ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب حرب إيران.. هل يواجه العالم أزمة غذاء؟

تتجه الأنظار إلى تداعيات الحرب على بإيران، والتي تمتد بشكل مباشر إلى الأمن الغذائي العالمي، في ظل تعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز؛ حيث أدى توقف الشحن عبر المضيق إلى اضطراب واضح في إمدادات الأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون حول العالم، ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار، حيث ارتفعت أسعار الأمونيا بنحو 92%، واليوريا بنسبة 70% مقارنة بالعام الماضي، وهو ما ينذر بزيادة كبيرة في تكاليف الإنتاج الزراعي، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.

وفي مواجهة هذه التطورات، سارعت حكومات في آسيا وأوروبا إلى اتخاذ إجراءات لحماية المستهلكين من تداعيات ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء الناتجة عن الحرب، وتضمنت هذه الإجراءات دعم الوقود، وفرض سقوف للأسعار، إلى جانب الإفراج الطارئ عن مخزونات السلع الأساسية، كما تدخلت بعض الحكومات بشكل مباشر في أسواق الطاقة، في محاولة لتخفيف الضغوط على الأسر.

مضيق هرمز نقطة الاختناق لسلاسل إمداد الأسمدة

أوضح محمد الخشن، خبير صناعة الأسمدة، أن الأزمة الحالية تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي، مشيرا إلى أن جذور المشكلة تكمن في أن مضيق هرمز يعد نقطة اختناق رئيسة لسلاسل الإمداد العالمية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الأساسية الداخلة في صناعة الأسمدة.

وبين أن نحو 50% من الإمدادات العالمية من الكبريت تمر عبر المضيق، إلى جانب ما يتراوح بين 33% و35% من الأمونيا، و نحو 30% من اليوريا القادمة من دول الخليج، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي له تأثير واسع النطاق على الإنتاج الزراعي عالميًا.

وأشار إلى أن السوق شهدت تقلبات حادة وغير معتادة، حيث ارتفعت أسعار اليوريا بشكل سريع خلال أسبوع واحد فقط، لتصل إلى نحو 625 دولارًا للطن، بعدما كانت تتراوح بين 450 و455 دولارًا، وهو ما يعكس حجم الاضطراب في السوق.

اقرأ المزيد في التقرير: تعطل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات الأسمدة العالمية

انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المنتجات

أوضح الخشن أنَّ طبيعة سوق الأسمدة عادة ما تتسم بالاستقرار النسبي، وبالتالي فإن أي تغيرات حادة فيها تكون آثارها قوية ومباشرة، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار الأسمدة يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها نتيجة ارتفاع التكلفة، وهو ما يؤدي بدوره إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، وبالتالي ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية.

وأضاف أن التأثيرات قد تظهر سريعًا في بعض القطاعات، مثل الحبوب التي تستغرق نحو 6 أسابيع فقط، حيث من المتوقع أن تشهد الأسواق ارتفاعات حادة في الأسعار، كما قد تمتد التأثيرات إلى منتجات أخرى مثل الألبان والبيض خلال فترة تصل إلى ثلاثة أشهر، في حال استمرار الأزمة.

ولفت إلى أن الأزمة الحالية تأتي امتدادًا لسلسلة من الصدمات التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ عام 2020، بدءًا من جائحة كوفيد-19، مرورًا باضطرابات سلاسل الإمداد، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الأزمة الحالية التي قد تكون أكثر تأثيرًا على الأمن الغذائي من سابقاتها.

كما أشار إلى أن دولًا عديدة، بما في ذلك دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، قد تتأثر بشدة نتيجة اضطراب الإمدادات، خاصة أنها تعتمد بشكل كبير على استيراد مدخلات الإنتاج الزراعي. وأكد أن الأمن الغذائي أصبح مهددًا بشكل حقيقي، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين الأسمدة والإنتاج الزراعي، حيث تعتمد جميع المحاصيل تقريبًا على هذه المدخلات، بما في ذلك الأعلاف التي تُستخدم في تربية الحيوانات، وبالتالي فإن التأثير يمتد إلى اللحوم ومنتجات الألبان والبيض.

مستقبل أسعار الأسمدة

فيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أشار الخشن إلى وجود ثلاثة مسارات رئيسة، أولها احتواء الأزمة من خلال وقف التصعيد، وهو السيناريو الأفضل الذي قد يمنع تفاقم التداعيات، أما في حال استمرار الحرب لعدة أسابيع إضافية فقد تشهد الأسواق ارتفاعات أكبر في الأسعار، قد تتجاوز المستويات الحالية بشكل ملحوظ.

وأوضح أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار الأسمدة إلى مستويات أعلى بكثير، مقارنة بمستوياتها السابقة التي كانت تتراوح بين 320 و340 دولارًا، ما يعني تضاعف الأسعار وتأثيرات أعمق على الزراعة والغذاء. ورغم بعض محاولات التهدئة، أقر الخبير بأن الصورة العامة تظل مقلقة، خاصة في ظل ارتباط الأزمة بالوضع الجيوسياسي وإغلاق مضيق هرمز، ما قد يضطر الإمدادات إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة، وهو ما يزيد من الضغوط التضخمية العالمية.

وأكد أن الدول التي تعتمد على الاستيراد، خاصة في العالم العربي والدول النامية، ستكون الأكثر تأثرًا، نظرًا لضعف قدرتها الشرائية واعتمادها الكبير على الأسواق الخارجية. وأشار إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث تكون قدرة المواطنين على تحمل ارتفاع الأسعار محدودة.

واختتم الخبير تصريحاته بالتأكيد على أن العالم يواجه أزمة حقيقية في حال استمرار الحرب، مشددًا على أن الأرقام والمؤشرات الحالية تعكس حجم المخاطر دون الحاجة إلى المبالغة أو التشاؤم، بل من خلال قراءة موضوعية للواقع الاقتصادي العالمي.

قد يهمّك أيضًا: هل ينجح الإفراج عن الاحتياطي النفطي في كبح ارتفاع أسعار النفط؟

الصين تتخذ خطوات استثنائية

في هذا السياق، اتجهت الصين إلى اتخاذ خطوات استثنائية، حيث لجأت إلى السحب المبكر من احتياطياتها من الأسمدة، على خلاف ما جرت عليه العادة، كما طلبت من الشركات التي تحتفظ بمخزونات من الأسمدة توجيهها للبيع إلى المنتجين المحليين، وذلك بهدف تأمين احتياجات موسم الزراعة الربيعي.

وتدير الصين جزءًا من احتياطياتها من الأسمدة من خلال الشركات، حيث يتم الإفراج عن هذه المخزونات عادة لتلبية احتياجات المواسم الزراعية أو في حالات الطوارئ، مثل الكوارث الطبيعية، إلا أن الإفراج المبكر هذه المرة يعكس حجم القلق من تطورات السوق.

ورغم أن الصين من أكبر منتجي الأسمدة في العالم، فإنها اتخذت إجراءات لتقييد صادراتها من هذه المنتجات، مع التركيز على تعزيز الإمدادات المحلية. ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه أسعار مدخلات الأسمدة، وعلى رأسها اليوريا، ارتفاعًا كبيرًا، في ظل حالة من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب على إيران.

أزمة اليوريا مع توقف الغاز القطري

تعتبر اليوريا من أهم الأسمدة النيتروجينية الصناعية في العالم، حيث تلعب دورًا حيويًا في إنتاج الغذاء لنحو نصف سكان الكوكب، وتوصف في الأدبيات الزراعية بأنها عنصر أساسي يدعم الإنتاج الزراعي العالمي.

الجدير بالذكر أنّ صناعة اليوريا تعتمد بشكل رئيس على الغاز الطبيعي المسال، إلا أن إمداداته وخاصة القادمة من قطر توقفت نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطّل الإنتاج لدى عدد من الدول، من بينها الهند وبنغلاديش.

وفي هذا الإطار، واجهت الهند، التي تعد أكبر مستورد عالمي لليوريا رغم إنتاجها المحلي الكبير، تحديات متزايدة، ما دفعها إلى مطالبة الصين بتخفيف القيود المفروضة على صادرات اليوريا، والسماح لها بشراء بعض الشحنات،
إلا أن الصين اتخذت موقفًا مغايرًا، حيث شددت القيود على التصدير، وطلبت من المصدرين وقف شحنات اليوريا والأسمدة، في محاولة لتأمين احتياجاتها الداخلية في ظل الأزمة.

وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من دخول العالم في حلقة مفرغة، تبدأ بنقص الإمدادات، مرورًا بتراجع الإنتاج الزراعي، ثم ارتفاع الأسعار، وصولًا إلى نقص في كميات الغذاء عالميًا، وهو ما يجعل تداعيات الأزمة تتجاوز حدود الطاقة لتصل إلى الأمن الغذائي العالمي.

الأمن الغذائي العالمي في خطر

قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أنّ منطقة الشرق الأوسط تمثل لاعبًا رئيسًا في قطاع الأسمدة، حيث تساهم بنحو 33% من حجم السوق العالمية للأسمدة، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس بشكل مباشر على الأسواق الدولية.

وأشارت إلى أن الأسمدة، بمختلف أنواعها مثل اليوريا والفوسفات والنيتروجين، تعد عنصرًا أساسيًا في دعم الصناعات الغذائية والقطاع الزراعي، وبالتالي فإن أي خلل في إنتاجها أو إمداداتها لا يقتصر تأثيره على الأسواق فقط، بل يمتد إلى حياة المواطنين بشكل مباشر، وذلك من خلال تأثيره على الإنتاج الغذائي وسلاسل الإمداد.

وأضافت أنّ تعطل وصول هذه المنتجات إلى الأسواق العالمية قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، خاصة في ظل الاعتماد الكبير للعديد من الدول على واردات الأسمدة، وهو ما قد ينعكس في صورة ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، ومن ثم زيادة أسعار الغذاء عالميًا.

وتابعت: “بعض الدول في المنطقة أعلنت بالفعل حالة القوة القاهرة، من بينها قطر والبحرين والكويت، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها هذه الدول في ظل الظروف الحالية، سواء على مستوى الإنتاج أو التصدير”.

وشدّدت خضر أخيرًا على أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى فقدان جدوى الإنتاج في بعض الحالات، خاصة إذا تعذر تصدير المنتجات أو لم تتوافر أسواق لاستيعابها، وهو ما يمثل تحديا اقتصاديًا إضافيًا.

اقرأ أيضًا: الفاتورة غير المعلنة.. هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي الحرب على إيران؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة