أعلن البنك المركزي الإيراني عن توجه جديد لتنظيم الحركة المالية للملاحة في مضيق هرمز، حيث كشف عن بدء التنفيذ الفعلي لإجراءات تحصيل رسوم عبور السفن التجارية وناقلات النفط التي تمر عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. ووفقًا لما نقلته وكالة “فارس” للأنباء عن مصادر بالبنك المركزي، فإن هذه الرسوم لن تُفرض بشكل عام، بل ستُسدد حصريًا من قبل السفن التي تحصل على إذن عبور رسمي من الجهات المختصة.
وأكدت السلطات المالية الإيرانية أن العائدات الناتجة عن هذه الرسوم التي تُفرض مقابل ما وصفته الدولة بـ”خدمات التأمين والأمن” المقدمة للسفن سيتم تحصيلها نقدًا.
ويرى الخبراء أن هذا التوجه يستهدف ضمان تدفقات مالية فورية من العملات الأجنبية، بعيدًا عن التعقيدات المرتبطة بالتحويلات المصرفية الدولية، خاصة في ظل القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني.
أما فيما يتعلق بآلية تحديد قيمة الرسوم، فقد أوضح البنك المركزي أنها لن تكون ثابتة أو موحدة، بل ستخضع لتقييم فني دقيق يعتمد على عدة متغيرات، من بينها نوعية البضائع المنقولة، وحجم الشحنة، إلى جانب تقدير مستوى المخاطر الأمنية المرتبطة بكل رحلة على حدة.
ماذا يعني فرض رسوم عبور في مضيق هرمز؟
أكّد الدكتور علي بن عبد الله الريامي، خبير أسواق النفط، أن التطورات الأخيرة المتعلقة بقيام إيران بفرض رسوم على مرور السفن عبر الممرات البحرية تمثل تحولًا مهمًا في طبيعة التوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة قد يكون لها تأثير مباشر على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
وأوضح الريامي أن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، وبالتالي فإن أي تغيير في آليات المرور أو تكاليفه ينعكس سريعًا على أسعار النفط، من خلال ما يُعرف في الأسواق بـ”علاوة المخاطر”، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع في ظل حالة عدم اليقين.
وأضاف أنّ فرض رسوم على مرور السفن في هذا الممر لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تأثيراته الأوسع، حيث إنه قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس بدوره على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والسلع الأساسية على مستوى العالم.
وأشار إلى أن هذه التطورات قد تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالإمدادات، خاصة في ظل استمرار الحصار الأمريكي على إيران، موضحًا أن أي اضطراب في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قد يخلق ضغوطًا إضافية على التوازن بين العرض والطلب في الأسواق العالمية.
وأكد أن الأسواق تتعامل حاليًا مع هذه التطورات بحذر، في ظل غياب وضوح الرؤية بشأن مدة الأزمة أو مسارها، وهو ما ينعكس في زيادة التقلبات في أسعار النفط.
اقرأ أيضًا: أزمة مضيق هرمز تدفع أسعار النفط للصعود وسط تعثر المحادثات
تحركات دولية محتملة لتشديد الضغوط
فيما يتعلق بالموقف الأوروبي، أوضح الريامي أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يتعامل مع الأزمة بحذر، في ظل وجود تباينات في وجهات النظر مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر عدم اتخاذ خطوات حاسمة حتى الآن. وأضاف أن هذا التباين قد يؤثر على سرعة اتخاذ قرارات جماعية، رغم إدراك الدول الأوروبية لحجم التأثير المحتمل على مصالحها، خاصة في ظل اعتمادها على استقرار إمدادات الطاقة.
وعلى الجانب الآخر، لفت الريامي إلى أن هناك نقاشات داخل الولايات المتحدة حول إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية، قد تشمل توسيع نطاق العقوبات أو العمل على تحويل الحصار الحالي إلى إطار دولي أوسع، وأشار إلى أن نجاح هذا التوجه يعتمد على مدى استعداد الدول الأخرى للانخراط فيه، خاصة إذا شعرت بأن مصالحها الاقتصادية باتت مهددة.
وأوضح أن الضغوط على إيران قد لا تقتصر على الممرات البحرية، بل قد تمتد إلى المنافذ البرية والأنشطة المالية، خاصة في ظل وجود أنظمة بديلة تستخدمها طهران خارج نظام “سويفت”.
وأضاف أن من بين الأدوات المطروحة أيضًا تشديد العقوبات على الشركات التي تتعامل مع إيران، مستفيدة من حجم وتأثير السوق الأمريكية على الاقتصاد العالمي.
كما أشار إلى أن الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة في ملفات مثل الأمن الأوروبي وحلف الناتو، تلقي بظلالها على مستوى التنسيق في التعامل مع الأزمة، ما قد يبطئ من اتخاذ إجراءات مشتركة، لكن رغم ذلك لا تزال هناك فرصة للتقارب بين الجانبين، في حال تم التوصل إلى أرضية مشتركة تقوم على حماية المصالح الاقتصادية وضمان استقرار إمدادات الطاقة.
ضغوط إضافية على معدلات التضخم العالمي
من جهتها، أكدت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن التطورات الأخيرة المرتبطة بفرض رسوم على مرور السفن في مضيق هرمز تعكس تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات الجيوسياسية، وهو ما قد يكون له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العالمي.
وأوضحت خضر أن إن أي تغير في آليات المرور أو تكلفته عبر المضيق قد ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ويُضيف ضغوطًا إضافية على معدلات التضخم في العديد من الدول.
وأشارت إلى أن استمرار هذه التوترات قد يضع بعض الاقتصادات، خاصة الأوروبية، أمام تحديات متزايدة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يؤثر على مستويات النمو الاقتصادي، كما قد تمتد هذه التأثيرات إلى قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة نتيجة ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج.
وأكدت أن هذه التطورات تأتي في توقيت حساس للاقتصاد العالمي الذي لا يزال يواجه آثار أزمات سابقة، ما يجعل أي صدمة جديدة في أسواق الطاقة أكثر تأثيرًا وتعقيدًا. وأوضحت أن الحذر الذي تنتهجه الدول الأوروبية رغم صعوبة الموقف يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على المصالح الاقتصادية وتجنب التصعيد، خاصة أن الدول الأوروبية تدرك حجم التأثير المحتمل لهذه الأزمة على اقتصاداتها.
قد يهمّك أيضًا: أرباح مليارية لشركات النفط.. من الرابح من حرب إيران؟
استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق
أشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن المعطيات الحالية تشير إلى احتمال استمرار التوترات لفترة، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار التقلبات في الأسواق العالمية، خاصة في أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين. وبيّنت أنّ “هذه الحالة من عدم اليقين تمثل تحديًا كبيرًا لصناع القرار الاقتصادي، حيث تتطلب سياسات مرنة وقادرة على التعامل مع تغيرات سريعة في الأسواق”.
وقالت إن “هناك عددًا من الأدوات الاقتصادية التي يمكن استخدامها في هذا السياق، مثل تشديد القيود على الأنظمة المالية أو زيادة الرقابة على التعاملات التجارية، إلى جانب إمكانية فرض ضوابط إضافية على الشركات التي تتعامل مع إيران”. وأكدت أن هذه الإجراءات، في حال تطبيقها، قد يكون لها تأثير تدريجي، وقد تسهم في إعادة تشكيل بعض مسارات التجارة والتمويل المرتبطة بالمنطقة.
واختتمت الدكتورة مروى خضر تصريحاتها بالتأكيد على أهمية التنسيق الدولي في التعامل مع هذه التطورات، بما يضمن استقرار الأسواق وتقليل الآثار الاقتصادية السلبية، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا كبيرًا من التوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
قد يهمّك أيضًا: كيف أعادت حرب إيران تقسيم اقتصاد العالم؟