ارتفاع أسعار الذهب عالميًا وسط ضغوط سياسية ونقدية متزايدة

شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال تعاملات اليوم الإثنين، 9 فبراير 2026، بعدما ارتفع سعر الأوقية في البورصات العالمية 35 دولارًا لتسجل قرابة 5000 دولار، بالتزامن مع تراجع الدولار الأمريكي، وجاء ذلك وسط حالة من القلق في الأسواق، بعد تصريحات سياسية أمريكية أعادت الجدل حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

في هذا السياق، قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إنَّ صعود أسعار الذهب يعكس تزايد المخاوف المرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية، خاصةً في ظل الإشارات المتزايدة إلى احتمالات تعرض البنك المركزي لضغوط سياسية، مضيفًا أن هذه المخاوف دفعت المستثمرين إلى العودة مجددًا للذهب كملاذ آمن، في مواجهة التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق المالية العالمية، سواء في أسواق الأسهم أو العملات.

وأشار إلى أن الذهب يستفيد تاريخيًا من فترات الغموض وعدم اليقين، خاصة عندما تتراجع الثقة في استقرار السياسات النقدية أو استقلالية البنوك المركزية، وهو ما يعزز من جاذبيته كأداة تحوط وحفظ للقيمة.

وكان سوق الذهب قد شهد تحركات إيجابية على المستويين المحلي والعالمي، مدفوعة بالارتفاع القوي في سعر الأوقية بالبورصات الدولية، بالتزامن مع استمرار تراجع الدولار الأمريكي لليوم الثاني على التوالي.

وأوضح إمبابي أن ضعف الدولار يجعل الذهب أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ما يدعم الطلب العالمي على المعدن النفيس، كما لفت إلى أن الأسواق المحلية تأثرت مباشرة بحركة الأوقية عالميًا، في ظل الترابط الوثيق بين الأسعار المحلية والعالمية، مع الأخذ في الاعتبار عوامل العرض والطلب المحلية.

تذبذب الأسعار يعكس حالة عدم اليقين

أشار إمبابي إلى أن أسعار الذهب كانت قد تعرضت لتراجعات ملحوظة خلال الأسبوع الماضي، رغم تسجيل الأوقية العالمية مكاسب آنذاك، وهو ما يعكس حالة التذبذب وعدم الاستقرار التي تهيمن على أسواق المعادن النفيسة.

ويعزو محللون هذا التباين إلى تضارب المؤشرات الاقتصادية العالمية، ما بين بيانات تشير إلى تباطؤ اقتصادي محتمل، وأخرى تعكس مرونة نسبية في بعض القطاعات، الأمر الذي يربك حسابات المستثمرين ويدفعهم إلى التحرك بحذر شديد.

وواصل الذهب تداوله بالقرب من مستويات مرتفعة للأوقية، وإن ظل دون أعلى مستوياته المسجلة خلال الأسبوع الماضي، ويأتي ذلك في ظل صدور بيانات اقتصادية متباينة، عززت من حالة الحذر بين المستثمرين، ودعمت توجهاتهم نحو الأصول الآمنة دون الدخول في مراكز شراء مكثفة.

ويرى مراقبون أن بقاء الذهب قرب هذه المستويات المرتفعة يعكس قوة الدعم الأساسي للسوق، رغم الضغوط المتعارضة القادمة من أسواق الأسهم والعملات.

الدولار والسياسة النقدية الأمريكية

وفقًا للخبير، كان التراجع الملحوظ في الدولار الأمريكي أحد أبرز العوامل الداعمة لصعود الذهب، مدفوعًا بتوقعات الأسواق باتباع مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهجًا أكثر تيسيرًا في السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، وتزايدت هذه التوقعات مع تصاعد المخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، وهو ما أعاد إلى الواجهة أهمية الذهب كأصل لا يدر عائدًا، لكنه يوفر الحماية في أوقات الاضطراب.

وفي المقابل، حدّ التفاؤل النسبي في أسواق الأسهم العالمية من مكاسب الذهب، خاصة مع تراجع حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، ما عزز شهية المستثمرين نحو الأصول عالية المخاطر على حساب الملاذات الآمنة.

ويترقب المستثمرون خلال الأسبوع الجاري صدور عدد من البيانات الاقتصادية الأمريكية المؤثرة، في مقدمتها تقرير الوظائف غير الزراعية، وبيانات التضخم الاستهلاكي، لما لهما من دور محوري في تحديد توجهات السياسة النقدية الأمريكية، ومسار أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.

مع العلم أنّ هذه البيانات تؤثر بشكل مباشر على حركة الدولار، وبالتالي على أسعار الذهب، حيث يؤدي ضعف البيانات إلى زيادة الضغوط على الفيدرالي لخفض الفائدة، ما يدعم الذهب، بينما تدفع البيانات القوية إلى موجات تصحيحية مؤقتة.

اقرأ أيضًا: ترشيح كيفين وارش للفيدرالي.. هل يملك مفتاح خفض الفائدة؟

توقعات خفض الفائدة الأمريكية

بحسب أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME، تشير توقعات المتداولين إلى ارتفاع احتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية عدة مرات خلال عام 2026، مدعومة ببيانات حديثة أظهرت مؤشرات ضعف نسبي في سوق العمل الأمريكي.

وتساهم هذه التوقعات في تعزيز الطلب على الذهب، باعتباره أحد المستفيدين الرئيسين من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، التي تقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن النفيس.

في هذا السياق، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا في الأسواق، بعد إشارته إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، في حال عدم خفض أسعار الفائدة، ورغم محاولات لاحقة لاحتواء الموقف، إلا أن هذه التصريحات زادت من حدة المخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي الأمريكي.

كما ساهمت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي في زيادة حالة الارتباك، قبل أن يؤكد لاحقًا أن هذه التصريحات جاءت في إطار المزاح، وأن قرارات السياسة النقدية ستظل مستقلة، وهو ما لم ينجح بالكامل في تهدئة الأسواق.

دور المضاربات الصينية

في سياق متصل، أشار محللون إلى أن التقلبات الحادة التي شهدها سوق الذهب خلال الأسبوع الماضي تعود جزئيًا إلى المضاربات النشطة في السوق الصينية، وأوضحوا أن تشديد متطلبات الهامش في الصين أسهم في تحركات سعرية عنيفة، ما انعكس على الأسواق العالمية. ورغم أن هذه التحركات دعمت الدولار مؤقتًا، فإن تأثيرها على الذهب ظل محدودًا نسبيًا، في ظل استمرار العوامل الداعمة على المدى المتوسط والطويل.

وعلى صعيد البنوك المركزية، كشفت بيانات رسمية عن مواصلة الصين زيادة حيازاتها من الذهب للشهر الخامس عشر على التوالي، حيث ارتفعت الاحتياطيات بنحو 40 ألف أوقية خلال يناير، لتصل إلى مستويات قياسية، ما يعكس استمرار الطلب الرسمي القوي على المعدن الأصفر في ظل تصاعد المخاوف المالية العالمية. ويعتبر هذا الاتجاه أحد أهم العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل، حيث تسعى البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار.

من جهة أخرى، لفت محللو أحد البنوك العالمية إلى تنامي الدور الذي تلعبه شركة “تيثر” كمؤثر رئيس في سوق الذهب، بعد أن ارتفعت حيازاتها إلى نحو 125 طنًا من المعدن النفيس، ما يعكس تغيرًا في خريطة الطلب العالمي، مع دخول كيانات غير تقليدية إلى سوق الذهب.

اقرأ أيضًا: الذهب الصيني الجديد.. هل يُعيد تشكيل خريطة سوق المعدن الأصفر؟

تيثر.. لاعب جديد في سوق الذهب

قال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إن الارتفاعات الأخيرة في أسعار الذهب تمثل تطورًا لافتًا، لكنها تحمل في الوقت ذاته رسائل تحذيرية مهمة للمستثمرين، خاصة في ظل التقلبات السريعة التي تشهدها الأسواق.

وأوضح أن الذهب يتحرك حاليًا داخل اتجاه صاعد على المدى القصير، ما يجعل التراجعات فرص شراء محتملة، إلا أن المشهد يظل معقدًا على المدى المتوسط، في ظل سيطرة القلق على قرارات المستثمرين.

وحذر سلامة من ضخ كامل السيولة عند مستوى سعري واحد، مشددًا على أهمية الشراء المتدرج وإدارة المخاطر، خاصة مع احتمالات رفع متطلبات الهامش في بعض منصات التداول، وما قد يترتب على ذلك من تصحيحات حادة ومفاجئة.

وحول الآفاق المستقبلية، رجح سلامة إمكانية وصول الذهب إلى مستويات تقارب 6000 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مؤكدًا أن هذا الصعود لن يكون مباشرًا، بل سيمر بمراحل من الاضطراب والتصحيح.

قد يهمّك أيضًا:هل تؤثر أحداث فنزويلا على أسواق النفط والذهب؟ 

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة