مفاوضات عربية لخصخصة مستشفيات مصرية وشركات أدوية
تشهد السوق المصرية مفاوضات متقدمة بين الحكومة وعدد من صناديق الاستثمار العربية والأجنبية، بهدف الاستحواذ على حصص استراتيجية في المستشفيات الحكومية في مصر، إلى جانب عدة شركات أدوية تم طرحها مؤخرًا ضمن برنامج الطروحات الحكومية.
وتشمل الصناديق التي تخوض هذه المفاوضات جهات استثمارية من السعودية والإمارات والكويت وقطر، إلى جانب صندوق واحد من دولة أجنبية، ومن المتوقع أن يصل متوسط قيمة الصفقة الواحدة إلى ما لا يقل عن ملياري جنيه، مع توقعات بأن يتم حسم تلك الصفقات خلال النصف الثاني من العام الجاري.
الامتيازات القانونية لتشغيل المستشفيات الحكومية في مصر
تحظى السوق الدوائية المصرية باهتمام خاص من قبل المستثمرين، لا سيما من الإمارات والسعودية، حيث تركز استراتيجيات تلك الشركات على رفع الطاقة الإنتاجية للمصانع، والتوسع في إنتاج أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، إلى جانب المكملات الغذائية والمستحضرات التجميلية ذات الاستخدام العلاجي.
ويأتي هذا التوجه في ظل الإطار القانوني الجديد الذي أقرته الحكومة في مايو من العام الماضي، والذي يتيح إمكانية منح امتيازات إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية لمستثمرين مصريين أو أجانب، وينص القانون على أنَّ مدة الالتزام لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 15 عامًا، مع عودة الأصول والمنشآت والمعدات إلى الدولة في نهاية فترة التشغيل بحالة جيدة ودون مقابل.
كما يُلزم القانون المستثمرين بالحفاظ على نسبة لا تقل عن 25% من العاملين في المنشآت الصحية التي يتم تشغيلها، مع ضرورة موافقتهم، وضمان حقوقهم المالية والوظيفية، سواء استمروا أو تم نقلهم إلى جهات أخرى.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى تعزيز الشراكة مع القطاعين الخاص والأهلي، في إطار تطوير البنية التحتية الصحية، وتحسين جودة وكفاءة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، دون الإضرار بحقهم في الحصول على الرعاية الصحية العادلة والمنصفة.
استثمارات عربية ضخمة لدعم القطاع الصحي المصري
في هذا السياق، قالت الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس إنَّ دخول صناديق استثمار عربية وأجنبية في مفاوضات مع الحكومة المصرية للاستحواذ على حصص في مستشفيات حكومية وشركات أدوية، يعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد المصري ورغبة حقيقية في ضخ استثمارات استراتيجية بقطاعات حيوية، على رأسها الصحة وصناعة الدواء.
وأضافت أنَّ الصناديق المشاركة تمثل دولًا خليجية مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر، بالإضافة إلى صندوق استثمار أجنبي، موضحة أن متوسط قيمة الصفقة الواحدة يصل إلى 2 مليار جنيه، ما يؤكد أن هذه ليست مجرد مساهمات صغيرة، بل ضخ تمويلي واسع يستهدف دعم البنية التحتية الطبية وزيادة كفاءة الخدمات الصحية المقدمة.
كما أشارت رمسيس إلى أنّ الاهتمام الأكبر حاليًا موجه نحو قطاع الأدوية المصري، خاصة من جانب المستثمرين السعوديين والإماراتيين الذين يتطلعون إلى تطوير القدرات التصنيعية داخل مصر، والتوسع في إنتاج الأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة، مثل أدوية السكري والضغط، إلى جانب المكملات الغذائية والمستحضرات التجميلية العلاجية.
اقرأ أيضًا: استثمارات كويتية جديدة في مصر عقب زيارة السيسي
أهم بنود القانون المنظم لخصخصة المستشفيات في مصر
أكَّدت رمسيس أنَّ القانون الذي أقرته الحكومة العام الماضي، والذي يمنح امتيازات لتشغيل وإدارة المستشفيات الحكومية يمثل عامل جذب رئيسي للصناديق الاستثمارية، خاصة أنه ينص على عودة الأصول للدولة في نهاية مدة الالتزام دون مقابل، مع الحفاظ على البنية التحتية والتجهيزات الطبية.
وفيما يتعلق بالكوادر البشرية، أوضحت رمسيس أن القانون ألزم المستثمرين بالحفاظ على نسبة تشغيل لا تقل عن 25% من العاملين الحاليين بالمستشفيات في مصر، مع ضمان حقوقهم المالية والوظيفية، وهو ما يحقق نوعًا من التوازن بين أهداف الخصخصة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
توسع غير مسبوق في شراكات الصحة
أشارت رمسيس إلى أنّ الدولة المصرية تخطو خطوات حثيثة نحو تمكين القطاع الخاص من قيادة النمو الاقتصادي، لكن مع الحرص الكامل على حماية الفئات الأكثر احتياجًا وضمان وصول الخدمة الصحية إليها دون تراجع في الكفاءة أو زيادة في التكلفة.
وفي سياق متصل، أشادت رمسيس بالإعلان عن تأسيس 5 مصانع أدوية جديدة باستثمارات تبلغ 10 مليارات جنيه، من المقرر دخولها الخدمة في الربع الأول من عام 2026، معتبرة أن ذلك يعكس توجهًا حقيقيًا نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الدواء، وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يخفف العبء على العملة الأجنبية ويعزز الأمن الدوائي.
واختتمت رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن العام الحالي سيشهد نشاطًا غير مسبوق في إبرام صفقات الشراكة بين الحكومة والمستثمرين، خاصة مع تزايد الحاجة إلى التمويل وتعزيز كفاءة المرافق العامة، موضحة أن نجاح التجربة الصحية سيكون نموذجًا يحتذى به في قطاعات أخرى مثل التعليم والمرافق والخدمات الرقمية.
اقرأ أيضًا: زيارة ماكرون لمصر.. خطوة جديدة نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية
محركات النمو في قطاع الرعاية الصحية
من جانبها، صرّحت الدكتورة جيهان يعقوب، خبيرة الاقتصاد والاستثمار، أنَّ قطاع الرعاية الصحية والدواء من أبرز القطاعات التي تجذب اهتمام المستثمرين العرب، نظراً لأهميته الحيوية وحجم استهلاكه الكبير في السوق المصري. وأوضحت أنَّ السوق المحلي يشهد طلبًا مرتفعًا على المنتجات الدوائية، مع اعتماد ملحوظ على الإنتاج المحلي مقارنة بالمستورد، نتيجة الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على الأدوية الأجنبية، فضلًا عن توفر بدائل دوائية محلية تغني عن المنتجات المستوردة.
وأكدت أنَّ مصر، رغم كونها سوقًا مفتوحًا وواعدًا، مرت بفترة شهدت فيها انسحاب بعض الشركات العالمية نتيجة سياسة تسعير الدواء التي كانت تفرض أسعارًا محددة، دون الاعتماد على آليات العرض والطلب، مما أدى إلى تراجع جدوى الاستثمار لدى بعض الكيانات العالمية. ومع ذلك، بدأ الوضع يشهد تحسنًا ملحوظًا مع إعادة النظر في سياسات التسعير، حيث بدأت لجنة تسعير الدواء في مصر في مراجعة الأسعار لتكون أقرب للأسعار العالمية، ما ساهم في رفع أسعار الأدوية تدريجيًا بطريقة مدروسة، وخلق مناخًا أكثر جاذبية للاستثمار.
وأشارت إلى أن هذه التطورات أدت إلى تنامي اهتمام المستثمرين العرب بقطاع الدواء، حيث بدأت تظهر بوادر الاستحواذ على شركات عاملة في هذا المجال، في وقت أصبح فيه السوق المصري أكثر انفتاحًا وتنوعًا في خدماته.
اقرأ أيضًا: البنك المركزي المصري يبدأ دورة التيسير النقدي ويخفض الفائدة 225 نقطة
ما الذي يجذب المستثمرين للقطاع الصحي في مصر؟
تطرّقت الدكتورة يعقوب إلى قطاع معامل التحاليل الطبية، باعتباره من القطاعات الحيوية التي شهدت طفرة في الاستثمار الخاص، خاصة بعد جائحة كورونا التي رسخت أهمية الفحوصات الدورية في حياة المواطن المصري، وجعلتها جزءًا من نمط الحياة الصحية اليومية. ووصفت المعامل المصرية بأنها ذات كفاءة عالية وتحظى بسمعة ممتازة على مستوى الدقة والاعتمادية، ما يجعلها هدفًا مغريًا للاستثمارات.
كما شدَّدت على أن المستثمر العربي، إلى جانب اهتمامه التقليدي بقطاعات مثل السياحة والعقارات، بات يبحث عن مجالات جديدة أكثر استقرارًا وربحية، ووجد في قطاع الرعاية الصحية والدواء فرصة متميزة بفضل قدرة هذا القطاع على التسويق لنفسه محليًا وعالميًا. وأكدت أن نجاح الأطباء المصريين في مستشفيات بالخارج، إلى جانب توفر تخصصات طبية نادرة في مصر لا توجد في بعض الأسواق العالمية، يعزز من جاذبية القطاع.
وأضافت أن توجه الدولة نحو تمكين القطاع الخاص وتخارجها من بعض الأنشطة، وعلى رأسها القطاع الصحي، أتاح فرصًا واسعة أمام المستثمرين لضخ رؤوس أموال في هذا المجال الحيوي، مما ساهم في تحقيق عوائد مالية مرتفعة وتكوين صورة إيجابية لدى المستثمر العربي عن جدوى هذا النوع من الاستثمار.
واختتمت الدكتورة جيهان يعقوب تصريحاتها بالتأكيد على أن السوق المصري ما زال يحمل فرصًا غير مستغلة بالكامل في مجال الرعاية الصحية والدواء، وأنه سوق يتسع للمنافسة، مما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة تحقق التوازن بين الربحية والتأثير المجتمعي الإيجابي.
قد يهمّك أيضًا: بقرار رئاسي.. إلغاء الرسوم المتعددة في مصر واستبدالها بضريبة الأرباح
