تركيا وسوريا: هل تعيد اتفاقيات الحدود البحرية تشكيل المشهد الإقليمي؟
تشهد الساحة الإقليمية تحركات دبلوماسية مكثفة، وتركيا تتصدر المشهد بمساعيها لتعزيز نفوذها في سوريا عبر إعادة ترسيم الحدود البحرية بالمتوسط، حيث تمثل البلد أهمية إستراتيجية على المستويين السياسي والاقتصادي لأنقرة. وفي ظل الأوضاع الراهنة، تسعى الحكومة التركية، بقيادة حزب العدالة والتنمية، إلى استغلال الظروف الانتقالية في سوريا لتحقيق مكاسب جيوسياسية، بما في ذلك إبرام اتفاقيات جديدة تعيد تشكيل العلاقات بين البلدين.
هذه التحركات تأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات حول البحر المتوسط، حيث تطمح أنقرة إلى توسيع نطاق نفوذها عبر اتفاقيات بحرية مشابهة لنموذجها مع ليبيا، وسط رفض واعتراضات إقليمية ودولية.
إعادة ترسيم الحدود البحرية.. هدف استراتيجي لتركيا
قالت الدكتورة عقيلة دبيشي، خبيرة الشؤون الدولية ومدير المركز الفرنسي للدراسات الدولية، إنَّ إعادة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا تمثل هدفاً استراتيجياً لتركيا، خاصةً في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. وأوضحت أنَّ أنقرة تنظر إلى الظروف الراهنة في سوريا كفرصة ذهبية لتعزيز حضورها الإقليمي وتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي بما يتماشى مع مصالحها في المنطقة.
وفي سياق مشابه، أكَّدت دبيشي أنَّ تركيا لديها أهداف اقتصادية واضحة في البحر الأبيض المتوسط، حيث تخطط لتأمين مصالحها في المناطق الاقتصادية الخالصة واستغلال الموارد الطبيعية، موضحةً أنَّ الطرق الدولية التي تمر عبر سوريا تعد عنصراً أساسياً في الحسابات التركية، إذ إنّ أنقرة تُمهد لضمان حرية حركتها التجارية وتعزيز طرق الإمداد الخاصة بها.
وأشارت إلى أن تركيا تعاملت لسنوات مع الفصائل المسلحة في سوريا كوسيلة لتحقيق أهدافها، لكنَّها الآن تتجه لتطوير علاقاتها مع الحكومة السورية في دمشق في محاولة لإبرام اتفاقيات إستراتيجية تخدم مصالحها طويلة الأمد.
اقرأ أيضًا: من خلال الطاقة.. تركيا توسع نفوذها في سوريا
تركيا تسابق الزمن لعقد اتفاقيات مع سوريا
شدَّدت دبيشي على أنَّ تركيا تستهدف إبرام اتفاقيات سريعة مع الحكومة السورية قبل أن يتم تشكيل برلمان جديد أو هيئات سيادية في سوريا قد تكون قادرة على عرقلة مثل هذه الاتفاقيات، وأوضحت أن التحركات التركية تهدف لاستغلال الوضع الحالي في سوريا، المتمثل بالمرحلة الانتقالية، لإبرام اتفاقيات مشابهة للاتفاق البحري الذي وقعته مع حكومة الوفاق الليبية في عام 2019.
وقالت دبيشي: “تركيا تعمل على استباق المشهد السياسي في سوريا، خاصةً وأنَّ أيَّ برلمان أو حكومة سيادية مستقبلية قد تعترض على بنود الاتفاقيات التي قد تعتبرها غير منصفة، لهذا نجد أنَّ أنقرة تتحرك بسرعة لفرض واقع جديد يخدم مصالحها”.
وترى دبيشي أنَّ الاتفاق البحري المحتمل بين تركيا وسوريا قد يكون مشابهاً للاتفاق الليبي-التركي الذي أثار موجة من الجدل والاعتراضات الدولية، موضحةً أنَّ هذا النموذج قد يمنح أنقرة نفوذاً استراتيجياً في البحر المتوسط، لكن في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تصعيد التوترات مع دول الاتحاد الأوروبي ودول الجوار مثل اليونان وقبرص التي ترى أن تركيا تنتهك القانون الدولي في البحر المتوسط.
الاتفاق التركي-السوري.. حسابات الربح والخسارة
أشارت دبيشي إلى أنَّ “أي اتفاق تركي-سوري في هذا الإطار سيخضع للتدقيق الإقليمي والدولي، لا سيَّما من قبل الدول الأوروبية التي قد تعتبره محاولة جديدة لزعزعة التوازن في المنطقة”، كما أنّ “التوقيت الذي تسعى فيه تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع دمشق يعكس استراتيجيتها الاستباقية”.
وأوضحت أن الحكومة التركية تدرك أن الظروف الحالية في سوريا تمثل فرصة لإرساء قواعد شراكة جديدة، لكنها أكدت أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تجاوز العقبات التي قد تفرضها المعارضة الإقليمية والدولية لهذه الاتفاقيات. وأوضحت: “تركيا تحاول تحقيق أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية من خلال هذه التحركات، لكنها تدرك جيداً أن هذه الاتفاقيات قد تواجه رفضاً واسعاً، سواء داخل سوريا أو خارجها، ما قد يعقد تنفيذها على أرض الواقع”.
وفي النهاية، خلصت الدكتورة عقيلة دبيشي إلى أنَّ التحركات التركية تجاه سوريا تمثل جزءاً من إستراتيجية أنقرة لتعزيز نفوذها في المنطقة، ورغم أنَّ هذه التحركات قد تُحقق مكاسب قصيرة الأمد لتركيا، إلا أنَّها قد تؤدي إلى تعقيد المشهد الإقليمي والدولي في ظل تداخل المصالح وتشابك التوازنات في المنطقة. وأكَّدت أنَّ نجاح تركيا في تنفيذ هذه الإستراتيجية سيعتمد بشكل كبير على قدرتها على بناء شراكة مستدامة مع دمشق وتجنب التصعيد مع الأطراف الإقليمية والدولية.
اقرأ أيضًا: سوريا.. بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية
دمج الفصائل المسلحة في الجيش السوري.. خطوة نحو المصالحة؟
من جانبه صرَّح الباحث السياسي منير أديب بأنَّ سوريا تشهد مرحلة انتقالية بالغة الأهمية، مع إعلان القيادة الجديدة عن خطوات غير مسبوقة لحل الفصائل المسلحة ودمجها في الجيش الوطني، وأوضح أنَّ هذه الخطوة تعكس رغبة القيادة الجديدة في إنهاء حالة الانقسام التي عانى منها الجيش السوري طوال السنوات الماضية، مؤكّدًا أنّ نجاحها يعتمد على تقديم ضمانات حقيقية للفصائل وإطلاق مصالحة وطنية شاملة تشمل مختلف الأطراف.
كما أشار أديب إلى أنَّ القوات الكردية، المتمثلة في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قد أُدرجت ضمن هذا الاتفاق، مع إلزامها بتسليم أسلحتها والانضواء تحت وزارة الدفاع السورية. وأضاف أنَّ هذه الخطوة تواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل رفض بعض الفصائل تسليم أسلحتها، ما يستدعي حواراً أوسع مع القوى المحلية والدولية.
التوغل الإسرائيلي في القنيطرة.. رسائل التصعيد والمخاطر
حول التوغل الإسرائيلي في منطقة القنيطرة جنوب سوريا، اعتبر أديب أنَّ الهدف منه هو محاولة منع أي تهديدات أمنية محتملة على حدودها، مشيرًا إلى أنّ الإنذارات التي أصدرتها إسرائيل لسكان المناطق الحدودية بتسليم أسلحتهم خلال 48 ساعة أظهرت توجهاً إسرائيلياً لتعزيز سيطرتها على المناطق المحاذية للجولان.
ورأى أديب أنَّ هذه التحركات قد تؤدي إلى تعقيد الوضع الميداني، خاصة إذا ما تداخلت مع جهود الجيش السوري لاستعادة السيطرة الكاملة على الجنوب، مؤكّدًا أنَّ المواجهة المباشرة بين القوات السورية والإسرائيلية ليست مستبعدة في ظل هذا التصعيد.
المفاوضات التركية-السورية.. شراكة أم نفوذ؟
أكَّد أديب أنّ الإعلان التركي عن نية بدء مفاوضات إعادة ترسيم الحدود البحرية في المتوسط مع سوريا يعكس مصالح إستراتيجية مشتركة بين دمشق وأنقرة، حيث تمهد تركيا لتعزيز نفوذها الإقليمي، فيما ترى سوريا فرصة لاستغلال هذه الشراكة لتحسين أوضاعها الاقتصادية.
وأشار إلى أنَّ التقارب التركي-السوري قد يُشكل نقطة تحول في العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر، مؤكّدًا أنَّ تركيا، التي كانت من أبرز داعمي المعارضة السورية، تبدو الآن أكثر استعداداً للعمل مع القيادة الجديدة في دمشق لتحقيق أهداف مشتركة، خاصةً فيما يتعلق بمحاربة التنظيمات المسلحة وحماية الحدود.
صراعات المصالح وتحديات الاستقرار
أوضح أديب أنَّ المشهد السوري لا يزال معقداً بسبب تناقض المصالح بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، وأكَّد أن الولايات المتحدة تواجه تحدياً كبيراً في إدارة علاقتها مع قوات سوريا الديمقراطية حليفتها في محاربة داعش، في ظل الضغوط التركية لإنهاء وجود هذه القوات على الحدود السورية.
وعلى صعيد آخر، أشار أديب إلى أنَّ إسرائيل وتركيا، رغم تناقض مصالحهما في بعض الملفات، فهما تتشاركان في منع تحوُّل سوريا إلى قاعدة تهدد أمنهما، مؤكّدًا أنَّ هذه الديناميكيات الإقليمية تجعل من الصعب تحقيق استقرار شامل دون توافق سياسي موسع.
واختتم منير أديب تصريحاته بالتأكيد على أنَّ سوريا تقف على أعتاب مرحلة جديدة، حيث تبدو القيادة الجديدة ملتزمة بتحقيق الاستقرار الداخلي واستعادة السيادة الوطنية، إلا أنّ نجاح هذه الجهود يعتمد على كيفية معالجة الملفات الحساسة؛ مثل دمج الفصائل، والتعامل مع القوى الدولية والإقليمية، وضمان استمرارية المصالحة الوطنية.
اقرأ أيضًا: هل ينجح مشروع مارشال في إنقاذ سوريا؟
اليونان وقبرص ترفضان اتفاق تركيا وسوريا البحري
أصدرت كل من اليونان وقبرص بيانات منفصلة أعربتا فيها عن رفضهما القاطع لأي اتفاق بحري محتمل بين تركيا وسوريا لترسيم حدود مناطقهما الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط. ووصفت الدولتان الاتفاق بأنَّه انتهاك للقانون الدولي ولحقوق قبرص السيادية، محذِّرتين من تداعياته على العلاقات الإقليمية.
وفي هذا السياق، أكَّد المتحدث باسم الحكومة القبرصية، كونستانتينوس ليتيمبيوتيس، أنَّ أيَّ اتفاق بحري بين تركيا وسوريا يجب أن يستند إلى القانون الدولي، خاصةً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، موضحًا أنَّ نيقوسيا تُراقب تطورات الأحداث من كثب وتعمل على تقييم الوضع بشكل مستمر.
وأشار إلى أنَّ رئيس قبرص، نيكوس كريستودوليديس، نسَّق مع رئيس وزراء اليونان لإطلاع قادة الاتحاد الأوروبي على التحركات التركية المحتملة، مؤكِّداً حصولهم على الدعم الأوروبي. كما شدد على أن قبرص ستتخذ جميع الإجراءات الممكنة على الصعيدين الدولي والأوروبي لحماية حقوقها السيادية.
ومن جانبها، وصفت وزارة الخارجية اليونانية الاتفاق المحتمل بين تركيا وسوريا بأنه “غير شرعي”، في حين اعتبرته وزارة الدفاع الوطني خطوة “غير ودية” ستؤثر سلباً على العلاقات بين أنقرة وأثينا. وقد أكَّدت اليونان أنها ترفض أي محاولة لتقويض القانون الدولي في البحر المتوسط، مشيرةً إلى أنَّ التحركات التركية تشكل تهديداً لاستقرار المنطقة.
في النهاية، يبدو أنَّ التحركات التركية الأخيرة، سواء على الصعيد البحري أو العسكري، ستثير جدلاً واسعاً وتوترات إضافية مع دول المنطقة. وفي الوقت نفسه، تواجه القيادة السورية الجديدة تحديات كبيرة في توحيد الصف الداخلي وإطلاق حوار شامل لضمان الاستقرار في البلاد.
موضوع ذو صلة: الطريق إلى إعادة بناء اقتصاد سوريا يبدأ بالعقوبات
