استبعاد بنوك روسية من نظام سويفت.. كيف يؤثر على الشرق الأوسط؟
في خطوة تصعيدية جديدة تهدف إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا، يدرس الاتحاد الأوروبي فرض حزمة موسعة من العقوبات ضد موسكو متمثلة في استبعاد البنوك الروسية من نظام سويفت، وذلك على خلفية استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي تدخل عامها الرابع.
وتشمل الحزمة المحتملة، التي لا تزال قيد التشاور داخل المفوضية الأوروبية، استبعاد أكثر من 20 بنكًا روسيًا من نظام “سويفت” العالمي للتحويلات المالية، إلى جانب خفض سقف سعر النفط الروسي، وفرض حظر قانوني على خطوط أنابيب الغاز “نورد ستريم”.
وتأتي هذه الإجراءات المقترحة في وقت بالغ الحساسية سياسيًا واقتصاديًا بالنسبة لأوروبا، حيث تسعى بروكسل لزيادة كلفة الحرب على الكرملين، عبر استهداف مصادر التمويل الرئيسية للنظام الروسي، وإحكام العزلة الاقتصادية.
تفاصيل استبعاد البنوك الروسية من نظام سويفت
يُعتبر نظام “سويفت” (SWIFT) أداة مركزية في النظام المالي العالمي، حيث يتيح للبنوك والمؤسسات المالية حول العالم تنفيذ عمليات الدفع والتحويلات الدولية بسرعة وأمان. وكانت الحزم السابقة من العقوبات قد شملت استبعاد عدد محدود من البنوك الروسية، لكن الحزمة الجديدة تشير إلى رغبة الاتحاد الأوروبي في توسيع نطاق العقوبات المالية لتشمل عددًا أكبر من البنوك، ما من شأنه أن يشل قدرة روسيا على إجراء التحويلات الدولية، ويزيد من عزلها عن النظام المالي العالمي.
إلى جانب ذلك، تُخطط المفوضية الأوروبية لتشديد سقف أسعار النفط الروسي، وهي آلية كانت قد تم التوافق عليها مسبقًا بين مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، بهدف تقليص العوائد المالية التي تحصل عليها روسيا من صادراتها النفطية. ويأتي التوجه الجديد في ظل مؤشرات على أن السعر الحالي لا يحقق الأثر المطلوب، ما دفع الدول الغربية إلى التفكير في خفض السقف بشكل أكبر لزيادة الضغط على موسكو وتجفيف مصادر تمويلها.
وفي سياق متصل، يتضمن المقترح الأوروبي حظرًا قانونيًا على خطوط أنابيب الغاز “نورد ستريم”، والتي كانت تمثل في السابق إحدى ركائز الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية، ورغم أن الخط تعرض لأضرار بالغة في عام 2022 نتيجة تفجيرات مجهولة فإن إدراجه ضمن العقوبات يعد خطوة رمزية تحمل أبعادًا سياسية واضحة، تعكس رغبة بروكسل في إغلاق الباب نهائيًا أمام أي عودة للشراكة الطاقية مع موسكو.
وتهدف الخطة الأوروبية أيضًا إلى فرض حظر على معاملات مصرفية جديدة تشمل نحو 20 بنكًا روسيًا إضافيًا، في مسعى لتعطيل ما تبقى من قنوات التمويل الروسية مع العالم الخارجي. كما تشتمل الحزمة على قيود تجارية جديدة بقيمة تصل إلى 2.5 مليار يورو (ما يعادل 2.84 مليار دولار)، تستهدف قطاعات اقتصادية متعددة في روسيا، بغرض تقليص عائدات الدولة من تصدير السلع والخدمات.
اقرأ أيضًا: روسيا تُمهِّد الطريق لعودة الشركات الغربية بعد إعادة ملكية “أريستون” الإيطالية
تأثير القرار على الشرق الأوسط
يرى خبراء اقتصاديون أنَّ هذه الحزمة، إذا ما تم اعتمادها، ستكون الأكثر تشددًا منذ بداية الحرب في فبراير 2022، ومن شأنها أن تغير ملامح المواجهة الاقتصادية بين أوروبا وروسيا بشكل جوهري. لكن في المقابل، تطرح هذه الخطوة تحديات كبرى، ليس فقط على أوروبا وروسيا، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي خالد إسماعيل إنَّ العقوبات الأوروبية الجديدة ضد روسيا، رغم أنها تستهدف موسكو بالأساس، إلا أن آثارها ستمتد إلى دول الشرق الأوسط، وبخاصة الدول العربية ذات العلاقات الاقتصادية المرتبطة بالأسواق العالمية.
قطاع النفط
أوضح إسماعيل أنَّ دول الخليج العربي، كمصدرين رئيسيين للطاقة، قد تستفيد في الأجل القصير من اضطراب الإمدادات الروسية عبر ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب الأوروبي على بدائل موثوقة، لكنه حذر من أن استمرار الأسعار في الارتفاع بشكل مفرط قد يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، وربما تسريع التحول إلى بدائل الطاقة، ما قد يسبب ضعف الاستقرار على المدى المتوسط.
وأضاف: “الفرصة متاحة الآن أمام دولنا لتوقيع اتفاقات طاقة استراتيجية طويلة الأجل مع دول الاتحاد الأوروبي، التي باتت تبحث بجدية عن شركاء مستقرين في قطاع الطاقة”.
ملف الأمن الغذائي
أشار إسماعيل إلى أن استمرار الأزمة بين روسيا وأوكرانيا قد يؤدي إلى اضطراب جديد في إمدادات الحبوب والأسمدة، التي تمثل الدولتان مصدرًا أساسيًا لها، مما ينعكس على أسعار الغذاء عالميًا، ويزيد من أعباء الدعم الغذائي في دول مثل مصر وتونس ولبنان.
ودعا إلى اتخاذ خطوات استباقية لتعزيز الأمن الغذائي في المنطقة، وذلك من خلال زيادة المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر التوريد، مثل التعاون مع دول بديلة كالهند والبرازيل.
التحويلات البنكية في الشرق الأوسط
أشار إلى أن التوسع في استبعاد البنوك الروسية من “سويفت” قد يؤدي إلى تقلبات في التحويلات البنكية العالمية، خاصة في الأسواق الناشئة المرتبطة بالدولار أو اليورو. وقال: “على البنوك المركزية العربية التفكير في توسيع أدوات التحوط، واعتماد أنظمة تحويل بديلة مثل الأنظمة الروسية أو الصينية، والتوسع في التعامل بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي”.
الضغوط السياسية على دول المنطقة
حذَّر إسماعيل من أن تصاعد العقوبات قد يضع بعض دول المنطقة تحت ضغط سياسي غير مباشر لاتخاذ مواقف واضحة. وقال: “سياسة الحياد الذكي هي الخيار الأمثل، ويجب على الدول العربية الكبرى أن تلعب دورًا دبلوماسيًا مرنًا، ويمكنها كذلك أن تقدم نفسها كوسيط في ملفات الطاقة والغذاء”.
موضوع ذو صلة: أوروبا تخسر تريليون دولار بسبب العقوبات التي فرضتها على روسيا
تحولات الاقتصاد السياسي العالمي ودور الشرق الأوسط القادم
في السياق ذاته، أكدت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري، أنَّ الحزمة المقترحة من العقوبات واستبعاد البنوك الروسية من نظام سويفت، قد تعيد تشكيل موازين الاقتصاد السياسي العالمي، وستنعكس بشكل مباشر على استراتيجيات الشرق الأوسط.
وأضافت: “دول الخليج يمكن أن تُحقق مكاسب قصيرة الأجل من ارتفاع الأسعار، لكن الوضع محفوف بالمخاطر إذا ما تحول التوتر إلى اختلالات في سلاسل الإمداد العالمية أو موجة تضخم جديدة”. كما دعت دول المنطقة إلى التحرك الذكي والاستفادة من التحولات الجارية عبر بناء شراكات جديدة، وتأمين موارد الطاقة والغذاء، وتحديث سياساتها المالية لمواكبة التغيرات.
وشددت على ضرورة تعزيز قدرات البنوك المركزية العربية في تنويع نظم الدفع والتحويل المالي، والانفتاح على أدوات غير تقليدية، مثل التعامل بأنظمة الدفع المحلية أو الإقليمية، لتجنب تأثيرات أي تعطيل في النظام المالي الغربي.
واختتمت وجيه تصريحاتها بالقول إن الشرق الأوسط أمام فرصة ليكون لاعبًا دوليًا مؤثرًا لا مجرد متأثر بالتوترات، وأنه على صناع القرار في الدول العربية “التحرك بسرعة، والتنسيق إقليميًا لحماية المصالح الاقتصادية، خاصة في ظل عالم سريع التغيّر ومتعدد الأقطاب”.
اقرأ أيضًا: روسيا أمام اختبار علاقة بوتين مع ترامب