القهوة تحت الحصار.. هل يستمر ارتفاع الأسعار في 2025؟
تقرير: باسل محمود
مع كل رشفة من القهوة صباحًا، يواجه عشاق هذا المشروب مستقبلًا مليئًا بالتحديات، لأنّها تعد مجرد مشروب بل أصبحت ضحيةً لتقلبات السوق والمناخ والتشريعات الجديدة، حيث تشير التوقعات الصادمة إلى استمرار ارتفاع أسعار مشروب السعادة حتى عام 2025، مما يُرغم المستهلكين على دفع المزيد للحصول على مشروبهم اليومي، بحسب بلومبرج.
فيتنام: أزمة إنتاج تؤجج أسعار قهوة روبوستا
تُعد فيتنام المنتج الأول عالميًا لنوع روبوستا، المستخدم في قهوة الإسبريسو، لكنّها شهدت انخفاضًا بنسبة 20% في إنتاج القهوة خلال موسم 2023/2024، لتصل الكميات المنتجة إلى أدنى مستوى لها منذ أربع سنوات، مما أجبر شركات التحميص على دفع ما يصل إلى 1000 دولار إضافي فوق أسعار العقود الآجلة للحصول على الحبوب الفيتنامية.
جوزيبي لافاتزا، رئيس شركة لافاتزا، صرّح بأنَّ هذا النقص في المعروض يمثل تحديًا غير مسبوق للصناعة، مضيفًا: “ما يميز الوضع الحالي هو تأثيره طويل الأمد، حيث لم نرَ شيئًا كهذا في تاريخ صناعتنا”.
كما تأثرت المحاصيل في فيتنام بالأمطار الغزيرة التي غمرت الحقول وأخرت موسم الحصاد، ويشير المزارعون المحليون إلى أنَّ تكرار الظواهر المناخية القاسية يزيد من صعوبة التنبؤ بالمواسم الزراعية، مما يؤدي إلى تقلبات كبيرة في الإنتاج والأسعار.
اقرأ أيضًا: انهيار عملة إثيوبيا يضع البلاد في مأزق
البرازيل.. جفاف يضرب القهوة
تُعاني البرازيل، أكبر منتج عالمي لنوع أرابيكا، من ظروف مناخية قاسية، حيث شهدت البلاد جفافًا شديدًا أدى إلى تضرر أشجار القهوة خلال مرحلة الإزهار الحرجة، مما خفّض توقعات المحصول لموسم 2025/2026، كما ارتفعت العقود الآجلة لأرابيكا إلى أعلى مستوياتها في 13 عامًا بسبب هذه التحديات.
وقد وصف مركز مراقبة الكوارث الطبيعية في البرازيل الجفاف بأنَّه الأشد منذ عام 1981، وأشارت التقديرات الأخيرة إلى أنَّ إنتاج القهوة في عام 2024 سيبلغ 54.8 مليون كيس، بانخفاض كبير عن التوقعات الأولية.
كما لم تقتصر الأضرار على المحاصيل فحسب، بل امتدت إلى التأثير على المجتمعات الزراعية المحلية التي تعتمد بشكل كبير على زراعة القهوة كمصدر رئيس للدخل.
لوائح الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على أسعار القهوة
تُضيف لوائح الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات عبئًا جديدًا على المنتجين والمستوردين، حيث تتطلب هذه القوانين تقديم إثباتات على أنَّ القهوة المزروعة لم تُنتج على أراضٍ تمَّت إزالة غاباتها بعد عام 2020. مما دفع العديد من اللاعبين في الصناعة إلى شراء القهوة مبكرًا، ما زاد من التكاليف.
وفي هذا السياق، قال لافاتزا: “إنَّ دخول هذه اللوائح حيز التنفيذ سيجعل القهوة أكثر تكلفة، مما يضع ضغوطًا إضافية على شركات التحميص”.
أدَّى هذا الإجراء إلى زيادة الطلب على القهوة المخزنة مسبقًا، مما ساهم في ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، ورغم أنَّ الهدف من هذه التشريعات هو حماية البيئة، إلَّا أنَّها تُلقي بظلالها على المستهلكين النهائيين الذين يتحملون تكاليف إضافية.
اقرأ أيضًا: ظاهرة النينوى تحب الحلوى فكيف تؤثر على الأسعار؟
كيف يؤثر ارتفاع أسعار القهوة على المستهلكين؟
يشعر المستهلكون الأوروبيون بالفعل بوطأة الأسعار المتزايدة، فقد سجلت العقود الآجلة لنوع روبوستا ارتفاعًا بنسبة 60% هذا العام لتصل إلى 4667 دولارًا للطن. كما ارتفعت تكاليف شركة لافاتزا بأكثر من 800 مليون يورو خلال العامين الماضيين.
ولم يقتصر التأثير على أوروبا فقط؛ فالعديد من الأسواق الناشئة التي تعتمد على القهوة المستوردة تواجه تحديات أكبر بسبب قوة الدولار وزيادة تكاليف الشحن. في الهند على سبيل المثال، ارتفعت أسعار القهوة المحلية بنحو 30%، مما دفع المستهلكين إلى البحث عن بدائل أرخص.
تحديات سوق القهوة العالمية
يتحمَّل صغار المزارعين عبء هذه التحديات، حيث يواجهون تكاليف إنتاج متزايدة وأرباحًا متناقصة، مما يزيد من صعوبة الحفاظ على إنتاجية مستدامة وسط اضطرابات السوق. كما أن نقص الاستثمارات في البنية التحتية الزراعية يؤدي إلى تفاقم الوضع، إذ إنّ المزارعين يفتقرون إلى الموارد اللازمة للتكيف مع الظروف المناخية القاسية.
علاوةً على ذلك، تُعاني شركات التحميص من ضغوط هائلة بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، الأمر الذي أجبر بعضها على تقليل أنواع المنتجات المتاحة أو زيادة الأسعار للمستهلكين، فضلًا عن التحديات المتعلّقة بإدارة سلاسل التوريد وضمان الامتثال للوائح الجديدة.
رغم العوامل الداعمة لارتفاع الأسعار، أفادت منظمة القهوة الدولية بأنَّ الإنتاج العالمي لموسم 2023/2024 قد يرتفع بنسبة 5.8% ليصل إلى 178 مليون كيس، كما توقعت زيادة الاستهلاك بنسبة 2.2%، مما قد يخفف الضغط على الأسواق جزئيًا.
مع ذلك، يبقى هذا التوازن هشًا لأنّه يعتمد على استقرار الظروف المناخية، واستمرار الإنتاج في المناطق الرئيسة، وأيّ تدهور إضافي قد يؤدي إلى ارتفاعات جديدة في الأسعار.
من ناحية أخرى، تشهد مخزونات القهوة الخاضعة لمراقبة بورصة إنتركونتيننتال انتعاشًا طفيفًا بعد أن وصلت إلى أدنى مستوى لها في 24 عامًا، إلَّا أنَّ السوق ما يزال هشًا أمام أي صدمات جديدة، واستقرار الأسعار يعتمد على قدرة الدول المنتجة على تحسين إدارة المخزون وتطوير استراتيجيات لتقليل التأثيرات المناخية.
تعرّف إلى أكثر الدول استهلاكا للقهوة
الابتكار الزراعي.. هل يكون الحل لأزمة القهوة؟
يعتمد كسر هذه الحلقة على تبني تقنيات زراعية مبتكرة، مثل تطوير أصناف مقاومة للجفاف وتحسين كفاءة الإنتاج؛ حيث يمكن أن تساهم هذه الحلول في تقليل الاعتماد على الظروف المناخية وتحقيق استقرار أكبر في المعروض. كما أنَّ تعزيز التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في توفير التمويل والتكنولوجيا اللازمة لدعم المزارعين.
ولتحقيق استدامة طويلة الأمد في صناعة القهوة، من الضروري أن يتمَّ التركيز على ممارسات زراعية مسؤولة، بما يشمل تقليل استخدام الموارد الطبيعية وتحسين كفاءة الري، بالإضافة إلى دعم المزارعين من خلال برامج تدريبية ومساعدات مالية تُسهم في تعزيز استقرار الصناعة.
في ظل هذه الظروف، يُطرح سؤال جوهري: هل سيتمكن السوق العالمي من تجاوز هذه التحديات؟ يبدو أن القهوة، أصبحت مرآة تعكس أزمات المناخ والتجارة العالمية، وبينما يستعد العالم لدفع المزيد مقابل كل فنجان، يبقى الأمل معقودًا على الابتكار والتعاون الدولي لتحقيق استقرار طويل الأمد في صناعة القهوة.
من المؤكد أنَّ المستقبل يحمل تحديات أكبر، لكن بالإرادة المشتركة والابتكار يمكن لصناعة القهوة أن تتكيف وتستمر في تقديم هذا المشروب الذي يعشقه الملايين حول العالم.