شهد سعر الدولار في البنوك المصرية مع بداية تعاملات الأسبوع الجاري ارتفاعًا جديدًا مقارنة بإغلاق الخميس الماضي، بعدما كان قد سجل زيادة أيضًا في نهاية الأسبوع السابق مقارنة ببدايته. وبلغ سعر الدولار نحو 47.87 جنيهًا، بزيادة تقارب 25 قرشًا عن آخر تداولات الأسبوع الماضي.
وقال الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، إن جزءًا من التحرك الأخير يرتبط باقتراب موعد مناقشة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، المقرر في 25 من الشهر الجاري، بشأن صرف الشريحتين الخامسة والسادسة من قرض مصر، وعادة ما تشهد سوق الصرف تحركات قبيل مثل هذه الاجتماعات، في ظل ترقب المستثمرين لأي مستجدات تتعلق ببرنامج التمويل والإصلاحات المرتبطة به. وقد أوضح عبد المقصود أن الصندوق يطالب بسعر صرف مرن دون قيود، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تعويمًا جديدًا للجنيه.
دور الأموال الساخنة في زيادة سعر الدولار
أشار عبد المقصود إلى أنّ الارتفاع يرجع أيضًا إلى تحركات ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”، حيث شهدت الفترة الأخيرة عمليات جني أرباح وخروج بعض الاستثمارات من أدوات الدين المحلية مع اقتراب تواريخ استحقاقها، ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار، ويأتي ذلك بالتزامن مع طروحات جديدة لأدوات الدين من جانب البنك المركزي، وهو ما يتطلب في بعض الأحيان تحريكًا في سعر الصرف لجذب تدفقات استثمارية جديدة.
وبحسب البيانات الرسمية، فإن تحركات سعر الدولار تعكس آليات العرض والطلب، دون تدخلات استثنائية، وعلى الصعيد العالمي ساهمت قوة الدولار، مدفوعة بتوجهات السياسة التجارية الأمريكية وفرض رسوم جمركية جديدة، في دعم العملة الأمريكية عالميًا، ما انعكس بدوره على الأسواق الناشئة، ومنها مصر.
ولفت الخبير إلى أنّ تعاملات سوق الـ”إنتربنك” في مصر شهدت قفزة بنسبة 110٪ لتصل إلى نحو ملياري دولار خلال أسبوع، وهو أعلى مستوى منذ قرابة 10 أشهر، ويعد سوق الـ”إنتربنك” آلية داخلية بين البنوك العاملة في مصر لبيع وشراء الدولار لتلبية حاجات السوق من العملة الأجنبية.
كما أظهر التقرير الأسبوعي للبورصة المصرية أن المستثمرين العرب سجلوا صافي خروج من استثماراتهم في أذون الخزانة المصرية بنحو 300 مليون دولار خلال تعاملات الأسبوع الماضي، في مؤشر إلى اتجاه بعض المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على أدوات الدين قصيرة الأجل.
أسباب ارتفاع سعر الدولار في البنوك المصرية
من جهته، صرّح الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، بأن ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري خلال الفترة الحالية يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، مؤكدًا أن التحركات الأخيرة في سوق الصرف تعكس تفاعل هذه العوامل مجتمعة وليست نتيجة سبب واحد منفرد.
وأوضح الجرم أن العامل الأول يتمثل في زيادة الطلب الموسمي على الدولار، خاصة عقب فترات الأعياد وبداية العام، حيث يتجه المستوردون والمصنعون إلى تدبير احتياجاتهم من العملة الأجنبية لاستكمال عمليات الاستيراد وتأمين مدخلات الإنتاج، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الطلب في السوق المحلية.
وأضاف أن العامل الثاني يرتبط بالمشروعات الاستثمارية المشتركة بين مصر وعدد من الدول الخليجية، مشيرًا إلى أن استقرار سعر الصرف يعد عنصرًا حاسمًا لاستمرار تلك الاستثمارات وعدم تعثرها، ما ينعكس في صورة تحركات في سوق النقد الأجنبي، سواء من جانب المستثمرين أو الجهات القائمة على تمويل هذه المشروعات.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن العامل الثالث يرتبط بالتطورات العالمية، خاصة ما يتعلق بتعافي الطلب العالمي على الدولار في ظل تحسن بعض العلاقات الاقتصادية الدولية وعودة استخدام العملة الأمريكية في عدد من المعاملات التجارية بدلاً من العملات البديلة. ولفت إلى أن قوة الدولار عالميًا تنعكس بشكل مباشر على الأسواق الناشئة، ومنها السوق المصرية.
أما العامل الرابع فيتعلق -بحسب الجرم- بالسياسات النقدية الداخلية، موضحًا أن تراجع معدلات التضخم واتجاه السياسة النقدية نحو التيسير ساهم في زيادة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي. وأضاف أن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك أدى إلى توسيع حجم التمويلات، بما في ذلك تمويل عمليات الاستيراد، وهو ما عزز الطلب على الدولار.
كما أوضح أن العامل الخامس يتمثل في سلوك حائزي الدولار، إذ إن ارتفاع سعره قد يدفع بعض المدخرين إلى إعادة توظيف مدخراتهم أو الاستفادة من فروق الأسعار، ما يخلق حركة إضافية في سوق الصرف ويزيد من وتيرة التعاملات.
هل يتجاوز الدولار مستويات الـ 49 جنيهاً قريباً؟
تطرق الجرم إلى ما وصفه بتأثير “الركود الاستهلاكي”، مشيرًا إلى أن تراجع معدلات الشراء لا يرتبط فقط بمستويات الأسعار، بل أيضًا بضعف القدرة الشرائية ونقص السيولة لدى بعض شرائح المستهلكين، وهو ما يؤثر بصورة غير مباشرة على حركة الاقتصاد وسوق الصرف.
وأكد الدكتور رمزي الجرم أن التحركات الأخيرة في سعر الدولار تعكس توازنات العرض والطلب في إطار نظام سعر صرف مرن، ولا تعني وجود ضغوط استثنائية أو توجهات نحو تغييرات جذرية في سياسة سعر الصرف.
وفيما يتعلق بالتوقعات، استبعد الجرم عودة الدولار إلى مستوى 45 جنيهًا في الوقت الراهن، مرجحًا استمرار تحركه في نطاق صعودي خلال الفترة المقبلة، مع إمكانية وصوله إلى نحو 49 جنيهًا مقابل الجنيه، في ظل استمرار العوامل الداعمة للطلب على العملة الأمريكية محليًا، إلى جانب قوة الدولار على المستوى العالمي.
قد يهمّك أيضًا: مصر على جدول اجتماعات صندوق النقد الدولي.. تمويل 2.3 مليار دولار
