كشفت تقارير صادرة عن “مرصد الذهب” و”آي صاغة” أن أسواق الذهب العالمية تعيش حالة من الترقب الحذر، في ظل تصاعد احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية واستمرار الضغوط التضخمية عالميًا، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على أسواق الطاقة وحركة رؤوس الأموال العالمية.
وأوضح تقرير”مرصد الذهب” أن أسعار الذهب العالمية تعرضت لتراجعات ملحوظة خلال تعاملات الأسبوع الماضي تحت ضغط ارتفاع الدولار الأمريكي وصعود عوائد السندات الأمريكية، بالتزامن مع تزايد التوقعات باتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا خلال النصف الثاني من العام الجاري.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير “آي صاغة” إلى أن الأسواق العالمية أصبحت تتحرك في معادلة معقدة، إذ يستفيد الذهب من استمرار معدلات التضخم المرتفعة عالميًا وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، بينما تضغط توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع عوائد السندات على المعدن النفيس باعتباره أصلًا غير مدر للعائد.
استمرار الضغوط المرتبطة بقوة الدولار
قال الدكتور وليد فاروق، الباحث في شؤون الذهب، إن أسعار الذهب عالميًا فقدت نحو 31 دولارًا للأوقية خلال أسبوع واحد نتيجة استمرار الضغوط المرتبطة بقوة الدولار وارتفاع عوائد أدوات الدين الأمريكية، وهو ما أدى إلى تراجع جاذبية الذهب لصالح السندات والأصول مرتفعة العائد.
وأكد فاروق أن الأسواق العالمية أصبحت شديدة الحساسية تجاه أي بيانات أو تصريحات تصدر عن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خاصة في ظل استمرار معدلات التضخم المرتفعة عالميًا، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح تقرير آي صاغة أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة ارتفع إلى 3.8% خلال أبريل 2026، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2023، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، مشيرًا إلى أن الأسواق باتت تسعر احتمالات متزايدة لقيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
ومن جانبه، أكد المهندس سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، أن حالة الاستقرار الحالية تعكس ما وصفه بـ”مرحلة انتظار واستكشاف” داخل الأسواق، في ظل توازن دقيق بين العوامل الداعمة للذهب والعوامل الضاغطة عليه، لافتًا إلى أن تحركات المعدن النفيس ما تزال تتحرك في نطاقات محدودة وسط ترقب واسع لقرارات السياسة النقدية الأمريكية.
وأضاف إمبابي أن الأسواق تضع حاليًا احتمالًا بنسبة 55% لرفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب عالميًا ويدفع المستثمرين نحو أدوات الدين مرتفعة العائد.
تأثيرات السياسة النقدية الأمريكية
أشار تقرير مرصد الذهب إلى أن تأثيرات السياسة النقدية الأمريكية لا تتوقف عند حدود الأسواق المالية، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الاقتصادات الناشئة عبر تسارع وتيرة خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على أسعار الصرف واحتياطيات النقد الأجنبي.
وفي هذا السياق، أكد فاروق أن أي ارتفاع في الدولار ينعكس بصورة مباشرة على أسعار الذهب حتى مع تراجع الأوقية عالميًا، مضيفًا أن العلاقة بين الدولار والذهب أصبحت أكثر وضوحًا خلال الفترة الأخيرة، حيث يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة تسعير الذهب بصورة مباشرة، ما يدعم استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا رغم الضغوط العالمية.
وفيما يتعلق بالتطورات الجيوسياسية، أوضح تقرير “آي صاغة” أن الحرب الأمريكية الإيرانية ما تزال تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، رغم انتهاء المرحلة العسكرية الأكثر حدة مطلع مايو الجاري، مشيرًا إلى أن بدء مفاوضات بوساطة باكستانية ساهم في تهدئة المخاوف من توسع الصراع، إلا أن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع الملف الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن هناك ثلاثة عوامل رئيسة لا تزال تدعم أسعار الذهب عالميًا، تتمثل في استمرار المخاوف التضخمية، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب مواصلة البنوك المركزية العالمية زيادة احتياطاتها من الذهب، بينما تتمثل أبرز الضغوط في قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع عوائد السندات، واستمرار السياسة النقدية المتشددة للفيدرالي الأمريكي.
وقال إمبابي أن الذهب فقد نحو 14% من قيمته منذ اندلاع الحرب، مع توجه المستثمرين نحو السندات الأمريكية والأصول مرتفعة العائد، نتيجة تصاعد التوقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
اقرأ أيضًا: الذهب والفضة يحققان مكاسب قوية بدعم مشتريات البنوك المركزية
ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة
أوضح تقرير مرصد الذهب أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والخامات يفرض ضغوطًا إضافية على قطاع المشغولات الذهبية عالميًا، بالتزامن مع استمرار حالة الركود النسبي وضعف القوة الشرائية في عدد من الأسواق.
وتؤكد بيانات مجلس الذهب العالمي استمرار تراجع الطلب على المشغولات الذهبية خلال الربع الأول من عام 2026، في انعكاس واضح لحالة الضغوط الاقتصادية العالمية وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وأكدت التقارير أن الأسواق العالمية تترقب خلال الفترة المقبلة أي إشارات جديدة من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن مستقبل أسعار الفائدة، إلى جانب بيانات التضخم والناتج المحلي الأمريكي، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرًا في حركة الذهب خلال المرحلة المقبلة.
واختتم كل من مرصد الذهب وآي صاغة تقاريرهما بالتأكيد على أن اتجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بصورة رئيسة بتحركات الدولار الأمريكي وقرارات السياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب تطورات المشهد الجيوسياسي العالمي.
اقرأ أيضًا: الذهب والفضة يحققان مكاسب قوية بدعم مشتريات البنوك المركزية