآكل الثقة، مشددة على أن استمرار الضغوط دون حلول هيكلية قد يجعل حالات الإفلاس الفردية أكثر تكرارًا، حتى وإن جرى احتواؤها بهدوء ودون صخب.
قد يهمّك أيضًا: شبح الإغلاق الحكومي يعود.. هل ينجح ترامب في احتواء الأزمة؟
