احتجاجات إيران تتصاعد وسط أزمة اقتصادية خانقة وتحذيرات أمريكية
تشهد إيران واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا وخطورة منذ عقود، في ظل تصعيد غير مسبوق على المستويين الداخلي والدولي، تزامنًا مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية داخل عشرات المدن الإيرانية، وتزايد حدة الضغوط الخارجية، وعلى رأسها الموقف الأمريكي الذي حمل هذه المرة نبرة مباشرة وحاسمة تجاه السلطات في طهران.
وفي تطور لافت في الخطاب السياسي الأمريكي، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا شديد اللهجة إلى القيادة الإيرانية، عبر بيان نشره على منصة “تروث سوشيال”، أكد فيه أن أي استخدام مفرط للقوة أو لجوء إلى إطلاق النار على المتظاهرين السلميين، وسقوط قتلى نتيجة القمع الأمني، سيقابل بتدخل أمريكي فوري وحاسم، لمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات. وأكد ترامب أن الولايات المتحدة في حالة استعداد كامل للتعامل مع هذا السيناريو، في رسالة اعتبرها مراقبون تحولًا نوعيًا في السياسة الأمريكية تجاه الداخل الإيراني.
ردود فعل غاضبة على التدخل الأمريكي
التحذير الأمريكي قوبل بردود إيرانية غاضبة وتصعيدية، إذ اعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني أن أي تدخل أمريكي في الشأن الداخلي الإيراني يمثل “مغامرة خطيرة” من شأنها زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وتدمير المصالح الأمريكية. وأضاف أن الشعب الأمريكي يجب أن يدرك أن رئيسه هو من سيبدأ هذه المغامرة، مختتمًا تصريحاته بعبارة حملت وعيدًا صريحًا: “راقبوا مصير جنودكم”.
في السياق ذاته، صعّد مستشار المرشد الإيراني، علي شمخاني، من لهجته، مؤكدًا أن الأمن القومي الإيراني “خط أحمر”، وليس مادة للتغريدات أو البيانات السياسية، ومتوعدًا بقطع يد أي طرف يتدخل في شؤون بلاده قبل أن تصل إلى الداخل الإيراني، محذرًا من ردود “موجعة” ستؤدي إلى الندم.
كما أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن جميع القواعد العسكرية الأمريكية وقواتها المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط ستتحول إلى “أهداف قانونية” في حال أقدمت واشنطن على أي عمل عسكري أو تدخل مباشر، في تصعيد يعكس استعدادًا إيرانيًا للمواجهة المفتوحة، ولو على مستوى الخطاب السياسي في هذه المرحلة.
تزايد الضغط الشعبي في إيران
اتسعت رقعة الاحتجاجات الشعبية بوتيرة متسارعة، في مشهد وصفه مراقبون بأنه الأوسع منذ سنوات، فقد أقدم متظاهرون على إحراق مقرات تابعة للحرس الثوري وقوات “الباسيج” في عدد من المدن، من بينها أسد آباد بمحافظة همدان، وجونقان في محافظة جهارمحال وبختياري. كما أظهرت مقاطع مصورة انسحاب قوات الأمن من بعض المناطق بعد خروج الاحتجاجات عن السيطرة، في مؤشر نادر على حجم الضغط الشعبي.
كما سجَّلت محافظة الأحواز احتجاجات عنيفة شملت إحراق مبانٍ حكومية ومرافق شرطية، في وقت لجأت فيه القوات الأمنية إلى استخدام الغاز المسيل للدموع ووسائل القمع لتفريق المتظاهرين واعتقال عدد منهم، وسط تقارير عن اعتداءات جسدية بحق المحتجين.
ويردد المتظاهرون شعارات غير مسبوقة في حدتها، من بينها هتافات مباشرة ضد المرشد الأعلى علي خامنئي، تعكس حجم الغضب الشعبي المتراكم من القمع السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتشير تقديرات إلى أن الاحتجاجات امتدت إلى أكثر من 72 مدينة، وأسفرت عن سقوط قتلى في صفوف المتظاهرين، إلى جانب آلاف المعتقلين.
اقرأ أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟
هل تنفذ إيران تهديدها تجاه أمريكا؟
يرى محمد خيري، الباحث في الشأن الإيراني، أن التحذير الأمريكي يمثل تحولًا لافتًا مقارنة بالمواقف السابقة، خاصة خلال احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، حين التزمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بسياسة عدم التدخل، ويُنظر إلى هذا التغير باعتباره دعمًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا للمتظاهرين، ورسالة واضحة للنظام الإيراني بأن هامش القمع لم يعد مفتوحًا كما كان في السابق.
في المقابل، شكك في قدرة إيران على تنفيذ تهديداتها باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية، معتبرًا أنَّ أي خطوة من هذا النوع قد تمثل انتحارًا سياسيًا وعسكريًا، وتمنح واشنطن شرعية كاملة لتوجيه ضربة واسعة للنظام الإيراني، بمشاركة قوى إقليمية، وربما فتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تشمل تفكيك الدولة أو إعادة رسم خريطتها السياسية.
ولفت الخبير إلى أن هذا التصعيد السياسي والأمني يتقاطع مع أزمة اقتصادية خانقة تمثّل المحرّك الأساسي لموجة الاحتجاجات، إذ يمرّ الاقتصاد الإيراني بمرحلة تدهور حاد لم يكن مفاجئًا، بقدر ما هو حصيلة مسار طويل من الضغوط البنيوية التي بدأت مع فرض العقوبات الدولية، واستمر تأثيرها العميق والمباشر في تقويض معيشة المواطنين وتآكل قدرتهم على تحمّل الأعباء الاقتصادية المتزايدة.
وبين تسعينيات القرن الماضي ونهاية الألفية الثانية، كان الاقتصاد الإيراني يشهد نموًا نسبيًا مدفوعًا بعائدات النفط وانفتاح محدود على الأسواق العالمية، قبل أن ينقلب المشهد مع تشديد العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي.
تضخم قياسي وانهيار تاريخي للقوة الشرائية في إيران
يرى الخبير، أنه رغم أن الاتفاق النووي عام 2015 منح طهران متنفسًا اقتصاديًا مؤقتًا سمح بعودة تدريجية للصادرات النفطية، إلا أنّ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أعاد فرض العقوبات، وقطع شريان النفط، وعزل إيران عن النظام المالي العالمي، ونتيجة لذلك دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة ركود ممتدة دون نمو حقيقي يُذكر منذ قرابة عقد.
وتشير البيانات إلى أن سوق العمل بات شبه جامد عند نحو 23 مليون وظيفة، رغم زيادة عدد السكان بنحو عشرة ملايين نسمة، في حين قفزت الأسعار بأكثر من 1100% خلال عشر سنوات، وسجلت أسعار الغذاء وحدها ارتفاعًا بنسبة 26% خلال شهر واحد، مع توقعات بوصول معدلات التضخم إلى نحو 47%.
أما الريال الإيراني، فقد فقد قرابة 90% من قيمته خلال خمس سنوات، متراجعًا من نحو 40 ألف ريال للدولار إلى أكثر من 330 ألف ريال حاليًا، ما عمّق الأزمة المعيشية ورفع مستويات السخط الشعبي.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حكومته تتحمل مسؤولية ما يجري، محذرًا من أن تجاهل مطالب المواطنين في العيش الكريم قد يقود البلاد إلى “جهنم”، في تصريح عكس إدراكًا رسميًا لخطورة الوضع، وإن بدا متأخرًا في نظر كثيرين.
اقرأ أيضًا: انهيار غير مسبوق للريال الإيراني وسط ضغوط داخلية وخارجية
الأزمة الإيرانية والعقوبات الأمريكية
في قراءة تحليلية للمشهد، قال الدكتور أحمد عناني إن ما يجري في إيران لا يمكن فهمه باعتباره موجة احتجاجية عابرة، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، وأوضح أن فتح الحكومة الإيرانية باب الحوار مع ممثلي المتظاهرين خطوة إيجابية من حيث الشكل، لكنها تظل محدودة التأثير ما لم تُترجم إلى سياسات اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن.
كما أكد أن جوهر الأزمة الإيرانية يرتبط بشكل مباشر باستمرار العقوبات الأمريكية، التي أفرغت الاقتصاد من قدرته على النمو، وأدخلت الدولة في حلقة مفرغة من التضخم وتراجع العملة وارتفاع معدلات الفقر، وأضاف أن الانقسام داخل دوائر صنع القرار بين تيار يدفع باتجاه “الاقتصاد المقاوم” وتيار آخر يراهن على المفاوضات والانفتاح الاقتصادي، عطّل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة.
وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن الضغوط والتهديدات المتواصلة من الولايات المتحدة وإسرائيل لم تقتصر آثارها على المستوى الرسمي، بل انعكست نفسيًا بشكل مباشر على الشارع الإيراني، وأسهمت في تعميق حالة القلق وعدم اليقين، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى الشارع في ظل شعور عام بانسداد الأفق.
اقرأ أيضًا: عودة العقوبات على طهران تُطيح بالريال الإيراني
دعم السلع الأساسية وضبط سوق الصرف
شدد عناني على أن الحكومة الإيرانية مطالبة في هذه المرحلة باتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة، مثل إعادة دعم السلع الأساسية، وضبط سوق الصرف، وحماية الفئات الأكثر تضررًا، محذرًا من أن الاكتفاء بخطاب الحوار دون حلول عملية سيؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات وتحولها إلى موجات أكثر حدة يصعب احتواؤها لاحقًا.
في هذا الإطار، استحضر عناني تجربة الثمانينيات خلال الحرب العراقية–الإيرانية، حين لجأت السلطات إلى سياسات تقنين السلع وتوفير الاحتياجات الأساسية بأسعار مدعومة، ما ساعد المواطنين على الصمود رغم قسوة الظروف، وأشار إلى أن غياب سياسات مشابهة اليوم، أو ضعف تطبيقها، يزيد من حدة الأزمة، رغم الحاجة الملحّة إليها.
عودة ملف البرنامج النووي والقدرات الدفاعية إلى الواجهة
كما لفت إلى أن عودة ملف البرنامج النووي والقدرات الدفاعية إلى الواجهة، بالتوازي مع الاحتجاجات، يعكس محاولة من طهران لإعادة توجيه النقاش نحو قضايا الأمن القومي، مؤكدًا أن هذا الخطاب قد ينجح مرحليًا في تعبئة القاعدة الصلبة للنظام، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الإيراني يقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع أزمات الداخل مع ضغوط الخارج، محذرًا من أن أي مقاربة أمنية أو سياسية منفردة، دون إصلاحات اقتصادية حقيقية، لن تكون كافية لاحتواء الغضب المتصاعد في الشارع الإيراني أو ضمان استقرار الدولة على المدى المتوسط.
يبدو أنّ التحولات في الخطاب الأمريكي والردود الإيرانية التصعيدية تُشير إلى أن مرحلة “الصبر الاستراتيجي” قد انتهت، لتبدأ مرحلة جديدة ستحدد نتائجها ليس فقط مستقبل طهران، بل وتوازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط برمتها.
قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة