باتت أوروبا تواجه واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية في العقود الأخيرة، إذ إنّها تشهد موجة غير مسبوقة من إفلاس الشركات الأوروبية بسبب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام، ولم تقتصر هذه الأزمات على الدول الصغيرة أو الأسواق الناشئة فحسب، وإنّما ضربت بقوة في قلب القارة. وفي هذا السياق، سجلت ألمانيا والنمسا وبريطانيا أرقامًا قياسية في عدد الشركات المفلسة، مما يعكس عمق التحديات الاقتصادية التي تواجهها أوروبا.
إحصائيات الشركات المفلسة
وفقًا لمكتب إحصائيات الاتحاد الأوروبي “يوروستات”، ارتفع عدد الشركات التي تقدمت بطلبات إفلاس في الربع الثاني من العام 2024 بنسبة 8.4% مقارنة بالربع الأول، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ عام 2015، وفي المقابل تراجعت تسجيلات الشركات الجديدة بنسبة 0.6%.
كما تشير التقارير إلى أنَّ أكثر من 1400 شركة في ألمانيا قد أعلنت إفلاسها حتى يوليو 2023، ومن المتوقع أن يصل عدد الشركات المفلسة إلى نحو 20 ألف شركة في نهاية العام، أما في النمسا فقد أعلنت حوالي 3300 شركة إفلاسها في النصف الأول من العام، وهو أعلى عدد منذ 15 عامًا.
وعلى جانب آخر، تواجه بريطانيا مشكلة إفلاس نحو 47 ألف شركة، بينما تتوقع اليابان إفلاس 10 آلاف شركة، أما كندا فقد سجلت إفلاس حوالي 400 شركة يوميًا في الربع الثاني من عام 2024.
اقرأ أيضًا: تراجع استثمارات الشركات الأوروبية في إسرائيل بسبب حرب غزة
القطاعات الأكثر تضرراً
تأثرت العديد من القطاعات سلبًا جراء الأزمات الاقتصادية المتتالية، وعلى رأسها قطاع الطاقة الذي شهد زيادات كبيرة في أسعار الغاز والنفط، كما تأثرت صناعة السيارات التي تعتمد على المعادن مثل النيكل والألومنيوم، حيث شهدت ارتفاعات ملحوظة في أسعارها.
بالإضافة إلى ذلك، تضررت صناعة الأغذية بسبب نقص الحبوب والزيوت النباتية، ما أدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، علمًا أنّ الشركات الصغيرة والمتوسطة كانت الأكثر عرضة للإفلاس نظرًا لهوامش الربح المحدودة وندرة القدرة على تحمل الصدمات الاقتصادية.
ألمانيا تشهد معدلات إفلاس مرتفعة
شهدت ألمانيا في شهر مايو الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في حالات إفلاس الشركات، حيث اقتربت الأرقام من أعلى مستوياتها خلال السبع سنوات الماضية، وذلك نتيجة للضغوطات التي يواجهها الاقتصاد الألماني في ظل تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
ووفقاً للبيانات التي نشرها مكتب الإحصاءات الفيدرالي، تمَّ تسجيل 1934 حالة إفلاس لشركات ألمانية في مايو، بزيادة نسبتها 30.9% مقارنة مع نفس الشهر من العام السابق، ما يجعل هذه الأرقام في أعلى مستوى لها منذ عام 2017.
بالإضافة إلى ذلك، قدرت الدوائر القضائية المحلية أنَّ إجمالي حقوق الدائنين في حالات الإفلاس خلال مايو قد بلغ حوالي 3.4 مليار يورو. كما أظهرت البيانات الأولية التي نشرها المكتب زيادة في حالات الإفلاس بنسبة 13.5% على أساس سنوي في يوليو، بينما بلغت الزيادة 6.3% في يونيو من نفس العام.
من جهتها، أكدت رابطة الغرف التجارية الألمانية في بيان لها أن معدَّلات الإفلاس في تزايد مستمر، وأنَّها تتوقع أن يتجاوز إجمالي عدد حالات الإفلاس 20 ألف حالة لأول مرة منذ عام 2017.
وأشارت الرابطة إلى أنَّ الشركات الألمانية بحاجة مُلِحَّة لتخفيف أعباء تكاليف الطاقة والضرائب، وتقليص البيروقراطية، إلى جانب تسريع إجراءات الموافقة على آليات تخطيط تساهم في خلق بيئة تدعم نجاح الشركات.
الآثار المترتبة على إفلاس الشركات الأوروبية
أدى إفلاس آلاف الشركات الأوروبية إلى تأثيرات اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ منها زيادة معدلات البطالة نتيجة فقدان الوظائف، وتباطؤ النمو الاقتصادي بسبب انخفاض الإنتاج والاستثمار، فضلًا عن الضغوط المالية المتزايدة التي تواجهها الحكومات بسبب حاجة الشركات المتضررة إلى الدعم، الأمر الذي من شأنه أن يزيد حجم الديون الحكومية.
ومن ناحية أخرى، كانت الأزمة المالية كفيلة بأن تدفع الشركات إلى إعادة تقييم سلاسل الإمداد الخاصة بها، والبحث عن مصادر بديلة للمواد الخام والطاقة، كما أنّها شجّعت الحكومات الأوروبية على إيجاد بدائل مستدامة لمصادر الطاقة والمواد الخام، مع اتخاذ إجراءات لدعم الشركات المتضررة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، إلا أنّ هذه الإجراءات ستزيد من التنافس على التكنولوجيا والموارد المتجددة، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.
كما أنّ انخفاض الطلب على النفط والغاز سيؤثر سلبًا على اقتصادات الدول المصدرة للطاقة، بينما قد تؤدي الزيادات في أسعار المعادن النادرة المستخدمة في التكنولوجيا الخضراء إلى موجات تضخم جديدة على مستوى العالم. بالإضافة إلى بطء تكيُّف الدول النامية مع هذه التحولات الاقتصادية، الأمر الذي قد يزيد معدّلات البطالة والفقر ويؤدي إلى مزيد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية.
اقرأ أيضًا: موافقة الاتحاد الأوروبي شرط لاستحواذ كوالكوم على Autotalks
العقوبات على روسيا تضرب قلب الصناعة الأوروبية
تعتمد الصناعات الأوروبية، لا سيَّما الألمانية، بشكل كبير على الغاز الطبيعي الروسي لتشغيل المصانع وتوليد الكهرباء، ومع فرض العقوبات الغربية على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية تراجعت إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز وزيادة تكاليف الإنتاج، الأمر الذي قلل من قدرة الشركات على المنافسة.
وقد تسببت الحرب الروسية الأوكرانية أيضًا في تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا أنَّ كلتا الدولتين كانتا مصدرين رئيسين للعديد من المواد الأساسية مثل الحبوب والمعادن والطاقة.
أضف إلى ذلك، أدت العقوبات المفروضة على روسيا إلى زيادة تكاليف الشحن وتأخير وصول البضائع، مما ضغط على الشركات، كما ارتفعت أسعار الطاقة والمواد الخام، مما أسهم في زيادة التضخم في العديد من دول أوروبا، وتقليص القوة الشرائية للمستهلكين، الأمر الذي أدى إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات وانخفاض الأرباح وزيادة الأزمات المالية.
عوامل ارتفاع نسبة إفلاس الشركات الأوروبية
أدت الحرب في أوكرانيا إلى تأثيرات اقتصادية عميقة على مستوى العالم، فقد تسببت في اضطرابات هائلة في سلاسل الإمداد العالمية، وزيادة كبيرة في أسعار الطاقة والمواد الخام، مما أدى إلى انهيار العديد من الشركات الأوروبية، خاصة في ألمانيا التي كانت الأكثر تأثراً بالأزمة.
ومن ناحية أخرى، كشف تقرير حديث عن تباطؤ الأنشطة التجارية الجديدة في أوروبا نتيجة استمرار دعم الإدارة الأميركية للتكنولوجيا الخضراء، مما دفع الاستثمارات بعيدًا عن القارة الأوروبية. كما ارتبطت زيادة نسبة إفلاس الشركات الأوروبية بشكل رئيس بارتفاع الأسعار ونقص التمويل بعد الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن الزيادات الحادة في أسعار الفائدة التي أدت إلى الركود في العديد من الاقتصادات.
وعمومًا، هناك العديد من المؤشرات التي توضح تراجع الاستثمارات داخل أوروبا، من ارتفاع الأسعار وضعف الطلب إلى تراجع الاستثمارات؛ حيث أعلنت العديد من الشركات الكبرى مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو وسيمنس عن نيتها نقل المزيد من أنشطتها إلى الخارج، خاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
كما تم الإعلان عن مشكلات مالية لدى العديد من الشركات المتوسطة والصغيرة، مما أدى إلى إفلاس بعضها، وعلى سبيل المثال، وصل عدد الشركات المفلسة في نوفمبر 2023 في ألمانيا وحدها إلى أكثر من 1500 شركة.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد العالمي.. أزمات متلاحقة
جائحة كورونا
من جانبه أوضح الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن هناك عدة عوامل رئيسة أسهمت في زيادة معدلات إفلاس الشركات في أوروبا في الفترة الأخيرة، وقال: “تقع تبعات جائحة كورونا في مقدمة الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، حيث تسببت الأزمة الصحية العالمية في تعطيل سلاسل التوريد وتقليص الطلب على العديد من السلع والخدمات؛ مما جعل العديد من الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تواجه صعوبات جمَّة، فلم تتمكن من التعافي بشكل كامل”.
أزمة الغاز والنفط
أشار سلامة في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إلى أنَّ ارتفاع تكاليف الطاقة بسبب أزمة الغاز والنفط الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية كان له تأثير بالغ على الشركات الصناعية في أوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة في عملياتها الإنتاجية، مما أدى إلى تضخم التكاليف وانخفاض هوامش الربح.
التضخم ورفع أسعار الفائدة
أوضح الخبير الاقتصادي أنّ “الاتحاد الأوروبي يشهد ارتفاعًا في معدلات التضخم، مما أدى إلى زيادة الأسعار وضغط على القوة الشرائية للمستهلكين. هذا الوضع، إلى جانب رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية لمحاربة التضخم، وضع عبئًا إضافيًا على الشركات التي تعتمد على التمويل من خلال القروض”.
نقص العمالة الماهرة
نوَّه سلامة إلى أنَّ نقص العمالة الماهرة في بعض الدول الأوروبية أثَّر بدوره على استدامة العديد من الشركات، حيث أصبح من الصعب جذب وتوظيف الكوادر اللازمة لتلبية احتياجات الإنتاج، وهو ما أدى إلى تعطل بعض العمليات التشغيلية.
التحدّيات البيئية
قال الخبير إنّ الحكومات الأوروبية تفرض قوانين صارمة بشأن تقليل الانبعاثات الكربونية والتحوُّل إلى الطاقة النظيفة، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة من الشركات، خاصة في ظل ضعف السيولة المالية للكثير من الشركات الصغيرة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادات في التكاليف.
المنافسة العالمية
أوضح الخبير الاقتصادي أنّ الشركات الأوروبية تواجه منافسة شديدة من الأسواق الناشئة التي تقدم سلعًا بأسعار أقل، مما يجعل الشركات الأوروبية عاجزة عن التكيُّف في ظل تكاليف الإنتاج المرتفعة، ما يزيد من ضغوط الإفلاس.
وأكد الدكتور عمرو سلامة في ختام تصريحاته أنه “لا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة على المستوى الحكومي لدعم الشركات؛ مثل تقديم حوافز مالية، وتقليل الضرائب، وتسهيل الوصول إلى التمويل، خاصةً للشركات الصغيرة والمتوسطة، وذلك بهدف الحفاظ على استقرار الاقتصاد الأوروبي”.