استثمارات دولية لإنهاء أزمة الكهرباء في سوريا بقيمة 7 مليارات دولار
في خطوة وُصفت بأنَّها مفصلية في تاريخ قطاع الطاقة السوري، أعلنت الحكومة السورية عن توقيع مجموعة من مذكرات التفاهم مع تحالف دولي يضم شركات من الولايات المتحدة وقطر وتركيا، بقيمة إجمالية تصل إلى سبعة مليارات دولار.
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى إنشاء مشاريع لتوليد ما يقارب 5000 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يمثل قفزة نوعية في مجال الطاقة الكهربائية، ويُتوقع أن يُعيد رسم خارطة إنتاج الطاقة في سوريا التي تعاني من أزمة مزمنة في هذا القطاع.
الاتفاقيات تم توقيعها بين وزارة الطاقة والثروة المعدنية السورية وتحالف دولي من كبرى شركات الطاقة، وذلك خلال مراسم رسمية رفيعة المستوى حضرها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، ويعد هذا الحضور مؤشراً لافتاً على حجم الاهتمام الدولي المتزايد بمسار إعادة الإعمار في سوريا، وبداية لتحول في المواقف الإقليمية والدولية حيال الاستثمار في البنية التحتية السورية.
جذور أزمة الكهرباء في سوريا
تاريخياً، تعاني سوريا من مشكلة مزمنة في الكهرباء، ليست مرتبطة فقط بالحرب التي بدأت في عام 2011، بل تعود جذورها إلى فترات سابقة، نتيجة لضعف البنية التحتية وسوء الإدارة والتخطيط؛ ففي عام 2010، على سبيل المثال، كان إجمالي إنتاج الكهرباء في سوريا يقدّر بـ6500 ميغاواط، بينما كانت الحاجة الفعلية آنذاك تصل إلى نحو 8600 ميغاواط، مما يعني وجود عجز يومي بلغ حوالي 2100 ميغاواط، وهذا ما حاولت الحكومة تغطيته من خلال الاستيراد من دول الجوار، إلا أنَّ ذلك لم يكن كافياً لتلبية الطلب المتزايد.
وتعتمد سوريا منذ عقود على محطات توليد حرارية تقليدية تغذيها بشكل أساسي المشتقات البترولية، وخاصة الفتيل الثقيل بنسبة تتجاوز 60%، بالإضافة إلى الغاز الطبيعي، لكن هذه المحطات تُعد غير فعالة من الناحية البيئية، كما أنّها تكلف الكثير خلال عمليات التشغيل والصيانة.
اقرأ أيضًا: اقتصاد سوريا من الازدهار إلى الانهيار.. أرقام صادمة
تحسين قطاع الكهرباء في سوريا
في ضوء ما سبق، تُمثل الاتفاقيات الجديدة تحوّلاً استراتيجياً في سياسة الطاقة السورية؛ فقد صرّح وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال مراسم التوقيع، أن هذه المذكرات تُعد أكبر مشروع من نوعه في تاريخ سوريا الحديث من حيث الحجم والتأثير.
كما أوضح أنَّ المشاريع المخطط لها تشمل إنشاء أربع محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة (CCGT) في كل من دير الزور، ومحردة، وزيزون في ريف حماة، وتريفاوي في ريف حمص، بإجمالي قدرة توليدية تصل إلى 4000 ميغاواط، هذا بالإضافة إلى مشروع طاقة شمسية ضخم بقدرة 1000 ميغاواط سيتم إنشاؤه في منطقة وديان الربيع جنوبي البلاد.
أثر متوقع على حياة السوريين واقتصادهم
أكد البشير أن هذه المشاريع تهدف إلى تجاوز التحديات المزمنة التي واجهت قطاع الكهرباء، مشدداً على أنها ستُسهم في تحسين نوعية الحياة للمواطن السوري، وتعزيز النمو الاقتصادي، وفتح المجال أمام توسّع قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة. كما أشار إلى أن التركيز على الطاقة المتجددة في المشروع يعكس تحولاً في استراتيجية الطاقة نحو بدائل نظيفة ومستدامة، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية في هذا المجال.
ومن جهته، أكد الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات التركية الموقعة على الاتفاق، أن هذه المشاريع تمثل بداية جديدة للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة، وتُعد بمثابة مساهمة فعلية في إعادة الإعمار السوري. ولفت إلى أن تنفيذ هذه المشاريع سيتم باستخدام أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في مجال توليد الكهرباء، ما سيساهم في تحقيق كفاءة عالية في التشغيل، وتقليل الفاقد الكهربائي، والحد من الانبعاثات الكربونية، مُشيرًا إلى أن تنفيذ المشروع سيوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى حوالي 250 ألف فرصة غير مباشرة، مما يساهم في تحريك سوق العمل المحلي، ويُعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
اقرأ أيضًا: ترامب يعلن رفع العقوبات عن سوريا بعد مشاورات مع السعودية وتركيا
تأثير شامل على مختلف القطاعات
في تعليقه على هذا التطور، اعتبر الدكتور سيد قاسم، الخبير في الاقتصاد الكلي، أن هذه الاتفاقيات تُشكل لحظة فارقة في مسار الاقتصاد السوري، لأنها لا تعالج فقط نقص الكهرباء، بل تعكس تحولاً حقيقياً في الرؤية الاقتصادية العامة للدولة، وأوضح أن الاتفاقيات تعني بداية جديدة للاعتماد على الاستثمار طويل الأجل، بدلاً من الحلول المؤقتة التي اتبعت على مدار سنوات، مشيراً إلى أن التحول من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة التخطيط الاستراتيجي يفتح الأبواب أمام استثمارات جديدة في قطاعات أخرى.
الدكتور قاسم أكد أن إنتاج 5000 ميغاواط من الكهرباء سيُحدث نقلة كبيرة في تلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة، خاصة مع بدء تعافي بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية. وأضاف أن المشاريع لن تحل فقط الأزمة السكنية الناتجة عن انقطاع الكهرباء المتكرر، بل ستؤثر أيضاً بشكل إيجابي على القطاع الصناعي الذي يعتمد بشكل أساسي على استقرار الطاقة، كما أن تنفيذ هذه المشاريع في مناطق متنوعة جغرافياً مثل دير الزور وحمص وحماة، سيساعد في توزيع التنمية بشكل أكثر توازناً، ويقلل من التفاوت بين المناطق.
وأشار إلى أن إدخال الطاقة الشمسية ضمن هذه الاتفاقيات هو خطوة ذكية على المستويين الاقتصادي والبيئي؛ فالاعتماد على مصدر متجدد ومستقر مثل الشمس في منطقة تتمتع بساعات إشعاع مرتفعة على مدار العام يتيح خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل، ويُقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد أو المكرر محلياً، والذي بات مكلفاً وصعب الوصول إليه في ظل العقوبات المفروضة على البلاد.
أبعاد سياسية وضرورة إصلاحات مرافقة
لفت الدكتور قاسم إلى البُعد السياسي الذي تحمله هذه الاتفاقيات، معتبراً أن توقيعها بحضور ممثل رسمي من الولايات المتحدة تطور بالغ الأهمية، ويشير إلى تغير في الخطاب الدولي بشأن التعامل مع الوضع السوري. وأضاف أن هذه المشاركة تعني فتح نافذة لتعاون دولي أوسع، قد يشمل لاحقاً مؤسسات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، خاصة إذا أثبتت الحكومة السورية جدية في تنفيذ المشاريع بشفافية ووفق المعايير الدولية.
ودعا الدكتور قاسم إلى ضرورة استكمال هذه الخطوة المهمة بإصلاحات تشريعية وقانونية تحفز بيئة الاستثمار، وتزيل العراقيل البيروقراطية أمام المستثمرين المحليين والأجانب. وشدد على أن نجاح المشاريع لن يتحقق تلقائياً، بل يتطلب متابعة دقيقة، وضمانات تنفيذ حقيقية، وآليات رقابة فاعلة، كما أوصى بتوسيع خارطة الاستثمارات لتشمل قطاعات أخرى مثل النقل والمياه والتعليم، باعتبارها ركائز أساسية لأي عملية إعادة إعمار شاملة ومستدامة.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “هكذا ترسم الاتفاقيات الجديدة ملامح مرحلة جديدة في الاقتصاد السوري، قوامها الاستثمار في البنية التحتية، والانفتاح على الشراكات الدولية، والتحول نحو اقتصاد إنتاجي يُعتمد فيه على المعرفة والتكنولوجيا والطاقة المستدامة، بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع والانهيار المؤسسي”.
قد يهمّك أيضًا: ما أسباب الصراع الإقليمي والدولي على سوريا؟