شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار النسبي في السوق المحلية المصرية خلال تعاملات اليوم، السبت، بالتزامن مع العطلة الأسبوعية للبورصات العالمية، وذلك عقب تسجيل الأوقية مكاسب أسبوعية بنحو 1.6%، مدعومة بتراجع الدولار وتنامي التفاؤل بشأن المحادثات الأمريكية الإيرانية، إلى جانب صدور بيانات تضخم أمريكية حدّت من توقعات التيسير النقدي خلال عام 2026، وفقًا لتقرير “مرصد الذهب” للدراسات الاقتصادية.
وأوضح التقرير أن أسعار الذهب شهدت تراجعًا طفيفًا خلال تعاملات نهاية الأسبوع، سواء محليًا أو عالميًا، في ظل تحركات محدودة للأوقية، وسط حالة من الترقب في الأسواق، كما أشار إلى أن الاستقرار النسبي في السوق المحلية جاء بالتزامن مع إغلاق عدد من تجار الذهب الخام لمحالهم خلال الفترة من الجمعة إلى الاثنين، تزامنًا مع احتفالات أعياد الإخوة المسيحيين، وهو ما انعكس على هدوء حركة التداول.
ولفت إلى أن حركة المبيعات كانت قد شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال الأسبوع السابق بدعم من موسم الأعياد، خاصة عيد الأم، سواء في المشغولات أو السبائك، مع تفوق نسبي للأخيرة وفقًا لمتعاملين بالسوق، كما أشار إلى استمرار وجود فجوة سعرية بين السوقين المحلي والعالمي، بما يعكس اختلاف آليات التسعير بين الجانبين.
وعلى صعيد الفضة، استقرت الأسعار محليًا، في الوقت الذي سجلت فيه الأوقية عالميًا ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأسبوع، مدعومة بتحسن الطلب العالمي.
مكاسب متتالية للذهب رغم تقلبات الطاقة
عالميًا، واصل الذهب تحقيق مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، رغم حالة التذبذب الناتجة عن تقلبات أسعار النفط، حيث جاء هذا الأداء عقب إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، ما ساهم في تخفيف الضغوط على المعادن النفيسة خلال الفترة الماضية.
ويعكس هذا الأداء تحولًا في آلية تسعير الذهب، إذ لم تعد التوترات الجيوسياسية العامل الوحيد المؤثر، بل أصبحت الحركة السعرية أكثر تعقيدًا نتيجة تداخل عدة عوامل؛ تشمل أسعار النفط، والتضخم، والسياسة النقدية، وقوة الدولار، في ظل ترقب الأسواق لما بعد انتهاء الهدنة لتحديد الاتجاه المقبل.
كيف تؤثر أسعار النفط والتضخم على المعدن الأصفر؟
رغم أن تراجع التوترات الجيوسياسية عادة ما يقلل الطلب على الذهب كملاذ آمن، فإن ارتفاعه في هذه المرحلة ارتبط بانخفاض أسعار النفط، ما ساهم في تهدئة مخاوف التضخم، وأعاد تعزيز التوقعات بخفض أسعار الفائدة، وهو ما يدعم الذهب بشكل مباشر.
وتشير هذه التطورات إلى أن تحركات الذهب أصبحت مرتبطة بسلسلة مترابطة تبدأ من أسواق الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما يدفع البنوك المركزية للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، وبالتالي تقليل السيولة والحد من جاذبية الذهب، بينما يؤدي تراجع النفط إلى نتائج عكسية تدعم المعدن النفيس.
وأكد التقرير أن المخاوف المرتبطة بالتضخم تظل العامل الأكثر تأثيرًا على تحركات الذهب في الأجل القصير، خاصة في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي تسببت في اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد وأسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة والغاز.
وأظهرت البيانات الأمريكية أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع خلال مارس بنسبة 0.9% على أساس شهري، مقابل 0.3% في فبراير، لكنه جاء أقل من التوقعات، في حين استقر معدل التضخم السنوي عند 3.3%، كما ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.2% شهريًا وبنسبة سنوية بلغت 2.6%، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية ولكن بوتيرة معتدلة.
وفي هذا السياق، قللت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو من تأثير مفاجأة بيانات التضخم، مؤكدة أنها كانت متوقعة إلى حد كبير، وأشارت إلى أن وقف إطلاق النار كان عاملًا رئيسًا في تهدئة الضغوط، مضيفة أن السياسة النقدية الحالية كافية للسيطرة على التضخم مع الحفاظ على استقرار سوق العمل.
سيناريوهات خفض الفائدة الأمريكية وتأثيرها على السيولة
من جانبه، أبدى رئيس استراتيجية السلع في “ساكسو بنك” حذرًا تجاه أداء الذهب رغم تحسن الأسعار وارتفاع الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة، مشيرًا إلى أن الأسواق لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوضوح بشأن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وأن أي استقرار إضافي قد يدعم الاتجاه الصعودي للذهب، خاصة إذا اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة.
ويرى محللون أن الذهب قد يستعيد جاذبيته كملاذ آمن في حال بدأت الضغوط التضخمية تؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي، إلا أن المخاطر الحالية تتركز في احتمالية حدوث صدمة تضخمية تدفع المستثمرين إلى رفع توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة أو تقليص رهاناتهم على خفضها، ومع استمرار هذه الضغوط قد تتحول تدريجيًا إلى تباطؤ في النمو وانخفاض في العوائد.
ورغم التوقعات بأن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي على سياسته دون تغيير حتى نهاية الصيف على الأقل، فإن بعض المحللين لا يستبعدون بدء خفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام، مع تبني نهج حذر في ظل استمرار تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، واحتمال تنفيذ خفضين تدريجيين للفائدة خلال النصف الثاني من عام 2026 لدعم استقرار التضخم.
وفي الأسبوع المقبل، تترقب الأسواق الأمريكية صدور بيانات الإسكان ومؤشر أسعار المنتجين وبيانات الوظائف، إلى جانب خطاب مرتقب من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع متابعة تطورات المحادثات الأمريكية الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، لما لذلك من تأثير مباشر على اتجاهات الأسواق.
ويرى محللون أن الطلب القوي من البنوك المركزية، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتوقعات خفض الفائدة، إلى جانب توجه المستثمرين لتنويع محافظهم بعيدًا عن الدولار، تمثل جميعها عوامل داعمة لمسار الذهب على المدى الطويل.
رؤية المؤسسات الدولية لمستقبل الذهب
تتوقع مؤسسات بحثية، من بينها “إيه إن زد” ، أن يستأنف الذهب مساره الصاعد على المدى المتوسط مع تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، بما قد يدفع نحو عودة السياسات التيسيرية، مدعومًا بمشتريات البنوك المركزية التي قد تصل إلى نحو 850 طنًا خلال عام 2026.
كما يرى استراتيجيون في جي بي مورغان أن الذهب لم يعد يُنظر إليه فقط كملاذ آمن، بل كأصل استثماري ضمن المحافظ يهدف إلى تعزيز العوائد، مع تراجع ارتباطه التقليدي بالأزمات الجيوسياسية، مع استمرار دعمه من العوامل الهيكلية، مثل مشتريات البنوك المركزية وتراجع الاعتماد على الدولار، ما يبقيه ضمن مسار صاعد استراتيجي على المدى الطويل.
قد يهمّك أيضًا: معيار الذهب.. النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي