شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من التفاعل الواضح، مع اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد فترة من تصاعد التوترات بين الجانبين، والتي كان لها تأثير مباشر على استقرار المؤشرات الاقتصادية الأساسية؛ حيث كان ترامب قد أعلن قبيل انتهاء المدة التي كان قد حددها مُسبقًا لـ”محو الحضارة” في إيران عن الموافقة على الهدنة المقترحة من قبل باكستان، وتمتد إلى أسبوعين.
رغم ذلك، لا يزال المشهد ضبابيًا ومعقدًا، وذلك نظرًا لتضارب التصريحات الصادرة من الطرفين، وبقاء المفاوضات جارية إلى حين التوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق.
أسواق الطاقة تتنفس الصعداء مع بدء الهدنة
في هذا السياق، أكد الدكتور مازن إرشيد، الخبير الاقتصادي، أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران انعكس فورًا على أسواق الطاقة، حيث تراجع خام برنت بنحو 5.8% ليهبط إلى حدود 91 دولارًا للبرميل بعد أن تجاوز 110 دولارات خلال فترة الحرب، مشيرًا إلى أن هذا الانخفاض يُعد “حذرًا ومؤقتًا” في ظل استمرار حالة الترقب للمفاوضات المرتقبة.
وأوضح إرشيد أن أسعار النفط رغم تراجعها لا تزال مرتفعة بأكثر من 30% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الحرب، ما يعكس استمرار الضغوط في السوق، وأضاف أن المفاوضات المتوقعة قد تكون صعبة، خاصة أن كثيرًا من مطالب الأطراف لم تتحقق خلال نحو 40 يومًا من الصراع، ما يزيد من حالة عدم اليقين.
وأشار إلى وجود شبهات حول تأثير المضاربات والمراهنات في تحركات الأسواق، موضحًا أن التصريحات المتناقضة خلال الحرب، خاصة من الإدارة الأمريكية، ساهمت في تقلبات حادة بالأسواق، وقد تكون مرتبطة بمحاولات تحقيق مكاسب مالية، وهو ما يستدعي التحقيق والمساءلة.
تراجع الدولار وصمود الذهب
أوضح إرشيد أن الدولار بدأ يفقد بعض جاذبيته كملاذ آمن مع بدء التهدئة، حيث تراجع إلى أدنى مستوياته خلال أسابيع، في حين ارتفع الذهب ليقترب من مستويات قياسية قرب 5000 دولار للأونصة، مدعومًا بتوجه البنوك المركزية نحو زيادة احتياطياتها منه.
وأكد أن العديد من الدول، وعلى رأسها الصين، تتجه إلى تقليل اعتمادها على الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، مشيرًا إلى انخفاض حصة هذه السندات من احتياطيات البنوك المركزية عالميًا من أكثر من 80% سابقًا إلى نحو 56% حاليًا.
واختتم إرشيد تصريحاته بالتأكيد على أن التوترات الجيوسياسية وسياسات الإدارة الأمريكية الحالية تؤثر سلبًا على الثقة في الاقتصاد الأمريكي على المدى المتوسط والطويل، ما يدفع الدول إلى تنويع احتياطياتها والاعتماد بشكل أكبر على الذهب كملاذ آمن.
انتعاش العقود الآجلة وصعود جماعي للأسهم
من جهته، أكد الدكتور ريمون نبيل، خبير أسواق المال، أنّ قرار وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران انعكس بشكل مباشر وإيجابي على أداء الأسواق المالية العالمية، مشيرًا إلى أن هذه التطورات أعادت قدرًا من الثقة للمستثمرين بعد فترة من التوترات الجيوسياسية الحادة.
وأوضح أن “أسواق الأسهم مرشحة لتحقيق أداء إيجابي واضح خلال فترة الهدنة الممتدة لأسبوعين، حيث نتوقع أن تشهد ما بين ثلاث إلى خمس جلسات صعود متتالية في أغلب الأسواق، سواء في منطقة الخليج أو السوق المصري أو حتى الأسواق العالمية”.
وأضاف أنّ هذا التحسن لم يعد مجرد توقعات، بل بدأ بالفعل في الظهور على أرض الواقع، قائلاً: “المؤشرات الاستباقية، وعلى رأسها العقود الآجلة، تعكس هذا الاتجاه بوضوح، حيث سجلت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز ارتفاعًا تجاوز 1000 نقطة، كما حققت العقود الآجلة في أسواق شرق آسيا مكاسب ملحوظة، إلى جانب ارتفاعات في الأسواق الأوروبية تراوحت بين 2% و2.5%، وهو ما يؤكد وجود حالة من التفاؤل في الأسواق”.
وفيما يتعلق بأسواق المعادن النفيسة، أشار نبيل إلى أن الذهب والفضة شهدا تحركات قوية، موضحًا أن “أسعار الذهب والفضة ارتفعت بنسب تتراوح بين 2% و3%،حتى أنّ الفضة سجلت ارتفاعات تجاوزت 3%، في ظل توجه المستثمرين إلى إعادة تمركز استثماراتهم في هذه الأصول“.
وتابع أنّ أسعار النفط كانت الأكثر تأثرًا بالتهدئة، موضحًا أن “أزمة الطاقة كانت مرتبطة بشكل رئيس بالحرب والتوترات في مضيق هرمز، ومع إعلان الهدنة شهدنا تراجعًا واضحًا في أسعار النفط بأكثر من 10 دولارات، حيث كسر الخام مستوى 100 دولار، ليتداول في نطاق يتراوح بين 95 و92 دولارًا في الأسواق الفورية”.
وأكد خبير أسواق المال أن مستقبل هذه التحركات سيظل مرتبطًا بمسار الهدنة، قائلاً: “نأمل أن تنجح هذه الفترة في الوصول إلى حل جذري ينهي الحرب بشكل كامل، لأن استمرار الوضع الحالي كهدنة مؤقتة فقط قد يؤدي إلى تقلبات جديدة في الأسواق”.
وأضاف: “في حال استمرار الهدنة لمدة أسبوعين دون اتفاق نهائي، فإن الأسواق ستحقق بالفعل موجة صعود أولية تتراوح بين ثلاث إلى خمس جلسات، ثم تدخل بعد ذلك في مرحلة ترقب وانتظار لما ستسفر عنه المفاوضات”.
قد يهمّك أيضًا: فاتورة بالمليارات.. كيف تستنزف حرب إيران الأصول العسكرية؟
هل تعود الأسواق إلى مستويات ما قبل الحرب؟
أوضح الدكتور ريمون نبيل أنه في حال التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي، فإن الأسواق ستبدأ في التعافي التدريجي والعودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، مشيرًا إلى أنّ “عملية التعافي الكامل قد تستغرق فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس أشهر، خاصة مع الحاجة إلى امتصاص آثار التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة وبعض السلع الأساسية مثل اليوريا المستخدمة في صناعة الأسمدة“.
واختتم الدكتور ريمون نبيل تصريحاته بالتأكيد على أهمية متابعة التطورات السياسية خلال الفترة المقبلة، قائلاً: “الأسبوع الأول من الهدنة من المتوقع أن يشهد أداءً إيجابيًا للأسواق، بينما سيحمل الأسبوع الثاني زخمًا أكبر من حيث المفاوضات والتدخلات الدولية، وهو ما قد يمهد الطريق للوصول إلى حل نهائي ومستدام للأزمة”.
واتفق الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، مع أراء الخبراء، مؤكدًا أن الأسواق المالية العالمية شهدت تفاعلًا ملحوظًا مع إعلان الهدنة، وذلك عقب فترة من التوترات المتصاعدة بين الجانبين، والتي أثرت بشكل مباشر على استقرار المؤشرات الاقتصادية العالمية.
وأوضح أن “فترة التصعيد شهدت ارتفاعًا كبيرًا في أسعار النفط، حيث اقترب سعر البرميل من مستوى 118 دولارًا، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ومن ثم على معدلات التضخم في العديد من الدول، بما في ذلك مصر، التي سجلت معدلات تضخم وصلت إلى نحو 15%”.
كيف ستتأثر الدول المستوردة للطاقة بالتهدئة؟
أشار عبد الهادي إلى أن التأثير الأكثر حدة كان على الدول المستوردة للطاقة، موضحًا أن “دولًا مثل المغرب تعتمد على استيراد النفط بنسبة تصل إلى 90%، بينما تصل هذه النسبة في الأردن إلى نحو 95%، وهو ما يجعل هذه الاقتصادات أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة”.
وقال، في سياق متصل، إنّه “في حال التوصل إلى اتفاق نهائي قد تنخفض أسعار النفط إلى مستويات 80 دولارًا للبرميل، خاصة مع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب أن منطقة الشرق الأوسط تمثل نحو 25% من الإنتاج العالمي”.
كما أشار إلى أن أسواق الأسهم تأثرت سلبًا خلال فترة التوتر، خاصة في الأسواق الناشئة، نظرًا لطبيعتها الحساسة تجاه المخاطر الجيوسياسية، لافتًا إلى أن “قطاعي السياحة والتكنولوجيا كانا من بين الأكثر تضررًا”.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على تحسن المؤشرات الحالية، قائلاً: “هناك إشارات إيجابية على تحسن أداء البورصات، مدعومة بارتفاع العقود الآجلة وزيادة شهية المستثمرين نحو المخاطرة، في ظل استقرار الأوضاع السياسية وتراجع حدة التوترات”.
قد يهمّك أيضًا: دول الخليج تدرس خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز