سجّلت أسعار الذهب والفضة ارتفاعًا ملحوظًا في الأسواق العالمية خلال تعاملات اليوم الإثنين، مدفوعة بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية، وعلى رأسها التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وهو ما عزز الطلب على الذهب كأحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الاضطراب وعدم اليقين.
وقال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن هذا الصعود جاء بعد موجة من التقلبات شهدها الذهب خلال الفترة الماضية، حيث عادت المخاوف الجيوسياسية لتفرض نفسها بقوة على قرارات المستثمرين، بالتوازي مع استمرار حالة الغموض المحيطة بالاقتصاد العالمي واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية.
وأضاف الخبير أنّه على الرغم من التراجع الذي شهده الذهب خلال الأسبوع الماضي على المستوى العالمي، فإن المعدن الأصفر لا يزال يحتفظ بمكاسب قوية على أساس سنوي، بعد أن حقق ارتفاعات لافتة خلال عام 2025، مدعومًا بمزيج من العوامل الاقتصادية والنقدية، في مقدمتها توقعات خفض أسعار الفائدة العالمية، واستمرار البنوك المركزية في تعزيز احتياطياتها من الذهب، فضلًا عن تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
الجغرافيا السياسية تعيد الذهب إلى الواجهة
على الصعيد الجيوسياسي، أوضح إمبابي أن التطورات الأخيرة في فنزويلا شكلت عاملًا رئيسيًا في دعم أسعار الذهب، بعدما نفذت الولايات المتحدة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، عملية عسكرية واسعة النطاق شملت تحركات جوية وبرية، انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وترحيلهما خارج البلاد تمهيدًا لمحاكمتهما.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن ستتولى إدارة فنزويلا بشكل مؤقت، إلى حين ترتيب ما وصفه بانتقال “آمن وسليم” للسلطة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات الدولية، وأسهمت في تعميق القلق داخل الأسواق المالية.
ووفقًا للخبير، أدى هذا التصعيد، إلى جانب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون أفق واضح للحل، إلى إبقاء أسعار الذهب مدعومة بالقرب من مستوياتها القياسية التي سجلتها في أواخر ديسمبر، ما يعكس استمرار حالة الطلب القوي على الأصول الدفاعية في ظل بيئة عالمية مضطربة.
اقرأ أيضًا: ترامب يهدد دول أمريكا اللاتينية.. المكسيك وكوبا وكولومبيا في مرمى النيران
أنظار الأسواق على الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الأمريكية
إلى جانب العامل الجيوسياسي، تلقَّت أسعار الذهب دعمًا إضافيًا من توقعات الأسواق بشأن توجهات السياسة النقدية الأمريكية، مع تزايد الرهانات على لجوء مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التيسير النقدي خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد إشارات على تباطؤ وتيرة التضخم واستمرار مرونة سوق العمل.
كما تترقب الأسواق أسبوعًا حافلًا بالبيانات الاقتصادية الأمريكية المؤثرة، في مقدمتها مؤشرات مديري المشتريات للقطاع الصناعي والخدمي، وتقرير فرص العمل المتاحة، وطلبات إعانة البطالة، وصولًا إلى تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يعتبر أحد أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها صانعو السياسة النقدية في تقييم مسار الاقتصاد الأمريكي.
وعلى صعيد أسعار الفائدة، تشير توقعات الأسواق إلى احتمال تنفيذ خفضين خلال العام الجاري، بعد خفض تراكمي شهدته الفترة السابقة، إلا أن أحدث التقديرات الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي أظهرت حذرًا أكبر، مع ترجيح خفض محدود خلال عام 2026، وهو ما يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم لأي إشارات جديدة من صناع القرار النقدي.
وأظهرت بيانات اقتصادية حديثة أن الاقتصاد الأمريكي واصل تسجيل نمو قوي خلال الربع الثالث، في وقت بدأت فيه مؤشرات التضخم تميل إلى التباطؤ، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر مرونة في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، قالت آنا بولسون، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، إن التضخم مرشح لمزيد من التراجع، وإن سوق العمل لا يزال يتمتع بدرجة جيدة من المرونة، مع توقعات بنمو اقتصادي معتدل خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال مقيدة نسبيًا، وأن بعض التعديلات المحدودة قد تكون مناسبة لاحقًا إذا ما سمحت البيانات الاقتصادية بذلك.
الفضة تستفيد من موجة الملاذات الآمنة
لم يقتصر الصعود على الذهب فقط، إذ شهدت أسعار الفضة أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا في الأسواق العالمية، مدفوعة بزيادة الإقبال على المعادن النفيسة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد حالة الحذر تجاه الأصول مرتفعة المخاطر.
وجاء هذا الارتفاع بعد موجة تصحيح شهدتها الفضة خلال الأسبوع الماضي، إلا أنها لا تزال تحقق مكاسب قوية على أساس سنوي، مدعومة باتجاه أوسع يشهده سوق المعادن النفيسة، حيث تتحرك الفضة في كثير من الأحيان بالتوازي مع الذهب، مع الاستفادة من نفس العوامل الداعمة، وعلى رأسها الطلب على الأصول الآمنة وتوقعات التيسير النقدي.
وأشار تقرير صادر عن مركز الملاذ الآمن، إلى أن صعود أسعار الفضة في مستهل الأسبوع يعكس تفاعل الأسواق مع إعلان الولايات المتحدة اعتقال القيادة الفنزويلية، إلى جانب التحذيرات الأمريكية من أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا في حال عدم الاستجابة لمطالب واشنطن، وهو ما عزز المخاوف من اتساع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي.
وأضاف التقرير أن هذه البيئة المشحونة تدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية، وزيادة الوزن النسبي للأصول الدفاعية، بما يوفر دعمًا مباشرًا لأسعار الفضة، ويحد من الضغوط البيعية، خاصة في ظل تراجع العوائد الحقيقية وتوقعات خفض أسعار الفائدة.
وفي المحصلة، يعكس الأداء القوي لكل من الذهب والفضة في الوقت الراهن حالة من الترقب والحذر تسود الأسواق العالمية، حيث تتشابك العوامل الجيوسياسية مع المتغيرات الاقتصادية والنقدية، لتعيد المعادن النفيسة إلى صدارة المشهد الاستثماري كأدوات تحوط رئيسية في مواجهة التقلبات وعدم اليقين.
قد يهمّك أيضًا: أسعار الذهب قد تخترق حاجز 5000 دولار في 2026
