إسرائيل تجمّد أكبر صفقة غاز في تاريخها مع مصر.. لماذا؟

في تطور جديد يعكس عمق التداخل بين السياسة والطاقة في الشرق الأوسط، أعلنت إسرائيل تجميد أكبر صفقة غاز في تاريخها مع مصر، بعد رفض وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين المصادقة على اتفاق تصدير الغاز الذي تم التوصل إليه مؤخرًا بين الجانبين.

القرار الإسرائيلي المفاجئ فجّر موجة من التوترات الإقليمية والدبلوماسية، وأدى إلى إلغاء وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت زيارته المقررة إلى إسرائيل، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها رسالة احتجاج أمريكية مبطنة على التعطيل الإسرائيلي المتعمد للاتفاق.

صفقة بـ35 مليار دولار

كان من المفترض أن تنفذ الصفقة، التي تُقدّر قيمتها بنحو 35 مليار دولار، عبر حقل الغاز الإسرائيلي العملاق ليفياثان، الذي يتم إدارته بواسطة شركة شيفرون الأمريكية، ووفقًا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، يعتبر هذا الاتفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل بمجال تصدير الطاقة، إذ كان سيؤمن تدفق الغاز الطبيعي إلى مصر حتى عام 2040، بما يرسّخ دور القاهرة كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز في شرق المتوسط.

لكن القرار الإسرائيلي بتجميد الصفقة أثار ارتباكًا في الأوساط السياسية والاقتصادية؛ فقد أوضح مكتب الوزير كوهين أن الحكومة الإسرائيلية لن تصادق على الاتفاق قبل “ضمان أسعار عادلة للسوق المحلية”، مشيرًا إلى أن “المفاوضات لم تُستكمل بعد”، وأكد المكتب أن الأسعار المقترحة “لا تخدم المصلحة الإسرائيلية”، ما دفع الوزير إلى تعليق المصادقة مؤقتًا، إلا أن هذه الحجج، بحسب العديد من المحللين، لا تعبّر سوى عن غطاء اقتصادي لخلفيات سياسية أعمق.

الضغط الأمريكي وإلغاء زيارة وزير الطاقة لإسرائيل

بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية ودولية، من بينها وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) وصحيفة إسرائيل هيوم، مارست إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا شديدة على كل من كوهين ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للموافقة على الصفقة، معتبرة إياها جزءًا من التعاون الاستراتيجي في ملف الطاقة الإقليمي، ودعمًا لرؤية واشنطن في شرق المتوسط.

لكن رغم هذه الضغوط، أصر كوهين على موقفه، ما أدى إلى تصاعد الخلاف مع واشنطن، ودفع الوزير الأمريكي كريس رايت إلى إلغاء زيارته التي كانت مقررة لمدة 6 أيام إلى تل أبيب، احتجاجًا على ما وصفته مصادر أمريكية بـ”العرقلة غير المبررة” من الجانب الإسرائيلي.

شركة شيفرون الأمريكية، التي تدير حقل ليفياثان، دخلت بدورها على خط الأزمة، إذ مارست ضغوطًا كبيرة على الحكومة الإسرائيلية لتسريع المصادقة على الاتفاق، معتبرة أن تأجيل الصفقة يُضر بمصالحها الاستثمارية، ويهدد مكانة إسرائيل كشريك موثوق في سوق الطاقة العالمي.

الاقتصاد في صلب الصراع الإقليمي

ومن جانبه أوضح  الدكتور أحمد عناني خبير العلاقات الدولية، أن قرار إسرائيل تجميد الصفقة لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية، بل يعكس توتّرًا سياسيًا متناميًا بين تل أبيب والقاهرة وواشنطن، وقال: ” إن إسرائيل تتحجج بمسألة الأسعار، لكنها في الواقع تحاول استخدام الملف كورقة ضغط على مصر في ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها الموقف المصري من الحرب في غزة”.

وأضاف الخبير أن المبررات التي تسوقها إسرائيل بشأن الأسعار “ذرائع غير واقعية”، مشيرًا إلى أن هناك مخاوف داخلية إسرائيلية من أن يؤدي تصدير كميات ضخمة من الغاز إلى مصر إلى نقص في الاحتياط المحلي للطاقة بحلول عام 2040، ومع ذلك، يرى أن هذه المخاوف “مبالغ فيها”، وأن الاتفاق في جوهره صفقة رابحة للطرفين، إذ يضمن لإسرائيل عائدات تقدر بـ35 مليار دولار حتى عام 2040، ويوفر لمصر مصدرًا استراتيجيًا للطاقة يعزز موقعها كمحور إقليمي في تجارة الغاز وتسييله.

القاهرة في مرمى الحسابات الإسرائيلية

تزامن القرار الإسرائيلي مع فترة حساسة من التوترات في قطاع غزة، ودور مصر البارز في الوساطة ووقف إطلاق النار، وهو ما فُسر في بعض الدوائر بأن إسرائيل تسعى لـ”معاقبة القاهرة اقتصاديًا” على مواقفها الرافضة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، وموقفها الحازم من رفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

وفي هذا السياق، أكد مسعد أن “الجانب المصري يدرك جيدًا أن إسرائيل تستخدم الملف كأداة ضغط”، لكنه يضيف أن القاهرة تمتلك بدائل ولن تخضع لمثل هذه المناورات، لافتًا إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يدير سياسة الطاقة من منطلق استراتيجي يعتمد على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لأي طرف.

ومن ناحية أخرى، فإنّ إلغاء وزير الطاقة الأمريكي لزيارته لإسرائيل لم يكن خطوة دبلوماسية عابرة، بل رسالة سياسية مباشرة تعكس انزعاج واشنطن من سلوك تل أبيب، فبحسب محللين، أرادت الولايات المتحدة أن تؤكد رفضها لأي خطوة يمكن أن تُضعف التعاون الثلاثي في مجال الطاقة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية ورغبة واشنطن في استقرار منطقة شرق المتوسط كمنطقة نفوذ غربي مقابل التمدد الروسي والصيني.

وأشار مسعد إلى أن قرار الوزير الأمريكي كان أيضًا ردًا على محاولة إسرائيل إحراجه، إذ جاءت خطوة التجميد قبيل الزيارة مباشرة، في توقيت يُظهر واشنطن وكأنها غير قادرة على التأثير على حلفائها، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف حازم لإعادة ضبط ميزان القوى الدبلوماسي.

ملف الغاز يتجاوز الاقتصاد ليصبح ورقة ضغط سياسية

من ناحية اقتصادية، تمثل الصفقة المجمدة أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تربط مصر بإسرائيل والولايات المتحدة، فهي ليست مجرد اتفاق تجاري، بل ركيزة في مشروع إقليمي أوسع يهدف إلى تحويل شرق المتوسط إلى مركز للطاقة يربط أوروبا بالشرق الأوسط وأفريقيا، ومن هنا فإن تعطيلها لا يضر فقط بالعلاقات الثنائية بين القاهرة وتل أبيب، بل أيضًا بالمصالح الأمريكية في المنطقة.

ويرى الخبير أن استمرار التجميد لفترة طويلة سيضر بمكانة إسرائيل الاستثمارية، ويقوض ثقة الشركات الأجنبية في بيئة الطاقة الإسرائيلية، كما سيؤثر سلبًا على صادرات الغاز المصرية التي تعتمد جزئيًا على الإمدادات الإسرائيلية لإعادة التسييل في محطات إدكو ودمياط، لكنه شدد على أن مصر قادرة على إعادة هيكلة استراتيجيتها الطاقوية بسرعة، خصوصًا مع توسع استثماراتها في حقول البحر المتوسط ووجود اتفاقات بديلة مع قبرص واليونان.

وأكد الخبير أنّ أزمة صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل كشفت أن الطاقة لم تعد ملفًا اقتصاديًا بحتًا، بل أداة صراع سياسي واستراتيجي بين الأطراف الثلاثة، مصر وإسرائيل والولايات المتحدة؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه القاهرة لتأكيد استقلال قرارها وسيادتها الاقتصادية، تحاول تل أبيب الموازنة بين مصالحها الداخلية والتزاماتها الخارجية، بينما تراقب واشنطن المشهد بقلق متزايد خشية أن تفقد السيطرة على أهم ركائز نفوذها في شرق المتوسط.

وبينما يظل الاتفاق مجمّدًا رسميًا “حتى إشعار آخر”، فإن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان الضغط الأمريكي قادرًا على إعادة الصفقة إلى مسارها، أم أن إسرائيل ستواصل استخدام ملف الغاز كورقة تفاوضية وسياسية في صراعها مع القاهرة وملفات المنطقة.

وفي ختام تصريحاته، أكد الخبير أن مصر لن تتراجع عن استراتيجيتها الطاقوية المستقلة، وأن أي محاولة لابتزازها اقتصاديًا ستنعكس سلبًا على الطرف الإسرائيلي ذاته، الذي يواجه الآن تحديًا مزدوجًا: داخليًا من شركات الطاقة الكبرى، وخارجيًا من حلفائه الغاضبين في واشنطن.

اقرأ أيضًا: لقاء ترامب وشي.. هل ينجح الزعيمان في إعادة التوازن للأسواق العالمية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة