تُعدّ الآثار المدمّرة التي خلّفها إعصار دانيال في ليبيا، إلى جانب الأعاصير والعواصف التي سبقته في مناطق مختلفة من العالم، تذكيرًا صارخًا بأن الاحتباس الحراري العالمي لم يعد خطرًا نظريًا، بل عاملًا مباشرًا في تضخيم القوة التدميرية للكوارث الطبيعية، وفي مقدمتها الأعاصير والعواصف المدارية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد العالم تصاعدًا مقلقًا في وتيرة وشدة الكوارث الطبيعية، حيث برزت الأعاصير كواحدة من أكثر الظواهر المناخية تدميرًا من حيث الخسائر البشرية والاقتصادية. ووفقًا لعدة مؤشرات علمية ومناخية، يمكن وصف السنوات الأربع الماضية بأنها من بين الأكثر كارثية في التاريخ الحديث، إذ شهدت المحيطات عددًا غير مسبوق من الأعاصير، إلى درجة نفاد الحروف الأبجدية اللاتينية المستخدمة لتسميتها.
من الأعاصير العنيفة التي ضربت الولايات المتحدة ومنطقة البحر الكاريبي، إلى حرائق الغابات الواسعة في أمريكا الشمالية وأستراليا واليونان، مرورًا بالفيضانات المدمّرة في الهند ووسط أفريقيا، ارتفعت الخسائر الناجمة عن الظواهر المناخية المتطرفة بوتيرة غير مسبوقة، سواء على مستوى الأرواح أو البنية التحتية أو الاقتصادات الوطنية.
ومؤخرًا، جاء إعصار دانيال الذي اجتاح شرق ليبيا، مخلفًا آلاف الضحايا والمفقودين، ليشكّل دليلًا إضافيًا على العواقب الوخيمة لتغير المناخ والاحتباس الحراري العالمي، لا سيما في الدول ذات البنية التحتية الهشة والاستعداد المحدود لمواجهة الكوارث.
في هذا التقرير، نسلّط الضوء على الدور الذي يلعبه الاحتباس الحراري في تكثيف الأعاصير وزيادة حدتها، ونناقش كيف يسهم ارتفاع درجات حرارة المحيطات في تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة، وما يعنيه ذلك لمستقبل الكوارث الطبيعية حول العالم.
الأسس العلمية لنشوء العواصف الدوّامية الهائلة
قبل الخوض في العلاقة بين ظاهرة الاحتباس الحراري وتزايد شدة الأعاصير، من الضروري أولًا فهم الأسس العلمية التي تقوم عليها هذه العواصف العنيفة؛ فالأعاصير تُعدّ من أكثر الظواهر الجوية تطرفًا، وهي عواصف دوّامية هائلة تتشكّل فوق مياه المحيطات والبحار الدافئة، وتتميّز برياح شديدة السرعة، وأمطار غزيرة، وقدرة عالية على إحداث دمار واسع النطاق.
وتتسم عملية تشكّل الأعاصير بالتعقيد، إذ تعتمد على تداخل مجموعة من العوامل الجوية والمحيطية الأساسية، أبرزها ما يأتي:
مياه دافئة
تُعدّ مياه المحيط أو البحر الدافئة المصدر الرئيسي للطاقة التي تغذي الأعاصير، إذ يجب أن تبلغ درجة حرارة سطح المياه 26 درجة مئوية على الأقل لتمكين العاصفة من التطور؛ حيث توفر هذه المياه كميات كبيرة من الحرارة والرطوبة، ما يدفع الهواء الدافئ إلى الارتفاع ويعزز نمو النظام العاصفي.
عدم الاستقرار الجوي
تتشكل الأعاصير في مناطق يسود فيها عدم الاستقرار الجوي، حيث يرتفع الهواء الدافئ الرطب من سطح البحر إلى طبقات الجو العليا، مكوّناً منطقة ضغط منخفض، فيسمح هذا الوضع بتكاثر العواصف الرعدية التي تُعدّ الوحدات البنائية الأساسية لنشوء الإعصار.
أنظمة الضغط المنخفض
غالبًا ما يبدأ تشكّل الإعصار نتيجة اضطراب جوي أولي ينشأ عن أمواج استوائية أو أنظمة ضغط منخفض، تعمل كنواة أولى تتركز حولها كتل الهواء الدافئ الرطب الصاعد، ما يمهّد لبدء الدوران العاصفي.
تأثير كوريوليس
يلعب تأثير كوريوليس الناتج عن دوران الأرض دورًا حاسمًا في منح الإعصار حركته الدورانية؛ ففي نصف الكرة الشمالي تدور الأعاصير عكس اتجاه عقارب الساعة، بينما تدور باتجاه عقارب الساعة في نصف الكرة الجنوبي، وهو شرط أساسي لتطوّر الإعصار إلى نظام متكامل.
سرعة الرياح والتصنيف
عندما يستمر المنخفض الاستوائي في التعمّق، وتصل سرعة الرياح المستمرة إلى 63 كيلومترًا في الساعة، يُصنّف النظام حينها كعاصفة استوائية ويُمنح اسمًا رسميًا، أما إذا بلغت سرعة الرياح 119 كيلومترًا في الساعة أو أكثر فإن العاصفة ترتقي إلى إعصار مكتمل، حيث يصبح هيكلها أكثر وضوحًا مع تشكّل عين الإعصار في المركز، تحيط بها نطاقات كثيفة من العواصف الرعدية العنيفة.
تكثيف ونضج الإعصار
يمكن للإعصار أن يواصل اشتداده طالما ظل فوق مياه دافئة وتوافرت له ظروف جوية مواتية، وفي هذه المرحلة قد يتحول إلى إعصار شديد القوة، مصحوب برياح مدمّرة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والمناطق الساحلية.
الهبوط أو التبديد
ينتهي مسار الإعصار عادة بإحدى حالتين؛ إما الهبوط إلى اليابسة، حيث تتفاقم الخسائر البشرية والمادية، أو التبديد التدريجي عند انتقاله فوق مياه باردة أو دخوله بيئة جوية غير ملائمة لاستمراره.
ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم خضوع الأعاصير لنمط تشكّل عام، فإن سلوك كل إعصار ومساره وحدّته قد تختلف بدرجة كبيرة، لهذا يعتمد علماء الأرصاد الجوية على نماذج مناخية وأدوات تنبؤ متقدمة لرصد الأعاصير وتتبع مساراتها، في محاولة للحد من آثارها وحماية السكان في المناطق المعرّضة للخطر.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية نتيجة الأنشطة البشرية، باتت العلاقة بين تغير المناخ وتفاقم الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الأعاصير، أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، وفقًا لتقارير دولية، من بينها وكالة رويترز.
اقرأ أيضًا: خسائر الكوارث الطبيعية عالميًا تبلغ 131 مليار دولار في النصف الأول من 2025
الاحتباس الحراري ودوره في نشأة الإعصار
يُعدّ الاحتباس الحراري العالمي، الناتج في المقام الأول عن انبعاث الغازات الدفيئة -وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون- بفعل الأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، العامل الأساسي وراء الارتفاع المستمر في متوسط درجة حرارة الأرض، ولا يقتصر تأثير هذا الارتفاع على التغيرات المناخية العامة، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في تكوّن الأعاصير وحدّتها وسلوكها.
فمع ازدياد حرارة الكوكب، ترتفع كذلك درجات حرارة البحار والمحيطات، ما يوفر للأعاصير مخزونًا أكبر من الطاقة الحرارية؛ حيث تعمل المياه الأكثر دفئًا كوقود فعّال يغذي العواصف، ويسمح لها بالتكثيف بوتيرة أسرع والوصول إلى سرعات رياح أعلى مقارنة بالمعدلات التاريخية.
كما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر من أسطح المحيطات، وهو ما يرفع كمية بخار الماء في الغلاف الجوي، وتمنح هذه الرطوبة الإضافية الأعاصير بيئة مثالية للنمو والتوسع، وتعزز قدرتها على إنتاج هطولات مطرية غزيرة تزيد من احتمالات الفيضانات والانهيارات الأرضية المصاحبة.
وفي سياق متصل، يسهم الاحتباس الحراري في ذوبان الصفائح والقمم الجليدية القطبية، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يزيد من آثار العواصف المدارية، لا سيما ما يُعرف بالعواصف البحرية وارتفاع منسوب المياه غير الطبيعي المصاحب للأعاصير، الأمر الذي يزيد من شدة الفيضانات والأضرار التي تلحق بالمناطق الساحلية والبنى التحتية القريبة من الشواطئ.
إلى جانب ذلك، تؤدي التغيرات في أنماط الرياح العالمية واضطراب دوران الغلاف الجوي الناتج عن الاحتباس الحراري إلى التأثير في مسارات الأعاصير وسلوكها، وهذا يزيد من تعقيد عملية التنبؤ بمسار العواصف بدقة، ما يرفع مستوى المخاطر ويُعرّض مناطق جديدة لمخاطر الأعاصير التي لم تكن تاريخيًا ضمن نطاقها المعتاد.
وبذلك، لم يعد الاحتباس الحراري مجرد عامل مساهم في تغير المناخ، بل أصبح محركًا رئيسيًا لتصاعد شدة الأعاصير واتساع نطاق تأثيرها الجغرافي، بما يحمله ذلك من تبعات إنسانية واقتصادية متزايدة.
اقرأ أيضًا: إعصار ليبيا .. كارثة إنسانية ضحاياها بالآلاف