إغلاق مضيق هرمز.. زلزال اقتصادي يهدد الأسواق
الحديث المتجدد عن إغلاق مضيق هرمز يحمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية عميقة، لا تقتصر على الأطراف الإقليمية مثل إيران ودول الخليج، بل تمتد تأثيراته إلى الاقتصاد العالمي بأسره، لما يشكله الممر البحري من أهمية محورية في حركة الطاقة والتجارة الدولية.
وفي هذا الشأن، قال الباحث الاقتصادي محمد محمود عبد الرحيم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي التشريعات، إنَّ النقل البحري لا يزال الوسيلة الأهم والأقل تكلفة في التجارة العالمية، مشيرًا إلى أن مضيق هرمز يُعد من أهم الممرات البحرية عالميًا، ويشكّل محور صراع مستمر للهيمنة بين إيران والدول الخليجية، رغم أن الطرفين يعتمدان عليه لتصدير النفط والغاز.
ويرى عبد الرحيم أنَّ دول الخليج تنقصها القدرة البحرية المطلقة التي تمكنها من فرض سيطرتها الكاملة على المضيق، خاصة مع التفوق الجغرافي لإيران التي تسيطر على الساحل الشمالي للممر، عبر محافظة هرمزجان، في حين أن الممر البحري العربي الوحيد يتبع محافظة مسندم العمانية، المنفصلة جغرافيًا عن باقي أراضي السلطنة، مما يحدّ من القدرة الخليجية على حماية الملاحة.
خيارات بديلة محدودة لا تغني عن المضيق
أمام هذه التحديات، لجأت دول مثل السعودية والإمارات إلى إنشاء ممرات لوجستية بديلة تخفف من اعتمادها على المضيق؛ ففي السعودية تم إنشاء خط أنابيب يربط بين الحقول النفطية والبحر الأحمر، بينما طوّرت الإمارات خط “حبشان – الفجيرة” لتصدير النفط مباشرة عبر بحر عمان، متجاوزة مضيق هرمز.
وقد شدَّد عبد الرحيم على أن هذه البدائل، على الرغم من أهميتها، تبقى مكملة لا بديلة حقيقية، نظرًا لحجم كميات النفط والغاز التي تمر يوميًا عبر المضيق، والذي يبقى شريانًا استراتيجيًا يصعب الاستغناء عنه في المدى المنظور.
وفيما يخص التهديدات الإيرانية الأخيرة بإغلاق المضيق، رأى عبد الرحيم أنها تمثّل أداة ضغط سياسي، لكنها لا تخدم مصالح طهران الاقتصادية على المدى الطويل؛ فإيران نفسها تصدّر عبر المضيق حوالي 1.7 مليون برميل يوميًا، معظمها إلى الصين بأسعار تفضيلية، بهدف توفير احتياطي نقدي يعينها على مواجهة العقوبات، لهذا فإن الإغلاق الكامل سيُفقدها مصدرًا حيويًا للدخل، ويُعرّض اقتصادها لضغوط خانقة، ما يجعل الإغلاق الجزئي أو الرمزي سيناريو أقرب للواقع.
اقرأ أيضًا: مضيق هرمز تحت الضغط مجددًا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط
تأثيرات فورية وخطيرة
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي، الدكتور مصطفى أبو زيد، سيناريو إغلاق مضيق هرمز بأنه “زلزال اقتصادي عالمي”، مبينًا أنَّ إغلاق المضيق سيؤدي مباشرة إلى تعطّل حركة النفط والغاز، وارتفاع فوري في تكلفة التأمين على الناقلات.
كما لفت أبو زيد إلى أن البدائل المتاحة، رغم وجودها بشكل حي، إلا أنها قاصرة عن التعويض الكامل عن الموقع الاستراتيجي للمضيق، فخط أنابيب السعودية ينقل بين 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، وخط الإمارات بين 1.5 إلى 2 مليون برميل، وهو ما يُعد رقمًا متواضعًا مقارنة بالكميات الهائلة التي تمر عبر المضيق يوميًا.
وأشار أبو زيد إلى أن العديد من دول الخليج مثل العراق والكويت وقطر تعتمد اعتماداً شبه كلي على المضيق، سواء في التصدير أو في الاستيراد، مضيفاً أنَّ اتهام طهران بإغلاق المضيق انتحار اقتصادي، لا يقرّه منطق التجارة ولا منطق الجغرافيا السياسية.
جهود لتقليل الاعتماد على المضيق.. لكنها غير كافية
مع تصاعد التوترات، تشهد المنطقة بحثاً حول إمكانية تطوير خطوط النفط والغاز، خاصة أن الدول الخليجية بدأت تتجه نحو بناء بنى تحتية متوازية للحد من الاعتماد على مضيق هرمز. لكن أبو زيد يرى أن هذه الخيارات، رغم أهميتها، لا تزال ناقصة وغير مثبتة القدرة على النمو خلال سنوات قليلة إلى المستوى الذي يمكن الاستغناء عن المضيق.
ويضيف أنَّ أي تعطيل للمضيق، جزئياً أم كلياً، أثناء أزمات دولية ومستجدات عسكرية، سيؤدي إلى سلسلة تفجيرات في الأسواق العالمية، تشمل خطط النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار المستهلك والطاقة، واضطرابات في سلاسل التوريد، ثم ارتفاع التضخم مجدداً، مما يعبث بجهود البنوك المركزية في العالم، والتي بذلت سنوات لمواجهة الآثار التضخمية عقب أزمات كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا.
اقرأ أيضًا: محطة جاسك.. ورقة إيران الجيوسياسية لتجاوز مضيق هرمز
مضيق هرمز: شريان حيوي للطاقة العالمية
من جهتها، أكدت الدكتورة منال العشري، أستاذ الاقتصاد، أن مضيق هرمز يمثل ما يقارب 20% من الطلب العالمي على الطاقة، إذ تمر عبره يوميًا ما بين 18 إلى 20 مليون برميل نفط، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وأوضحت العشري أن الاقتصادات الأوروبية والآسيوية ستكون الأكثر تضررًا في حال توقف الملاحة، لا سيما ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد على المضيق لتأمين أكثر من 80% من وارداتها الطاقية. وأشارت إلى أن هذه الدول قد تضطر إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية مباشرة على إيران، لردعها عن الإضرار بحرية الملاحة.
وأضافت أن التوترات الأخيرة انعكست بالفعل على أسعار النفط العالمية، التي بدأت بالصعود منذ منتصف يونيو، بسبب التصعيد العسكري المتزايد والتهديدات المتكررة بشأن المضيق. وأضافت أن أوروبا تحاول الانتقال إلى الغاز الطبيعي البديل، لكنها تواجه تحديات طولية، ما يعني أن أزمة الغاز الأوروبي قد تتفاقم إن توقفت التدفقات القطرية بسبب إغلاق المضيق.
إغلاق المضيق قرار سياسي محفوف بالمخاطر
اجتمعت آراء الخبراء الثلاثة على أنَّ ما شهدته طهران مؤخرًا من موافقة البرلمان على مشروع قرارٍ بإغلاق المضيق لا يزال قيد المراجعة، في انتظار إقفال شكلي من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي، غير أنَّ هذه الموافقة مجرد مؤشر مؤسسي لا يعني التنفيذ، وقد جاء في سياق معادلة الرد الإيراني بعد ضرب منشآتها النووية.
وفي السياق ذاته، أوضح عبد الرحيم أنَّ التصعيد الحالي يعيد أجواء التوتر وعدم الاستقرار إلى المنطقة، بعد أن كانت قد بدأت تشهد بعض الهدوء نتيجة الجهود الدبلوماسية والاقتصادية المبذولة خلال الفترة الماضية، ولفت إلى أن استمرار التصعيد قد يجر المنطقة إلى دوامة جديدة من الأزمات، مشددًا على ضرورة احتوائه من خلال الحوار والمفاوضات، وهو الموقف الذي دعت إليه مصر مرارًا كخيار وحيد لتحقيق الاستقرار.
اختبارات قاسية للاقتصاد العالمي
أوضح أبو زيد أن التحدي الأكبر يتمثل في إبقاء سلاسل الإمداد العالمية مستمرة، والتعامل مع ارتفاع الأسعار ضمن أدوات الاقتصاد العالمي، وهو ما قد يدفع باتجاه تسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة، لكن التحوّل الذي نحتاجه يتطلب استثماراً ووقوداً وزمنًا.
أما الدكتورة العشري، فاختتمت مداخلتها بالتأكيد على أن الحلول تكمن في الدبلوماسية الاقتصادية وإعادة رسم ممرات تجارية آمنة تأخذ بعين الاعتبار هشاشة الموقع الجغرافي، ليس فقط على مستوى الطاقة، بل أيضًا على مستوى الأمن الإقليمي.
وفي النهاية، اتفق الخبراء على أنَّ خطر إغلاق مضيق هرمز لا يزال أشبه برقعة تُحَلَّل آثارها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية قبل الجغرافية، ومهما تأخرت الأزمة فإن تردّي مناخ التجارة الحرة والاعتماد على طرق تقليدية قد يُعيدنا إلى حقبة الصراع الاستراتيجي.
وفي ظل هذه التطورات، تظل الدعوة موجهة إلى القوى العالمية لصياغة حلول عملية عادلة وآمنة، تعمل على حماية المضيق بدلاً من تهديده، لأن الاقتصاد العالمي غير مستعد لهذه الاختبارات الساخنة مجدداً.
قد يهمّك أيضًا: إغلاق مضيق هرمز يهدد أمن الطاقة العالمي