جدل اقتصادي قبل اجتماع المركزي المصري.. خفض الفائدة أم تثبيتها؟

مع اقتراب موعد اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يوم الخميس 28 أغسطس 2025، تتجه الأنظار إلى القرار المرتقب بشأن أسعار الفائدة، وسط انقسام بين محللين اقتصاديين حول اتجاه السياسة النقدية المقبلة، فبينما تؤكد مؤشرات التضخم الأخيرة تراجعًا في الأسعار يفتح المجال أمام خفض وشيك للفائدة، يرى آخرون أن اعتبارات التمويل الخارجي وخطط إصدار الصكوك الدولية قد تدفع المركزي إلى التريث.

تأثير بيانات التضخم على قرار الفائدة المرتقب

قال هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، إن البيانات الأخيرة الخاصة بالتضخم في مصر، إضافة إلى التطورات في أسعار السلع والخدمات، تدعم بقوة سيناريو خفض أسعار الفائدة خلال اجتماع البنك المركزي المصري المقبل، وأوضح أن الخفض قد لا يقل عن 2%، مع احتمالية خفض أكبر يصل إلى 3% بنسبة تقترب من 50%.

وبيّن حافظ أن الرسم البياني لمساهمة البنود الرئيسية في التضخم الشهري يظهر انخفاض متوسط الأسعار بنسبة 0.5% خلال يوليو مقارنة بالشهر السابق، وقاد هذا التراجع بالأساس انخفاض أسعار الخضروات والفاكهة والسلع الغذائية الأساسية مثل الدواجن، فيما كان ارتفاع أسعار السجائر السبب الوحيد الذي حدّ من مزيد من الانخفاض.

وأضاف: “رغم أن بيانات تضخم أغسطس لن تصدر إلا بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية بنحو 13 يومًا، فإن قرارات المركزي عادة ما تستند بدرجة أكبر إلى التوقعات المستقبلية، وليس فقط إلى البيانات التاريخية”، مشيرًا إلى أن هذا النهج يعكس محاولة استباق الضغوط الاقتصادية بدلًا من الاستجابة لها بعد حدوثها.

اطّلع أيضًا على أحدث بيانات التضخم السنوي في مصر المسجّله في يوليو 2025

دلالات أسعار السلع

أشار حافظ إلى أنَّ بحوث الأهلي فاروس توقعت خفضًا في الفائدة لا يقل عن 2%، مع احتمال خفض أكبر بنسبة 3%، واستندت هذه التقديرات إلى مقارنة أسعار السلع والخدمات بين أول أغسطس و21 أغسطس، اعتمادًا على بيانات رسمية منشورة.

وبحسب هذه البيانات، شهدت أسعار الخضروات تراجعًا كبيرًا، بينما استقرت أسعار اللحوم والدواجن، وظلت السلع المحددة إداريًا والخدمات مثل المواصلات دون تغيير، فهذه المؤشرات تعكس مسارًا انخفاضيًا للتضخم للشهر الثاني على التوالي، وهو ما يمنح المركزي فرصة للتحرك نحو خفض الفائدة دون المساس باستقرار الأسعار.

ستة أسباب تدعم خفض أسعار الفائدة

أوضح حافظ أن هناك ستة عوامل رئيسية تدعم خفض الفائدة بنسبة 3%:

  • ارتفاع قيمة الجنيه مقابل الدولار خلال الأسابيع الأخيرة، ما يقلل من ضغوط الاستيراد.
  • تأجيل الحكومة رفع أسعار الكهرباء، وهو ما خفف من تكاليف المعيشة.
  • تأجيل رفع أسعار الغاز للمصانع، ما ساهم في تقليل الضغوط التضخمية.
  • مبادرات حكومية تستهدف خفض أسعار السلع التموينية والمعمرة.
  • فائض الإنتاج المحلي في الدواجن والسكر، ما يدعم وفرة المعروض وانخفاض الأسعار.
  • توقعات متزايدة بأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يخفض الفائدة في سبتمبر بواقع ربع نقطة مئوية بعد بيانات العمل الضعيفة، وهو ما يمنح الأسواق الناشئة مرونة إضافية.

وأشار حافظ إلى أنَّ هذه العوامل قد تخفض معدل التضخم السنوي من 13.9% في يوليو إلى 11% في أغسطس، وأضاف: “في هذه الحالة، سيكون الفارق بين سعر الفائدة الأساسي (25%) والتضخم السنوي (11%) نحو 14%، وهو فارق مريح يسمح للمركزي بخفض الفائدة دون تهديد استقرار الأسعار”، موضحًا أن الفارق الأدق يبلغ 12.5% إذا تم حسابه بالطريقة الصحيحة.

التدفقات الأجنبية الساخنة وتوقعات نهاية العام

حول القلق من خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة “الأموال الساخنة”، أكد الخبير أن الفائدة الحقيقية في مصر ستظل من الأعلى عالميًا حتى بعد الخفض، ما يحافظ على جاذبية أدوات الدين المحلية، لكنه حذر من أن هذا الاتجاه قد يكون مؤقتًا، إذ من المتوقع أن يعود التضخم للارتفاع إلى 14–15% بنهاية العام إذا تم رفع أسعار الطاقة والمحروقات.

واختتم قائلاً: “المركزي أمام فرصة تاريخية لخفض كبير في الفائدة، لكن المسار المستقبلي سيعتمد على السياسات المرتبطة بالطاقة وأسعار الصرف، وكذلك على التطورات العالمية”، مشددًا على أهمية الحذر في إدارة المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: مصر تدخل مرحلة جديدة في الطاقة النظيفة عبر تخزين الطاقة بالبطاريات

الصكوك الدولية وأولويات التمويل الحكومي

قدّمت الدكتورة  مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، رؤية أكثر تحفظًا، مرجحة أن البنك المركزي قد يفضل الإبقاء على أسعار الفائدة كما هي في الاجتماع المقبل، نظرًا لاعتبارات تمويلية داخلية وظروف خارجية غير مستقرة.

وأوضحت أنَّ اتجاه الحكومة لإصدار صكوك دولية بقيمة مليار دولار بين سبتمبر وأكتوبر 2025 يمثل عاملًا رئيسيًا قد يعزز من احتمالية تثبيت أسعار الفائدة، وقالت: “الحفاظ على مستويات فائدة مرتفعة يعد ضروريًا لضمان عوائد مغرية للمستثمرين، بما يعزز الإقبال على أصول الجنيه المصري ويدعم نجاح إصدار الصكوك”، مشيرًة إلى أن أي خفض كبير قبل هذا التوقيت قد يضعف جاذبية أدوات الدين.

وأضافت أن حالة الضبابية التي تسيطر على الاقتصاد العالمي –خاصة مع استمرار ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة– قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي لتأجيل دورة التيسير النقدي، وهو ما يفرض قيودًا على تحركات البنوك المركزية في الأسواق الناشئة. وأكدت أن اجتماع المركزي المصري سيضع هذه التطورات في الحسبان، خصوصًا مع حساسية السوق لتحركات الدولار وتوجهات المستثمرين الدوليين.

سيناريوهات الفائدة حتى نهاية 2025

توقعت خضر أن يبدأ المركزي المصري خفضًا تدريجيًا للفائدة في الربع الأخير من العام، قائلةً: “من المرجح أن يبدأ الخفض في أكتوبر بخفض أولي قدره 100 نقطة أساس، يتبعه خفضان إضافيان في نوفمبر وديسمبر، ليصل إجمالي التخفيض خلال 2025 إلى ما بين 600 و700 نقطة أساس”.

وأوضحت أن هذه الوتيرة التدريجية ستكون أكثر أمانًا، لأنها تسمح بموازنة ثلاثة أهداف أساسية: السيطرة على التضخم، والحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية، وضمان استقرار تدفقات النقد الأجنبي.

واختتمت  الخبيرة  تصريحاتها مؤكدة أن قرار الفائدة المقبل سيكون نتيجة مزيج من الاعتبارات الاقتصادية والتمويلية، قائلة: “المركزي حريص على ألا يؤثر أي خفض للفائدة على جاذبية الجنيه المصري أو على خطط الحكومة لتمويل العجز عبر أدوات الدين والصكوك”، مشددة على أن التوقيت والجرعة سيكونان عاملا الحسم في القرارات المقبلة.

قد يهمّك أيضًا: تحويلات المصريين بالخارج.. درع الاقتصاد وقت الأزمات

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة