شهدت الساعات الماضية تحولًا دراماتيكيًا في ملف أمن الملاحة الدولية، حيث تراجعت السلطات الإيرانية عن قرارها بفتح مضيق هرمز بالكامل بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على إعلانه، مما أعاد حالة التوتر إلى الأسواق العالمية والممرات المائية.
وجاء هذا القرار المفاجئ ردًا على ما وصفته طهران بعدم التزام واشنطن بضمان حرية حركة السفن والملاحة المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، ما جعل الإعلان السابق عن فتح المضيق مجرد إجراء شكلي لم يغير من الواقع الميداني الذي اتسم ببقاء المضيق شبه مغلق أمام حركة الملاحة الكثيفة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، سجلت أسواق الطاقة ردود فعل سريعة مع تذبذب القرارات، حيث هبط سعر برميل النفط بنسبة تقارب 10٪ ليصل إلى 89 دولارًا فور الإعلان الأول عن الانفراجة، قبل أن تعاود الشكوك السيطرة على المشهد مع عودة معظم السفن أدراجها وتجنب العبور.
تتفاعل الأسواق بارتياب مع زخم التصريحات المتضاربة لتعكس حالة القلق من دخول الاقتصاد العالمي في نفق الركود وأزمات الطاقة، خاصة في ظل استمرار الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية، وهو الأمر الذي أكد الرئيس الأمريكي استمراره رغم التفاؤل الحذر الذي أبداه في البداية بوصفه لفتح المضيق بـ”اليوم العظيم والمشرق”.
عودة لهجة التصعيد
في سياق التصعيد السياسي، برزت تهديدات متبادلة رفعت من سقف التوقعات بحدوث مواجهة عسكرية قريبة، حيث لوح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن المضيق لن يبقى مفتوحاً طالما استمر الحصار البحري، وفي المقابل وضع الجانب الأمريكي مهلة زمنية تنتهي يوم الأربعاء المقبل للتوصل إلى اتفاق نهائي، مهددًا بالعودة إلى خيار القصف الجوي في حال فشل المفاوضات.
وتتزايد التعقيدات الدبلوماسية مع إبلاغ طهران للوسيط الباكستاني برفضها إجراء جولة ثانية من المحادثات، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تبدأ من استمرار حالة القوة القاهرة وتنتهي باحتمالية اندلاع مواجهة شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية لسنوات طويلة.
وفي قراءة تحليلية لهذه التطورات، أكد الدكتور محمد خيري، خبير العلاقات الدولية، أنّ إعلان إيران إعادة إغلاق مضيق هرمز يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة في سياق التوتر المتصاعد بينها وبين الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تأتي كرد مباشر على الضغوط والحصار الأمريكي، وما يترتب عليه من تقييد لحركة الملاحة المرتبطة بإيران.
إغلاق مضيق هرمز ماذا يعني؟
أوضح خيري أن طهران تهدف من خلال هذا القرار إلى توظيف المضيق كورقة ضغط استراتيجية، في ظل أهميته الحيوية للتجارة العالمية، مؤكدًا أن السيطرة عليه تمنح إيران قدرة مؤثرة على التأثير في مسارات الطاقة والاقتصاد الدولي، وهو ما يفسر توقيت هذا التصعيد في ظل تعثر المفاوضات بين الطرفين.
وأشار إلى أن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة تمر بمرحلة معقدة، تتسم بغياب أرضية تفاوضية واضحة، مع استمرار التباينات الحادة والتصريحات المتناقضة، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق في المدى القريب محدودة للغاية.
وأضاف الدكتور خيري: “خطوة إغلاق مضيق هرمز لا يمكن قراءتها فقط في إطار التصعيد العسكري، بل يجب فهمها أيضًا كرسالة ردع سياسية تهدف إلى رفع كلفة الضغوط الأمريكية، وربما الدفع نحو إعادة تشكيل قواعد التفاوض”.
وفي سياق متصل، أوضح أن هذا الإجراء قد لا يعني بالضرورة “إغلاقًا تقليديًا كاملاً”، لكنه قد يتخذ أشكالًا غير مباشرة، مثل فرض قيود على حركة السفن، أو التلويح بإجراءات أمنية كزرع الألغام أو التهديد باستخدام الصواريخ الساحلية.
اقرأ أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
التصريحات المتضاربة من إيران وأمريكا
لفت خيري إلى وجود ازدواجية واضحة في الخطاب الإيراني، حيث تهدف الجهات الدبلوماسية إلى طمأنة المجتمع الدولي بشأن استقرار الملاحة، في حين يتبنى الحرس الثوري خطابًا أكثر حدة، يركز على فرض السيطرة وإبراز القدرة على التصعيد، معتبرًا أن هذا التباين يعكس توزيعًا للأدوار بين مؤسسات الدولة.
وأضاف أنَّ التصريحات المتضاربة من الجانبين الإيراني والأمريكي لا تعكس بالضرورة حالة فوضى، بل قد تكون جزءًا من تكتيك تفاوضي متعمد يهدف إلى إرباك الطرف الآخر وخلق حالة من الغموض حول النوايا والخطوط الحمراء.
كما أنّه أشار إلى أن إيران تحاول توسيع نطاق أوراق الضغط من خلال ربط ملف مضيق هرمز بملفات إقليمية أخرى، مثل الساحة اللبنانية، في إطار استراتيجية تقوم على استخدام هذه الملفات لتحقيق مكاسب تفاوضية وتعزيز موقعها في أي تسوية محتملة.
واختتم خيري تصريحه بالتأكيد على أن ما يجري حاليًا يعكس صراع إرادات واضح بين الطرفين، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية والسياسية، في حين تعمل إيران على رفع كلفة هذه الضغوط عبر أدوات متعددة، محذرًا من أن استمرار هذا النهج التصعيدي قد يؤدي إلى مزيد من التوتر ويقلل من فرص الوصول إلى حلول دبلوماسية في المستقبل القريب.
استراتيجية الحصار المضاد
اتفق الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، مع خيري في رأيه، مؤكدًا على أنّ لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز يعكس استخدامًا مباشرًا لإحدى أقوى أوراقها الاستراتيجية، وأِشار إلى أن هذا التطور يضع الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي في كيفية إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وأوضح عناني أن التقديرات داخل دوائر صنع القرار الأمريكي تشير إلى أن واشنطن تميل إلى تبني ما وصفه بـ”الحصار المضاد” كخيار طويل المدى، بهدف تقويض فعالية التحرك الإيراني، لافتًا إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على استنزاف القدرات الاقتصادية لطهران، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على عائدات النفط لتمويل مؤسساتها وأنشطتها، وعلى رأسها الحرس الثوري.
وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تراهن على أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيُجبر إيران في نهاية المطاف على تقديم تنازلات، إلا أن طهران في المقابل تعتمد على حسابات مختلفة، إذ ترى أن عامل الوقت قد يعمل لصالحها، وأن الضغوط الاقتصادية العالمية، إلى جانب تأثير الأزمة على المستهلك الأمريكي، قد تدفع واشنطن إلى التراجع.
وأضاف أن هذا التباين في الرؤى يعكس حالة من “حرب الإرادات”، على حدّ تعبيره، حيث يعتقد كل طرف أن بإمكانه الصمود لفترة أطول من الآخر، وهو ما يعقّد المسار التفاوضي ويجعل الوصول إلى تسوية سريعة أمرًا غير مرجح في الوقت الحالي.
اقرأ أيضًا: حصار هرمز يشعل أسواق النفط.. صدمة عالمية تهدد بركود تضخمي
انتخابات التجديد النصفي تضغط على ترامب
في المقابل، لفت عناني إلى أن العامل الداخلي في الولايات المتحدة يلعب دورًا مُهَمًا في تشكيل القرار السياسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات؛ حيث بدأ المواطن الأمريكي يشعر بتداعيات الأزمة على مستوى المعيشة، وهو ما قد يشكل ضغطًا متزايدًا على الإدارة الأمريكية.
وأكد أن الرئيس دونالد ترامب، رغم استمراره في التصريحات العلنية التي تؤكد تحقيق الانتصار والتقليل من حجم الأزمة، إلا أن حساباته الفعلية قد تكون أكثر حذرًا، خاصة في ظل إدراكه لحساسية المرحلة الانتخابية، ووجود قضايا داخلية أخرى تشغل الناخبين مثل الاقتصاد والهجرة.
وقال عناني إن “الإدارة الأمريكية تعتقد أن لديها هامشًا زمنيًا يسمح باستمرار هذا النهج خلال الأشهر المقبلة، لكنّ هذا التقدير قد يصطدم بواقع الضغوط السياسية الداخلية، خاصة من جانب الكونغرس”.
لكنّه أشار في الوقت ذاته إلى أن أعضاء الكونغرس، بحكم ارتباطهم المباشر بالناخبين، يبدون قلقًا أكبر من تداعيات استمرار الأزمة، وهو ما يدفعهم للضغط نحو التوصل إلى تسوية سريعة، لافتًا إلى أن بعض أعضاء الحزب الجمهوري أبدوا تحفظهم على منح تفويض بتمديد العمليات العسكرية لأكثر من ستين يومًا.
واختتم عناني تصريحه بالتأكيد على أن المشهد الحالي يتسم بحالة من التوازن الحذر بين الضغوط الخارجية والحسابات الداخلية، مشيرًا إلى أن الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو التصعيد أو التهدئة، وفقًا لقدرة كل طرف على تحمل كلفة هذا الصراع.
قد يهمّك أيضًا: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة