ارتفاع أسعار النفط بعد الهجوم الأوكراني على روسيا

سجلت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا على خلفية تصاعد التوترات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، وقد طغى هذا الارتفاع على تأثير قرار منظمة أوبك بلس بزيادة إنتاج النفط، الذي جاء متوافقًا مع توقعات السوق.

وشهدت الساعات الماضية تصعيدًا عسكريًا لافتًا، حيث نفذت أوكرانيا هجومًا واسعًا باستخدام طائرات مسيرة استهدف مواقع داخل الأراضي الروسية ردًا على العدوان الروسي الأخير، مما قلل من فرص استئناف محادثات وقف إطلاق النار التي كانت مقررة في بداية الأسبوع، وزاد من توتر الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.

وكشفت وكالة بلومبرج أنَّ هناك تحركًا جديدًا داخل الكونغرس الأمريكي، لدفع إدارة ترامب إلى فرض مزيد من العقوبات على قطاع الطاقة الروسي.

وتعد الصين والهند من أبرز المستوردين للنفط الروسي، مما يجعل هذا الإجراء، في حال تنفيذه، مؤثرًا على حجم الإمدادات العالمية، كما أنّه سيُجبر الدولتين على البحث عن مصادر بديلة للطاقة، ما قد يتسبب في ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة الضغوط على السوق.

ارتفاع العقود الآجلة للنفط رغم قرارات أوبك+

في خضم هذه التطورات ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أغسطس بنسبة 2.3% لتصل إلى 64.23 دولار للبرميل، كما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 2.4% لتسجل 61.23 دولار.

ورغم إعلان أوبك+ خلال عطلة نهاية الأسبوع عن زيادة الإنتاج بدءًا من يوليو المقبل بواقع 411 ألف برميل يوميًا، إلا أنَّ هذه الخطوة لم تنجح في تهدئة الأسواق.

من جانبه قال الدكتور علي الريامي، خبير أسواق النفط، إن التأثير الأكبر على أسعار النفط في الوقت الحالي لا يأتي فقط من قرارات منظمة أوبك، بل من تطورات الأزمة الروسية الأوكرانية التي أعادت “علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى الواجهة.

الأحداث الجيوسياسية تطغى على المعادلات الفنية

“عند الحديث عن أثر الهجوم الأوكراني الأخير على روسيا، لا يمكن تجاهل قرار أوبك الصادر بالأمس، والذي تضمن ضخ كميات إضافية إلى السوق تقدر بـ400 إلى 411 ألف برميل يوميًا، ورغم أن السوق كان يتوقع هذه الخطوة، فإن تأثيرها كان محدودًا على الأسعار”، وفقًا للريامي.

كما أشار الخبير إلى أن المفاجأة جاءت من خارج المعادلة النفطية، موضحًا أن الهجمات الأوكرانية على مواقع عسكرية روسية زادت من احتمالية تصعيد الحرب، وأدت إلى تأخير فرص التوصل إلى حل، وأن هذا التصعيد الجيوسياسي رفع من مستويات الخطر، وبالتالي انعكس مباشرة على أسعار النفط”.

وتابع الريامي: “الأسواق كانت تتوقع أن تقوم أوبك بلس بزيادة أكبر من 411 ألف برميل، ولذلك لم يُسجل أي تعديل كبير في الأسعار بعد الإعلان، لأن السوق سبق وسعّر هذه الزيادة، أما الارتفاع الذي حصل فقد جاء نتيجة عوامل أخرى، في مقدمتها الوضع في أوكرانيا، بالإضافة إلى استمرار الضبابية حول التعريفات الجمركية والمفاوضات الأمريكية الإيرانية”.

واختتم الريامي تصريحاته بالتأكيد على أن التأثير الجيوسياسي طغى بوضوح على القرار الفني لأوبك، قائلاً: “ما شهدناه هو دليل واضح على أنَّ سوق النفط يتفاعل بقوة مع الأحداث السياسية، وأن علاوة المخاطر عادت لتلعب دورًا محوريًا في تحديد الأسعار، حتى في ظل زيادة المعروض”.

اقرأ أيضًا: استراتيجية أمريكا تجاه روسيا.. بين التصعيد العسكري وإعادة التقييم

سوق النفط والأحداث السياسية

اتفق الدكتور محمد عبدالهادي، الخبير الاقتصادي، مع رأي الريامي، قائلاً إنَّ “التأثير القوي للضربات الأوكرانية في العمق الروسي له أثر سلبي على أسعار النفط، حيث من المحتمل أن ترتفع الأسعار، وقد ارتفعت بالفعل نتيجة لهذه الهجمات المتوالية على الجانب الروسي، وذلك لعدة أسباب”.

وتابع الخبير موضحًا أنَّ السبب الأول يتمثل في أنَّ تأثير هذه الهجمات قد يدفع روسيا إلى زيادة أسعار النفط، حيث تُعد روسيا ثالث دولة في العالم من حيث إنتاج النفط، وقد تلجأ إلى زيادة الأسعار كنوع من أنواع الضغط النفسي على العالم، وإظهار القوة الروسية في التأثير الاقتصادي العالمي.

وأضاف: “ما حدث من ضرب أوكرانيا للمنشآت الروسية لم يستهدف مناطق نفطية بشكل مباشر، لكنه قد يؤدي إلى تقليل إمدادات النفط الروسي إلى العالم”.

وفي هذا السياق، قال عبدالهادي إنّ “الدول الأوروبية والولايات المتحدة فرضت خلال الفترة السابقة عقوبات على الصادرات الروسية، مما دفع روسيا إلى تنويع صادراتها نحو دول مثل الصين والهند، الأمر الذي زاد من تكلفة التصدير، وانعكس على فاتورة أسعار النفط عالميًا، وكان له تأثير سلبي ساهم في ارتفاع الأسعار، خاصة نتيجة الرسوم والمصروفات الإضافية على الشحنات النفطية”.

تأثير نفسي ومضاربي على أسعار النفط والذهبب

أشار عبدالهادي إلى أنَّ التأثير النفسي على المستثمرين، خاصة المضاربين في أسعار النفط، من العوامل المهمة، موضحًا أن حدوث أي توترات أو حروب، لا سيما بين كبار منتجي النفط في العالم، يؤدي إلى تأثير سلبي مباشر على الأسعار، ويؤثر كذلك على نفسية المستثمرين والمضاربين في أسعار السلع عمومًا.

وأضاف: “هذا لا يظهر فقط على أسعار النفط، بل يمتد أيضًا إلى أسعار الذهب التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا نتيجة العلاقة الطردية بينها وبين التوترات الجيوسياسية والحروب، فكلما زادت التوترات ارتفعت أسعار الذهب والسلع نتيجة تخوف المستثمرين وانعكاس ذلك على حركة المضاربة”.

في السياق ذاته، أشار عبد الهادي إلى أنَّ هناك تأثيرًا إضافيًا يتمثل في الخوف من استمرار الضربات الروسية لفترات زمنية طويلة، مما يدفع بعض الدول إلى التحوط عبر تخزين النفط لفترات أطول، فهذا السلوك ينعكس على الأسعار بالارتفاع، خاصة في ظل التخوف من امتداد الصراع وتحوله إلى مواجهة طويلة قد تشمل أطرافًا دولية أوسع.

واختتم الدكتور محمد عبدالهادي تصريحاته بالتأكيد على أنَّ عدم توقُّع روسيا لرد أوكراني سريع في عمق أراضيها قد يدفع موسكو إلى تنفيذ ضربات استباقية ضد منشآت أو موانئ أوكرانية، وهو ما قد يؤدي إلى توقف تلك الموانئ، وبالتالي انخفاض الصادرات الروسية مؤقتًا، وهذا التراجع في المعروض، في ظل الطلب المستمر أو المتزايد، يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع في أسعار النفط عالميًا.

اقرأ أيضًا: هل يتغير مصير أوكرانيا بعد تراجع الدعم الأمريكي؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة