الاتفاق التجاري الأمريكي الأوروبي: نهاية الحرب التجارية أم بداية جديدة؟
في خطوة تعتبر الأضخم في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق تجاري جديد مع الاتحاد الأوروبي، وصفه بأنه “الاتفاق الأكبر على الإطلاق”، مؤكدًا أن الاتفاق سيوفر الاستقرار الاقتصادي بين الولايات المتحدة والتكتل الأوروبي، بعد مفاوضات امتدت لأشهر وشهدت توترات متصاعدة.
جاء إعلان ترامب عقب اجتماعه مع رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين، في اسكتلندا، حيث كشف أن الاتفاق يتضمن فرض رسوم جمركية أمريكية بنسبة 15% على المنتجات الأوروبية، مقابل فتح كامل لأسواق دول الاتحاد أمام المنتجات الأمريكية.
وأضاف ترامب أن الاتحاد الأوروبي سيشتري طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، تتضمن صادرات الغاز الطبيعي والنفط، في إطار خطة أوروبية لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، مشيرًا إلى أن الاتفاق التجاري يشمل أيضًا شراء معدات عسكرية أمريكية، في مؤشر على توسيع مجالات التعاون التجاري والعسكري بين الطرفين.
وبالإضافة إلى صادرات الطاقة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستجني استثمارات مباشرة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 600 مليار دولار، ما يرفع القيمة الإجمالية للاتفاق إلى 1.35 تريليون دولار، موزعة على مدى السنوات الثلاث المقبلة.
كواليس الاتفاق التجاري
أعربت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، عن ترحيبها بالاتفاق ووصفته بأنه “جيد”، معتبرة أنه يمثل تقدمًا كبيرًا في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، رغم الجدل الذي أثارته بنوده داخل العواصم الأوروبية.
وكان ترامب قد حدد في بداية أبريل الماضي مهلة 90 يومًا لإجراء محادثات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وهي المهلة التي كان من المفترض أن تنتهي في 9 يوليو، دون التوصل لاتفاق حينها، مما دفع واشنطن إلى التهديد باتخاذ إجراءات أحادية أكثر صرامة.
وتُعد هذه الاتفاقية تتويجًا لضغوط متواصلة مارستها إدارة ترامب لإعادة صياغة العلاقات التجارية مع أوروبا وفق نهج “أمريكا أولًا”، وسط انتقادات من بعض العواصم الأوروبية التي ترى في بنود الاتفاق انحيازًا واضحًا للمصالح الأمريكية على حساب السيادة الاقتصادية الأوروبية.
ومع أن الاتفاق يهدف إلى تجنب حرب تجارية شاملة بين الطرفين، إلا أنَّ تفاصيله، خاصة ما يتعلق بالرسوم الجمركية وتدفقات الاستثمارات وشراء المعدات العسكرية، ستخضع لتدقيق واسع داخل المؤسسات الأوروبية، ما قد يفتح الباب أمام صراعات سياسية واقتصادية داخلية حول مدى ملاءمته للمصالح الاستراتيجية لدول الاتحاد.
اطّلع أيضًا على: تهديدات الاتحاد الأوروبي بالرد على الرسوم الأمريكية خلال المفاوضات
ردود فعل متباينة داخل الاتحاد الأوروبي
قال الدكتور مصطفى أبو زيد، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية، إنَّ الاتفاقية التجارية التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بقيمة إجمالية تتجاوز 1.35 تريليون دولار، تمثل نقطة تحوّل استراتيجية في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن خلل واضح في موازين القوة التفاوضية، تصب في صالح واشنطن بشكل صريح.
وأضاف أبو زيد أن هذه الاتفاقية تعكس انتصارًا سياسيًا واقتصاديًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طالما سعى لإعادة صياغة العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي من منطلق أحادي يقوم على الضغط والعقوبات التجارية، لا سيما في القطاعات الحيوية كصادرات السيارات الأوروبية.
وأوضح أن ردود الفعل الأوروبية جاءت متباينة وحادة، وتعكس صراعًا داخليًا بين من يرى الاتفاقية ضرورة استراتيجية، ومن يعتبرها تنازلاً سياديًا موجعًا، فمثلاً، رأت أورسولا فون دير لاين أن الاتفاق يمثل فرصة حقيقية لأوروبا لـ”تنويع مصادر الطاقة والاستغناء عن الاعتماد الروسي”، في إشارة واضحة لتداعيات الحرب في أوكرانيا، لكن ذلك لا يخفي حقيقة أن أوروبا استبدلت تبعية بأخرى، من موسكو إلى واشنطن، بحسب تعبيره.
فرنسا ترفض… وألمانيا تتحفظ… وإيطاليا ترحب
أشار أبو زيد إلى أن فرنسا هي أبرز المعترضين على الاتفاق، حيث وصفه الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية بنجامان حداد بأنه “حل مؤقت وغير متوازن”، في حين ذهبت المعارضة الفرنسية إلى اعتباره تقويضًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وانبطاحًا أمام الضغوط الأمريكية، مما يمثل فشلًا سياسيًا واقتصاديًا للاتحاد.
أما على الجانب الألماني، فقد أكَّد أبو زيد أن الاتفاق التجاري لاقى ترحيبًا حذرًا، حيث رأت الحكومة الألمانية فيه وسيلة لتفادي حرب تجارية كارثية، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية السابقة بفرض رسوم جمركية مرتفعة تصل إلى 27% على السيارات الألمانية، في حين تم تخفيضها إلى 15% بموجب الاتفاق. ومع ذلك، وصف اتحاد المصدرين الألمان الاتفاق بأنه “تسوية مؤلمة” و”إهانة لمكانة الاتحاد الأوروبي”، مشيرًا إلى أن برلين أُجبرت على التراجع عن مواقفها للحفاظ على صادراتها الاستراتيجية.
وفي المقابل، لفت الخبير إلى أن إيطاليا كانت من الدول المرحبة بالاتفاقية، حيث اعتبرتها رئيسة الوزراء الإيطالية إجراءً وقائيًا يحول دون اندلاع نزاع تجاري لا تُحمد عواقبه، مؤكدة أن القطاعات الاقتصادية قادرة على استيعاب الرسوم الجمركية الجديدة التي لا تتجاوز 15%.
ماذا أحرز ترامب في 6 أشهر؟ قرارات تربك الأسواق وتعيد تشكيل الاقتصاد الأمريكي!
تراجع حاد في استقلالية القرار الأوروبي
ختم الدكتور مصطفى أبو زيد تصريحاته بالقول إن هذه الاتفاقية، رغم ما تحققه من مكاسب فورية على صعيد تأمين الطاقة وتفادي العقوبات، تكشف عن تراجع حاد في استقلالية القرار الأوروبي، وتؤكد أن المعادلة الاقتصادية العالمية باتت تُدار من طرف واحد يفرض شروطه بلا توازن حقيقي.
وأضاف: “قد تكون هذه الاتفاقية مكسبًا تكتيكيًا لأوروبا في المدى القصير، لكنها تؤسس لعلاقة استراتيجية تُعيد ترسيخ التبعية للولايات المتحدة في ظل غياب مشروع أوروبي مستقل قادر على حماية مصالحه الذاتية”.
فتح الأسواق الأوروبية أمام الصادرات الأمريكية
قالت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، إنَّ الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يمثل انفراجة مهمة لإنهاء حالة عدم اليقين التي خيمت على المشهد الاقتصادي العالمي خلال الأشهر الماضية، مؤكدة أن هذا الاتفاق، رغم ما يحمله من تنازلات، يعد أفضل بكثير من الانزلاق نحو صراع تجاري شامل كانت تداعياته ستكون باهظة على الطرفين.
وأوضحت رمسيس أن الأسواق لا تتعامل بحيادية مع التهديدات التجارية، وأن التلويح المتبادل بفرض رسوم جمركية خلال الفترة الماضية، خاصة من جانب دونالد ترامب، أدى إلى تراجع شهية المستثمرين ووقف قرارات توسع عديدة كانت قيد الدراسة، وأضافت: “حالة الترقب والخوف من انفجار تجاري كانت تؤثر سلبًا على تدفق رؤوس الأموال، وبالتالي فإن الوصول إلى اتفاق –حتى لو لم يكن مثالياً– يضع حداً لهذه المخاطر ويعيد بعض الثقة للأسواق”.
شددت رمسيس على أن ترامب يسعى من خلال هذا الاتفاق إلى ما يسميه “العدالة التجارية”، والتي تعني في نظره فتح الأسواق الأوروبية بشكل أوسع أمام الصادرات الأمريكية، خصوصًا في القطاعين الزراعي والصناعي، دون عوائق أو تعريفات مرتفعة.
وفي الوقت ذاته، نبهت رمسيس إلى أنَّ “بعض بنود الاتفاق لا تزال غامضة، وعلى رأسها ملف الصادرات الزراعية الأمريكية، الذي يُعد نقطة خلافية قائمة لم يتم حسمها بعد بشكل واضح”.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط
ثغرات في الاتفاق تهدد استدامته
كشفت حنان رمسيس أن الاتفاق لم يشمل بعض القطاعات الاستراتيجية التي كان من المتوقع إدراجها، مثل الألمنيوم والصلب، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية أصرت على إبقائهما خارج الإطار الجمركي المخفف، وفرضت عليهما تعريفات مرتفعة تصل إلى 50% تحت مبرر حماية الأمن القومي. ووفقًا لها فإنّ ذلك يعدُّ “مؤشرًا على أن واشنطن ما زالت تستخدم الرسوم كسلاح تفاوضي لا يمكن التنازل عنه في قطاعات تراها حساسة لأمنها الصناعي”.
كما تم استثناء قطاع الأدوية من التفاهمات الجمركية، ما يعني أن المنتجات الدوائية الأوروبية قد تخضع لتعريفات أعلى في المستقبل القريب، وهو ما قد يؤدي إلى خلل في التوازن التجاري داخل القطاع الصحي ويؤثر على التبادل الدوائي بين ضفتي الأطلسي، بحسب لرمسيس.
وفي ختام تصريحاتها، حذرت الخبير الاقتصادية من أنَّ هذه الاستثناءات قد تُضعف من جدوى الاتفاق على المدى الطويل، قائلة: “صحيح أن الاتفاق ساهم في تهدئة الأسواق، لكنه لا يزال يحمل في طياته قنابل مؤجلة قد تعيد إشعال التوتر التجاري إذا لم تتم معالجتها من خلال مفاوضات تفصيلية لاحقة، وخاصة في القطاعات المستثناة التي لا تقل أهمية عن تلك التي شملها الاتفاق”.
قد يهمّك أيضًا: اتفاق جمركي تاريخي بين أمريكا واليابان بقيمة 550 مليار دولار