اتفاق أوروبا وميركوسور.. كيف يغير ميزان الأطلسي؟

بمجرد أن أنهت بروكسل وبوينس آيرس وبرازيليا نقاشًا امتد ربع قرن، لم يعد الأمر يتعلق بخفض الرسوم الجمركية فقط، بل بإعادة ترتيب موازين النفوذ في نصف الكرة الغربي؛ فالصفقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور -الذي يضم البرازيل والأرجنتين والأوروغواي والباراغواي- تمثل ممارسة عملية ضد موجة الحمائية التي عادت إلى الواجهة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما تعكس أن “التعددية” لم تعد تعبيرًا من الماضي، بل أداة جيوسياسية حاضرة في سوق عالمي أشد تنافسًا، وفق ما نقلته بلومبرغ.

وفي الوقت الذي كان كثيرون يتوقعون فيه أن تُجهض السياسات التجارية المتشددة أي محاولة لعقد اتفاقيات واسعة، أتى الاتفاق كإعلان عن إنشاء “منطقة تجارة حرة” بحجم يقارب الاتفاق المعروف اليوم باسم USMCA في أمريكا الشمالية.

وكانت الرسالة الأوضح أن أوروبا لا تريد أن تتعامل مع أمريكا اللاتينية بوصفها سوق للسلع فحسب، وإنّما كشريك يشارك في صياغة قواعد التجارة والاستثمار، وسط بيئة تتزايد فيها المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي في المنطقة.

لماذا الآن؟.. ضغط ترامب كعامل تسريع

لم يكن توقيت الاتفاق تفصيلًا هامشيًا، بل جزءًا أساسيًا من مشهد دولي مضطرب ولّدته سياسات إدارة ترامب، بما في ذلك التصعيد التجاري مع الصين، وفرض الرسوم على شركاء تقليديين، والعودة إلى لغة النفوذ المباشر في الأمريكيتين.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وصف هذا التطور بأنه “يوم تاريخي للتعددية وانتصار للحوار والتفاوض”، غير أن ما يقف خلف هذه اللغة الدبلوماسية أكثر برودة وبراغماتية: إدراك متزايد في بروكسل وعواصم ميركوسور أن التأخر في الحسم يعني عمليًا ترك الساحة مفتوحة بالكامل أمام الولايات المتحدة والصين لتعزيز نفوذهما الاقتصادي في المنطقة.

كما أن الاتفاق ذاته كان لفترة قريبة على “شفا الانهيار”، نتيجة خلافات مرتبطة بالمعايير البيئية وجودة المنتجات الزراعية والغذائية، إضافة إلى معارضة دول زراعية أوروبية مؤثرة مثل فرنسا وإيطاليا. وعندما حذّر رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي من أن أي تأخير إضافي سيكون بمثابة “حكم بالإعدام” على الاتفاق، لم يكن يبالغ؛ بل كان يعبّر عن منطق يجمع بين قراءة السياسة وقراءة السوق، فالفرص الجيوسياسية لا تنتظر من يتردد.

اقرأ أيضًا: السيطرة على غرينلاند تشعل المواجهة بين واشنطن وأوروبا

ربع قرن من المفاوضات وسباق إرث

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لم يكن مجرد طرف موقّع على الاتفاق، بل لاعب يسعى إلى ختم مسيرته بإنجاز يتجاوز حدود التجارة نحو ما يمكن اعتباره “صناعة إرث سياسي”؛ فقد أمضى جزءًا كبيرًا من ولايته الرئاسية الثانية يحاول إتمام اتفاق وُضع تصوّره قبل وصوله إلى الحكم للمرة الأولى في عام 2003.

كان لولا يأمل إتمام التوقيع في ديسمبر، غير أن العملية تعثرت قبل أن تعود من حافة الانهيار إلى الاكتمال، إثر تقديم تعديلات وتدابير حماية للمزارعين الأوروبيين لتهدئة مخاوفهم.

ويأتي هذا الانتصار السياسي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للبرازيليين، إذ أمضى لولا النصف الثاني من عام 2025 في مواجهة تجارية حادة مع إدارة ترامب على خلفية رسوم جمركية بلغت 50% على الصادرات البرازيلية. وفي هذا السياق، تحوّل الاتفاق الأوروبي إلى “مكسب توازن” بالنسبة لبرازيليا، في لحظة كانت فيها الضغوط الأمريكية مباشرة ومتصاعدة.

معركة المزارعين.. كيف فازت الصفقة داخل أوروبا

الاختبار الأصعب لم يكن في العواصم اللاتينية وحدها، بل داخل أوروبا نفسها حيث تظل السياسة الزراعية ملفًا شديد الحساسية تاريخيًا، لكن ما غيّر اتجاه النقاش داخل الاتحاد الأوروبي كان طرح “تدابير حماية” مخصصة للمزارعين الأوروبيين، الأمر الذي دفع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تأييد الاتفاق، تاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دون كتلة دعم كافية لعرقلته خلال اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي.

ورغم هذا التحوّل، لا يمكن اعتبار الصفقة منتهية سياسيًا؛ إذ لا تزال بحاجة إلى مصادقة البرلمان الأوروبي. هذا الشرط يذكّر بأن الاقتصاد لا يتحرك وفق منطقه المجرد فقط، بل يعبر دائمًا من خلال مسارات السياسة المحلية، وضغوط اللوبيات الزراعية، وموازين المصالح داخل الدول الأعضاء.

من “الرسوم” إلى “سلاسل القيمة”.. مكاسب تتجاوز اللحوم

الجزء السهل في أي اتفاق للتجارة الحرة يتمثل عادة في خفض الرسوم الجمركية، أما الجزء الأصعب فيبدأ بعد ذلك حين تُعاد هيكلة سلاسل القيمة والاستثمار والتصنيع، ووفقًا للاتفاق ستُلغى الرسوم الجمركية تدريجيًا على مجموعة واسعة من السلع الزراعية القادمة من أمريكا الجنوبية، ما يوسّع أسواق دول تكتل ميركوسور الأربع ويمنح المستهلك الأوروبي وصولًا أسهل إلى اللحوم وسلع زراعية أخرى.

في المقابل، ستُزال الرسوم على السيارات والآلات ومنتجات صناعية مختلفة، وهو ما قد يدفع نحو تنشيط التصنيع داخل البرازيل وجيرانها، وهذه ليست مسألة تقنية محضة، بل محاولة لإعادة تحديد موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي، بحيث لا تبقى مجرد مورّد للمواد الخام، بل منتجًا يستحوذ على حصة أكبر من القيمة المضافة. وقد عبّر مسؤولون في أمريكا اللاتينية عن هذا المنطق بوضوح قائلين: “لا نريد الاستمرار في تصدير الصخور والمواد الخام”.

الأرقام تقول: مكسب اقتصادي وأثر جيوسياسي أكبر

تقدّر بلومبرغ إيكونوميكس أن الاتفاق قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي لدول ميركوسور بما يصل إلى 0.7% بحلول عام 2040، مقابل نحو 0.1% لأوروبا، ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة على الورق إلا أن معناها في لغة بلومبرغ مختلف؛ فالقضية ليست “قفزة نمو” بقدر ما هي “تثبيت موقع” في صراع النفوذ الدولي، والأثر الجيوسياسي المحتمل قد يفوق المكاسب الاقتصادية المباشرة.

في عالم يعاد فيه توزيع موازين القوة، يصبح الحصول على موطئ قدم في منطقة غنية بالموارد مكسبًا من نوع آخر: تأمين إمدادات مستقبلية، وتنويع الشراكات، وبناء نفوذ تنظيمي يقف مقابل نفوذ أمريكي يستند إلى الرسوم الجمركية والضغوط التجارية.

معادلة الصين.. من 3 إلى 25%.. لماذا تقلق بروكسل؟

الأرقام الأكثر تعبيرًا في هذا الملف ليست تلك الخاصة بالنمو المتوقع، بل ما يتعلق بحصص التجارة؛ فقد تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من تجارة تكتل ميركوسور إلى نحو 14% مقارنة بـ 23% في عام 2001، في حين قفزت حصة الصين من 3% إلى نحو 25% خلال الفترة نفسها، وفق تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس.

والمنافسة لم تعد مقتصرة على التجارة التقليدية فقط، بل تشمل المعادن الحيوية التي تقف في قلب الصناعات الحديثة؛ ففي عام 2025 برز توتر واضح بين أوروبا والصين مع تصاعد النزاع التجاري وخطط بكين لتشديد الضوابط على العناصر الأرضية النادرة ومعادن استراتيجية أخرى، ما كشف عن هشاشة في الصناعات الأوروبية التي تعتمد على واردات صينية في سلسلة التوريد.

من هنا يصبح الاتفاق مع ميركوسور جزءًا من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد وتوسيع مصادر الإمداد، وليس مجرد محاولة لفتح أسواق جديدة.

اقرأ أيضًا: المعادن النادرة في فنزويلا.. بؤرة الصراع بين واشنطن وبكين

شبكة أوروبا في أمريكا اللاتينية

الاتفاق الجديد سيرفع تغطية شبكة التجارة الأوروبية في أمريكا اللاتينية إلى 97% من اقتصاد المنطقة، مقارنة بنحو 44% للولايات المتحدة، و14% للصين، وفقًا لـ Banco Santander، وهذه المقارنة تلخص الهدف الأوروبي بوضوح، وهو التحول إلى “بديل ذي مصداقية” لواشنطن وبكين.

وتقدر تغطية شبكة التجارة الأوروبية في أمريكا اللاتينية بنحو 97%، بينما تبلغ نحو 44% في الولايات المتحدة، و14% في الصين، وهذا يعني أن أوروبا لا تنافس على شحنة أو عقد واحد، بل على شكل المنظومة التي ستربط القارة اللاتينية بالعالم.

سياسة “مبدأ مونرو” تعود.. وفنزويلا تدخل المشهد

الصفقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياسة الأمريكية، فهي تتقاطع مع عودة ترامب إلى استخدام ما يشبه “مبدأ مونرو” كأداة نفوذ في الأمريكيتين، ومع “سقوط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو”، وهو تطور يفتح الباب أمام ضغوط محتملة على الاستثمارات الصينية في المنطقة. في هذا الإطار، يغدو الاتفاق الأوروبي جزءًا من مشهد أوسع يعيد شدّ الحبال على مناطق النفوذ التقليدية في نصف الكرة الغربي.

ومن زاوية أمريكا اللاتينية، تبدو المنطقة اليوم لا تبحث فقط عن مشترٍ لسلعها، بل عن موزّع أوسع للمخاطر، وشريك أوروبي قادر على تعميق الاستثمار، وتوفير توازن سياسي أمام الضغط الأمريكي، وتقليل الاعتماد على الصين التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى المشتري الأساسي للمواد الخام.

اقتصاد المعادن

التحول الأوسع في الاتفاق يمتد إلى ما هو أبعد من تجارة السلع الزراعية؛ فالأرجنتين والبرازيل تمتلكان احتياطيات كبيرة من الليثيوم، في حين تملك البرازيل وحدها نحو 14% من احتياطيات العالم من المنغنيز. هذه ليست أرقامًا جانبية، بل تقع في قلب المنافسة على التحول الرقمي والانتقال البيئي داخل أوروبا، حيث تعتمد الصناعات المرتبطة بالبطاريات والتقنيات النظيفة على هذه المعادن الحيوية.

وتبرز طبقة إضافية من الأهمية في كون البرازيل تضم ثاني أكبر احتياطيات عالمية من العناصر الأرضية النادرة، ما يفتح أمام أوروبا مسارًا مهمًا لتأمين مدخلات الصناعات التقنية المتقدمة وتقليل هشاشة سلاسل الإمداد في مواجهة القيود الصينية.

بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الاتفاق بوصفه توسعًا في استيراد المواد الخام فحسب، بل كمنصة لإعادة تعريف الاستثمار الأوروبي في المنطقة، بحيث يتجه التمويل نحو دعم التصنيع الفعلي والقدرة الإنتاجية، لا مجرد شراء الخامات من المصدر.

ميركوسور بوصفها منصة تفاوض

الاتفاق مع أوروبا ليس نهاية الطريق، بل أداة تفاوض استراتيجية يمكن لتكتل ميركوسور استغلالها لتعزيز مصداقيته على الساحة الدولية؛ فالتكتل يسعى لتنويع شراكاته عبر صفقات جديدة أو موسعة مع دول مثل اليابان والإمارات والهند وإندونيسيا، ما يعكس منطق التكتلات الكبرى: ليس “اتفاقًا واحدًا”، بل سلسلة من الاتفاقات التي تجعل التكتل أكثر جاذبية وتقوّض إمكانية الضغط من طرف واحد.

القيمة الحقيقية للصفقة لا تقاس فقط بإلغاء الرسوم الجمركية، بل بالخيارات الجديدة التي تفتحها؛ فبالنسبة لأوروبا يمثل الاتفاق تثبيتًا لموطن قدم في منطقة غنية بالموارد في ظل تنافس أمريكي-صيني محتدم، بينما يسعى ميركوسور إلى تحويل موارده إلى نفوذ تفاوضي واستثماري، وتغيير صورته من مجرد مصدّر للمواد الخام إلى لاعب صناعي أكثر طموحًا. وبينما تشير تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس إلى مكاسب اقتصادية تدريجية حتى عام 2040، فإن الفائدة الفورية تكمن في إعادة توزيع حق الاختيار في عالم تتلاشى فيه اليقينيات.

المغزى الأعمق للصفقة هو أن التجارة عادت لتصبح أداة سياسة خارجية، وأن السياسة الخارجية نفسها تُدار عبر أدوات الاقتصاد، المتمثلة في نسب الحصص وشبكات الإمداد والمعادن الحيوية، وفي عالم تُصاغ فيه السيادة بقدر ما تُصاغ بسلاسل الإمداد يصبح الاتفاق الذي انتظر 25 عامًا أكثر من مجرد توقيع، إنه إعلان بأن الأطلسي ما زال قادرًا على صياغة قواعد جديدة، وليس مجرد الرد على الأحداث.

اقرأ أيضًا: السعودية وأمريكا اللاتينية.. خطوة نحو تكامل اقتصادي عالمي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة