إيران تتوعد بالرد وإسرائيل تحشد الدعم: ماذا بعد الضربة الكبرى؟

في تطور خطير وغير مسبوق في مسار الصراع بين إيران وإسرائيل، شنت تل أبيب فجر الجمعة سلسلة من الغارات الجوية المركزة ضد أهداف إيرانية عسكرية ونووية، أسفرت عن سقوط عدد من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين، في عملية وُصفت بأنها الأوسع نطاقًا منذ عقود، وأثارت ردود فعل نارية من طهران التي توعدت كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة بـ”دفع الثمن”.

وبحسب تصريحات رسمية، نفذت إسرائيل ما يقرب من 300 غارة جوية موزعة على خمس جولات متتالية، استهدفت خلالها منشآت حيوية في عدة مدن إيرانية من بينها طهران وقم وتبريز، بالإضافة إلى منشآت نووية رئيسية على رأسها موقع نطنز.

تفاصيل الغارات الإسرائيلية على المنشآت الإيرانية

أفادت وسائل الإعلام الإيرانية بمقتل عدد من القيادات البارزة، منهم اللواء حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإيراني، والفريق محمد باقري، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، والجنرال غلام علي رشيد، نائب قائد الجيش، بالإضافة إلى العالمين النوويين فريدون عباسي ومحمد طهرانجي.

وفي أول رد رسمي، وصف المتحدث باسم الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الغارات الإسرائيلية بأنها “انتهاك صارخ للسيادة الوطنية”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل “ستدفعان الثمن غاليًا”، مشددًا على أن الرد الإيراني سيكون حازمًا ولا رجعة فيه، وأضاف أن هذه الهجمات لن تمر مرور الكرام، وأن الرد عليها سيكون متناسبًا مع حجم العدوان.

أما المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، فقد نعى الضحايا ووجه رسالة حادة قال فيها إن “إسرائيل ستواجه مصيرًا مؤلمًا ومريرًا”، متعهدًا بأن “دماء الشهداء لن تذهب سدى”، في إشارة إلى رد عسكري محتمل يجري التحضير له.

خطة التضليل الإعلامي الإسرائيلية قبل تنفيذ الهجوم

على الجانب الآخر، كشف مسؤول إسرائيلي في تصريحات لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن الهجوم سبقه مخطط خداع إعلامي وسياسي واسع، أطلقه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث جرى تضليل الصحفيين والمعلقين السياسيين داخل إسرائيل، بل وتم تسريب معلومات كاذبة عن خلافات مزعومة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بهدف إعطاء القيادة الإيرانية والجمهور الإسرائيلي انطباعًا بعدم وجود نية للهجوم، وبالتالي الحفاظ على عنصر المفاجأة.

وأكد المسؤول أن العملية، التي حملت الاسم العسكري “قوة الأسد”، شارك في التخطيط لها عدد محدود للغاية من المسؤولين الإسرائيليين لضمان السرية التامة، كما تم التلاعب بخطاب الإعلام الداخلي عبر رسائل وإحاطات إعلامية مغلوطة عمّمت عمدًا على وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، بدأت بعض وسائل الإعلام الأمريكية في نشر تحذيرات استخباراتية من هجوم وشيك، خاصة بعد تصريحات الرئيس ترامب وقرار وزارة الخارجية الأمريكية بإجلاء موظفين غير أساسيين من سفاراتها في العراق ودول أخرى في المنطقة.

ردود دولية على هجوم إسرائيل على إيران

في أول تعليق أمريكي رسمي، وصف نيد برايس، المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية، الضربة الإسرائيلية بأنها “سابقة لأوانها”، مشيرًا إلى أن واشنطن كانت منخرطة في جهود دبلوماسية مع إيران خلال الأشهر الأخيرة، وأضاف أن هذه الفرصة كان من المفترض أن تستمر حتى سبتمبر المقبل، حين يتم طرح الملف النووي الإيراني أمام مجلس الأمن الدولي.

من جهة أخرى، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن هذا الهجوم “يعرض الأمن العالمي لتهديد غير مسبوق”، محذرة من أن التصعيد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع في المنطقة.

وتداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي في إيران مقاطع فيديو توثق دوي انفجارات ضخمة أعقبتها صافرات إنذار في العاصمة طهران ومناطق أخرى، ما يعكس حجم التوتر والخوف الذي يخيم على البلاد.

في الوقت نفسه، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سيترأس، اليوم الجمعة، اجتماعًا لمجلس الأمن القومي بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع نووية إيرانية.

اقرأ أيضًا: تصعيد إسرائيل وإيران يفجر اضطرابًا في أسواق الطاقة والمال العالمية

واشنطن تنفي تورطها في الهجوم على إيران

سبق وأكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أن هجوم إسرائيل على إيران إجراء أحادي الجانب ضد طهران، مشددًا على أنَّ الولايات المتحدة ليست متورطة في الضربات ضد إيران، وأشار في الوقت ذاته إلى أن أولوية بلاده القصوى هي حماية القوات الأمريكية في المنطقة.

في ظل هذا التصعيد الحاد، تترقب الأوساط الإقليمية والدولية الرد الإيراني المتوقع، وسط تعتيم رسمي على طبيعة الخسائر والاستعدادات العسكرية داخل إيران، ويرى مراقبون أنَّ الهجوم الإسرائيلي يمثل نقطة تحول خطيرة في التوازن الاستراتيجي بالمنطقة، وقد يكون بداية لمواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

وعن دخول واشنطن في حرب مع طهران، يقول محمد خيري، الباحث في الشأن الإيراني، إن الحديث عن نشوب حرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران غير دقيق في الوقت الراهن، مؤكدًا أن التصعيد الدبلوماسي والميداني الأخير لا يعكس بالضرورة توجهاً مباشراً نحو مواجهة عسكرية شاملة، بل يرتبط بردود أفعال مدروسة على قرارات ذات طابع دولي، أهمها إدانة إيران من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأوضح خيري أن قرار واشنطن بسحب دبلوماسييها من عدد من بعثاتها في الشرق الأوسط جاء استباقًا لردود محتملة من طهران عقب قرار مجلس محافظي الوكالة، الذي أدان إيران لتقاعسها عن الالتزام بمعاهدة حظر الانتشار النووي منذ أكثر من عشرين عامًا، وهو القرار الذي أقرّ بتأييد 19 دولة ومعارضة ثلاث فقط.

وأضاف أن هذا التحرك الأمريكي لا يُفسّر كإشارة إلى نية الحرب، بل كخطوة احترازية لتقليل المخاطر الدبلوماسية على الأرض، خاصة وأن الطرفين –طهران وواشنطن– أكدا استعدادهما لعقد جلسة مفاوضات جديدة يوم الأحد المقبل في العاصمة العمانية مسقط.

قنوات دبلوماسية غير معلنة بين واشنطن وطهران

أشار خيري إلى أنَّ هناك قنوات دبلوماسية غير معلنة تنشط حاليًا بين الجانبين الأمريكي والإيراني، بهدف احتواء التصعيد وبناء مقاربات قابلة للتفاوض، لافتًا إلى أنَّ الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الحالي لا تُبدي رغبة في خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، بل على العكس، هناك تكرار واضح لمواقف أمريكية تؤكد ضرورة احتواء إيران وليس إسقاطها، حتى في المحادثات التي أجريت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وأضاف أن واشنطن تدرك تمامًا أن اندلاع حرب مع إيران سيؤدي بشكل شبه حتمي إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 30% من حجم تجارة النفط العالمية، وهو ما سيؤدي إلى قفزات هائلة في أسعار النفط والغاز، ويفاقم من أزمة التضخم التي تعاني منها أوروبا بالأساس، وعليه فإنَّ أي تحرك عسكري أمريكي مباشر تجاه إيران سيكون بمثابة مغامرة اقتصادية خطيرة لها ارتدادات دولية.

وأكَّد الباحث أن إيران دولة لا تخضع للضغوط بالشكل التقليدي، وأن مسألة الكبرياء القومي تلعب دورًا محوريًا في طريقة تعاطي النظام الإيراني مع التهديدات الغربية، وخاصة من واشنطن وتل أبيب، وأضاف أن سياسات الولايات المتحدة التي تخضع باستمرار للضغوط الإسرائيلية بشأن تفكيك البرنامج النووي الإيراني قد تعجّل بتحول إيران إلى قوة نووية فعلية في أقل من شهر، مما يجعل إمكانية ردعها لاحقًا أمرًا بالغ الصعوبة.

كيف يخدم النظام الإيراني المصالح الأمريكية؟

شدد خيري على أن الولايات المتحدة لا تتبنى استراتيجية إسقاط النظام الإيراني، إذ إنَّ وجود هذا النظام يخدم في بعض الأحيان المصالح الأمريكية، فهو يمثل “فزاعة استراتيجية” في الشرق الأوسط، تسمح لواشنطن بتبرير استمرار وجود قواتها في المنطقة، وتبقي الدول العربية في حالة استنفار دفاعي يعزز مبيعات السلاح الأمريكي ويمنح واشنطن نفوذًا في اتخاذ القرار داخل بعض الدول.

كما أشار إلى أن إسرائيل توظف ورقة إيران النووية كسلاح سياسي دائم لتبرير تدخلاتها الإقليمية، واستمرار خطابها الأمني المتشدد، خاصة في مواجهة دول انهارت أنظمتها السياسية مثل سوريا ولبنان، ما أتاح لتل أبيب هامشًا أوسع من التحرك العسكري والدبلوماسي دون مساءلة.

واختتم خيري تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة لا يتم قياسه فقط بدرجة التصعيد الظاهر، وإنما بمدى قدرة الطرفين على التفاوض تحت الضغط، وإدارة الصراع بطرق تضمن تحقيق مكاسب استراتيجية دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مدمّرة للطرفين وللمنطقة بأكملها.

قد يهمّك أيضًا: مضيق هرمز تحت الضغط مجددًا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة