إيران.. هل تُطيح بـ”الهدنة التجارية” بين أمريكا والصين؟
حين هدأ النزاع التجاري بين واشنطن وبكين، بدت الأسواق وكأنَّها تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الرسوم والتصعيد، لكن تهديدًا واحدًا ربطه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإيران كفيل بأن يعيد فتح الجبهات، حيث تعهد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة “تتاجر مع إيران”.
التعهد الأمريكي جاء بصيغة عامة ونبرة فورية دون تفاصيل التنفيذ، وهو ما وضع هدنة العام الواحد مع الصين على حافة الاختبار، ليس لأن بكين غيرت سلوكها فجأة، بل لأن الخيط الذي يربط التجارة بالطاقة والجغرافيا السياسية أصبح أكثر شدًا من أي وقت مضى.
الرسوم الجمركية.. سلاح أمريكا لإعادة رسم خارطة التجارة
لغة الرقم كانت صريحة، فقد قال ترامب: “25% على أيِّ الأعمال وجميعها” مع الولايات المتحدة، وفي قاموس التجارة لا تعد هذه الرسوم هامشية، بل قفزة تعيد رسم الحسابات، فضلًا عن أنّ أثرها لا يتوقف عند الشركات المتعاملة مباشرة مع إيران، بل يمتد إلى سلاسل التوريد العابرة للحدود، حيث يعاد تسعير المخاطر، وتتراجع العقود، وتُؤَجَّل قرارات الاستثمار.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن أي رسوم جديدة تُضاف إلى منظومة تجارية قائمة تعني ارتفاعًا في التكلفة النهائية وضغطًا على الطلب العالمي، فضلًا عن توسيع فجوة عدم اليقين في القطاعات المرتبطة بالاستيراد والتصنيع واللوجستيات، أمّا سياسيًا فهذه الرسوم تحديدًا تمسّ توازنًا دقيقًا جرى بناؤه في القمة الأخيرة مع بكين.
الجدير بالذكر أنّ الاتفاق الذي جرى مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية لم يكن تعليقًا للرسوم فحسب، بل كان تبادلًا لمكاسب استراتيجية، أبرزها وصول الولايات المتحدة إلى العناصر الأرضية النادرة، وسيطرة الصين على إنتاج هذه المعادن منحتها ورقة ضغط واضحة في النزاع السابق.
وبموجب الهدنة، انخفض متوسط الرسوم الأمريكية على السلع الصينية إلى 30.8 من 40.8%، وفق تقديرات Bloomberg Economics، وهذا الانخفاض لم يكن تجميليًا، بل كان اعترافًا بأن اقتصاد الرسوم المتصاعدة يحمل تكلفة ذاتية، وأي عودة للتصعيد -خاصة عبر مسار مرتبط بإيران- تعني عمليًا إعادة فتح ملف الندرة والتبعية التكنولوجية.
اقرأ المزيدحول: تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي
هل تنجح بكين في انتزاع “استثناء” من رسوم إيران؟
الغموض هنا هو الخطر الحقيقي؛ فالإدارة الأمريكية لم تُحدد ما إذا كانت الرسوم الجديدة ستُضاف إلى القائمة الحالية أم ستحل محلها، ولا إن كانت الصين ستحصل على استثناء من هذه التدابير. وسابقة أغسطس، حين خفّف مستشار البيت الأبيض بيتر نافارو لهجة العقاب تجاه الصين على خلفية النفط الروسي، تقدم قراءة واقعية للمشهد: الضغط له سقف، وإيذاء الذات خط أحمر.
اقتصاديًا، تراكم الرسوم فوق عتبة 30% يضع المستهلك الأمريكي تحت ضغط مباشر ويرفع كلفة الواردات ويُقوّض سلاسل الإمداد الصناعية، وهو ما سبق للإدارة نفسها التحذير منه خلال جولات النزاع التجاري. وهذا التناقض -بين خطاب التهديد ومنطق التنفيذ- هو ما يدفع الأسواق إلى قدر أقل من الانفعال اللحظي، لكنها وبالمقابل تصبح أكثر حذرًا في تسعير المخاطر والتموضع الاستثماري.
اقرأ أيضًا: توسع احتجاجات إيران.. انهيار الريال ومخاوف إغلاق مضيق هرمز
بكين تلوح بحق الرد
لم تُصدر بكين ردًا رسميًا فوريًا، لكن الإشارات التي خرجت على هامش الحدث كانت كافية لقياس اتجاه الموقف. وفي هذا السياق، تحدّث الباحث تشو مي عن حق الصين في اتخاذ “إجراءات مناسبة” إذا جرى خرق الهدنة التجارية، متسائلًا عن الرابط بين تجارة دول أخرى مع إيران وما تسميه واشنطن “الأمن القومي الأمريكي”، أما السفارة الصينية في واشنطن فوصفت التهديد بأنه “إكراه”، مؤكدة عزمها على حماية الحقوق والمصالح المشروعة.
هذه اللغة تُحوّل النزاع من سؤال اقتصادي إلى سؤال شرعية الأداة: ما هو الإطار القانوني الذي يُمكّن واشنطن من توسيع نطاق الرسوم عبر طرف ثالث؟ ففي حين استندت الرسوم المتبادلة سابقًا إلى عجز تجاري مزمن بين الطرفين، فإن التوسّع الجديد يتجاوز هذه الذريعة التقليدية باتجاه مفهوم أوسع للأمن القومي، ما يفتح الباب أمام اختبار جديد لقواعد التجارة الدولية ولحدود ما يمكن أن تتحمله شركاء واشنطن قبل أن يتحول التضييق إلى تصعيد تجاري منظَّم.
لماذا تتجاهل الأسواق تهديدات ترامب اللفظية حتى الآن؟
اللافت أن الأسهم والسندات لم تسجل ردود فعل تذكر، وتفسير ذلك قدمه في-سيرن لينغ: “السوق اعتادت تهديدات متقلبة، لكن هذا البرود ليس إنكارًا للمخاطر، بل تسعير لاحتمال عدم التنفيذ”، والتاريخ يقول إن الأسواق قد تتجاهل العناوين، وحتى اللحظة التي يتحول فيها العنوان إلى إجراء مادي، كاعتراض ناقلات أو مصادرة شحنات، عندها، تنتقل القصة من خطاب إلى صدمة عرض.
أما فيما يتعلّق بأسواق النفط فهي، بحسب إيما لي، لن تتحرك فعليًا إلا إذا طالت العقوبات الشحنات الإيرانية نفسها، وهذه ليست فرضية نظرية؛ فالتجربة الفنزويلية تقدّم سوابق عملية لكيف يمكن أن تتحول الإشارة السياسية إلى اضطراب في الإمدادات.
لماذا تستميت بكين على النفط الإيراني؟
وإيران تشغل موقعًا مركزيًا في معادلة الطاقة الصينية، إذ تستحوذ بكين على ما يقرب من 90% من صادرات النفط الإيراني، وإن كان ذلك لا يُسجّل رسميًا منذ يونيو 2022. أما البيانات غير المباشرة وإشارات المتعاملين في السوق، فتؤكد استمرار التدفقات عبر قنوات نقل وشحن خارج نطاق السيطرة الغربية، وبأحجام تفوق مليون برميل يوميًا.
هذا النفط، الذي يباع بخصومات كبيرة مقارنة بالسوق العالمية، يذهب في معظمه إلى قطاع التكرير الخاص في الصين، ما يمنح الاقتصاد الصيني مرونة تشغيلية لا يمكن تجاهلها، سواء من ناحية هوامش الربح أو من ناحية تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن السوق الفورية وأسعارها الأعلى تقلبًا.
وفق “Kpler Ltd”، بلغت الكميات المخزنة بحريًا أواخر ديسمبر أعلى مستوياتها في عامين ونصف، متجاوزة 50 مليون برميل، وهذا التخزين العائم يقرأ بطريقتين: إما فائض مؤقت ينتظر نافذة تصريف، أو درع وقائي في مواجهة تشديد محتمل، وفي الحالتين الرسالة واحدة: السوق يستعد لسيناريو اضطراب، لا للتعايش الهادئ مع تهديد لفظي.
وتُظهر بيانات الجمارك الصينية تراجع الواردات من إيران 28% على أساس سنوي خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من 2025 إلى 2.7 مليار دولار، وتشمل واردات من بوليمرات ومعادن ومواد كيميائية مستخدمة صناعيًا، ورغم أنّ هذه الأرقام مهمة إلا أنّها لا تلغي حقيقة أن النفط هو المحرك، فالقيمة التجارية للسلع الأخرى لا تقارن بأثر أمن الطاقة وسعر البرميل على التنافسية الصناعية.
ضغط أقصى بإشارات متناقضة
إدارة ترامب جددت حملة “الضغط الأقصى” على إيران، ملوحة بعقوبات على المشترين، غير أن منح إشارة ضوء أخضر للصين في يونيو لمواصلة الشراء أربك التجار ومسؤولي الإدارة على حد سواء، فالرسالة المزدوجة -تشديد في الخطاب وتراخ في التطبيق- تضعف أثر الردع، وتشجع على اختبار الحدود، وهذا التناقض لا يمر من دون تكلفة، وكلما بدا التنفيذ انتقائيًا أعادت الأسواق حساب احتمالات السيناريوهات، وارتفعت علاوة عدم اليقين.
بكين، من جهتها، تصف علاقتها بطهران بأنّها شراكة استراتيجية، واللقاء بين شي جين بينغ والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في سبتمبر، والتعهد بتعزيز التجارة والاستثمار، يعكسان منظورًا أطول أمدًا من تقلبات الرسوم، وهنا تكمن المعضلة الأمريكية: استخدام أداة تجارية لتحقيق هدف جيوسياسي قد يدفع الطرف المقابل إلى تعميق الروابط خارج المنظومة الغربية، وهو ما يقوض الغاية الأصلية للعقوبات.
جدل الأمن القومي وحدود الاتساع
حين تمدد واشنطن تعريف “الأمن القومي” ليشمل تجارة أطراف ثالثة مع خصم سياسي، تفتح الباب لتحديات قانونية وتجارية، والسؤال الذي طرحه تشو مي: “ما علاقة تجارة الآخرين مع إيران بأمن الولايات المتحدة؟ ليس بلاغيًا، فرغم أنّ الإجابة السياسية قد تكون موجودة لكن الإجابة الاقتصادية أصعب، فالأسواق تسعر وضوح القواعد لا مرونتها الانتقائية.
في هذا الصدد، لا يقع الرهان الحقيقي اليوم على الرد الصيني، بل على القرار الأمريكي، فتنفيذ التهديد حرفيًا قد يطيح بالهدنة، ويلقي بظلال من الشك على زيارة ترامب إلى بكين المرتقبة في أبريل، وعدم التنفيذ أو الاستثناء قد يحفظ الهدنة لكنه يضعف مصداقية التهديدات المستقبلية، وهنا يظهر فن الموازنة: ضغط يكفي لرفع التكلفة على إيران دون كسر التفاهم مع الصين، والتاريخ القريب يقول إن هذا الحبل رفيع.
اقرأ أيضًا: عقوبات أمريكية تضرب شبكة نفط إيرانية للصين
الأسواق بين الواقعية والترقب
حتى الآن، تتبنى الأسواق مقاربة واقعية؛ فلا يتم تسعير سيناريو الصدمة قبل وقوعه فعليًا، ومع ذلك تظهر مؤشرات الاستعداد في خلفية المشهد، وذلك من خلال التخزين العائم، والخصومات على النفط، وتحوطات غير مرئية في عقود الشراء طويلة الأمد.
وإذا انتقلت واشنطن من مستوى التهديد إلى الإجراء المباشر -سواء عبر مصادرة ناقلة أو اعتراض شحنة- فإن الرد سيكون سريعًا: تقلبات في أسعار النفط، وإعادة تسعير للمخاطر، وضغط متبادل على سلاسل التوريد العالمية.
تهديد الرسوم المرتبطة بإيران وضع هدنة أمريكا والصين على محك حقيقي، ولعلّ الرقم 25% ليس مجرد رسوم بل اختبار لحدود استخدام التجارة كسلاح جيوسياسي. المعطيات تقول إن الصين تملك بدائل وإمدادات، وإن النفط الإيراني عنصر حيوي لقطاعها الصناعي، كما أن واشنطن تدرك تكلفة الإضرار بالذات.
قد يهمّك أيضًا: تداعيات فك الارتباط بين أمريكا والصين على الاقتصاد العالمي
