استحواذ باراماونت على وارنر براذرز.. تمويل خليجي وانسحاب صيني
تشهد صفقة الاستحواذ التي تتقدم بها شركة باراماونت سكاي دانس لشراء عملاق الإعلام وارنر براذرز ديسكوفري منعطفاً جديداً، بعدما كشفت إفصاحات تنظيمية عن دخول ثلاثة من أكبر الصناديق السيادية في المنطقة من السعودية والإمارات وقطر لدعم التمويل عبر ضخ رؤوس أموال تمنح في صورة أسهم بلا حقوق تصويت، ودون أي تمثيل إداري.
في الوقت نفسه أعلنت شركة تينسنت الصينية انسحابها من الصفقة، رغم تعهدها سابقاً بتوفير مليار دولار ضمن تمويل الاستحواذ، وترى باراماونت أن خروج تينسنت خطوة أزالت واحدة من أعقد العقبات أمام الصفقة، لأن وجود طرف صيني كان سيجعل لجنة الاستثمار الأجنبي الأمريكية CFIUS تفتح تحقيقاً موسعاً حول تأثير الصفقة على الأمن القومي، أما الآن ومع غياب العنصر الصيني واعتماد الصناديق الخليجية نموذج الاستثمار دون تصويت، أصبح هناك فرص تمرير الصفقة دون تدقيق ثقيل أو تأخير طويل أقرب إلى الواقع.
تفاصيل الصفقة ودور التمويل الخليجي
تشير الوثائق التي جرى الكشف عنها إلى أن الدعم المالي يأتي من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) وجهاز قطر للاستثمار (QIA) وشركة العماد القابضة التابعة لحكومة أبوظبي، إلى جانب أفينتي بارتنرز المرتبطة بجاريد كوشنر. ووفق الصيغة المعتمدة، فإن هذه الجهات لن تمتلك قدرة على التأثير في إدارة وارنر براذرز، ولن يكون لها دور في رسم السياسة التحريرية أو القرارات التشغيلية الكبرى، وهذه نقطة جوهرية تخفف الغضب السياسي الأمريكي عندما يتعلق الأمر باستثمارات حكومية في قطاع إعلامي بالغ الحساسية.
وتبرز شركة العماد القابضة كاسم جديد نسبياً في المشهد الاستثماري الإماراتي، فرغم أن أبوظبي تمتلك شبكة ضخمة من الصناديق السيادية العريقة، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة والقابضة (ADQ)، إلا أن الشركة لم تكن معروفة على نطاق واسع قبل دخولها هذه الصفقة، غير أنها أثبتت خلال الفترة الأخيرة أنها لاعب صاعد، بعدما استحوذت في أكتوبر على حصة مسيطرة من شركة مدن القابضة، في صفقة بلغت قيمتها نحو 15 مليار دولار، تم شراؤها من صندوق القابضة وشركة انترناشونال هولدينغ التابعة للشيخ طحنون بن زايد آل نهيان.
اقرأ أيضًا: الإمارات تنافس أوروبا في القارة الإفريقية
لماذا ترى باراماونت أن عرضها يتفوق على نتفليكس؟
قدمت باراماونت سكاي دانس عرضاً ضخماً بقيمة 108.4 مليار دولار للاستحواذ على وارنر براذرز ديسكوفري، في محاولة لقطع الطريق على نتفليكس وبناء قوة إعلامية قادرة على منافسة عملاق البث المباشر.
العرض الذي يبلغ 30 دولاراً للسهم يعتمد على تمويل متنوع من عدة جهات، بينها شركة أفينيتي بارتنرز التابعة لجاريد كوشنر، بالإضافة إلى الصناديق الخليجية الثلاثة، ويحظى كذلك بدعم عائلة إليسون، حيث يعتبر لاري إليسون -ثاني أغنى رجل في العالم- أحد أبرز الداعمين للصفقة، بفضل ارتباطه المباشر بـ “باراماونت” وعلاقاته الواسعة داخل البيت الأبيض حسب وكالة رويترز.
وقالت باراماونت إن عرضها يمنح مساهمي وارنر مزايا تفوق تلك التي قدمتها “نتفليكس”، بما فيها 18 مليار دولار نقداً إضافية، إلى جانب سهولة أكبر في الحصول على الموافقات التنظيمية. كما تؤكد الشركة أن اندماج الكيانين سيشكل واحدة من أكبر الصفقات الإعلامية في التاريخ، وسيكون له أثر إيجابي على الصناعات الإبداعية ودور العرض والجمهور، عبر تعزيز المنافسة وخفض تكاليف الإنتاج وتوسيع نطاق المحتوى.
ومع غياب تينسنت وابتعاد أي عنصر صيني عن الصفقة، ترى باراماونت بأن عملية الاستحواذ ستتقدم بوتيرة أسرع، وبتدخل أقل من الجهات الرقابية الأمريكية التي تتابع الصفقات الأجنبية بدقة في قطاعات مثل الإعلام.
تأثير خروج تتينسنت من الصفقة
في تعليقها على الصفقة، قالت الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس إن مشاركة الصناديق الخليجية في هذا النوع من الصفقات تعكس تحولاً استراتيجياً نحو القطاعات الأكثر تأثيراً على تشكيل الرأي العام وصناعة الثقافة. وأوضحت أن اختيار التمويل دون حقوق تصويت يشير إلى إدراك عميق بطبيعة البيئة السياسية الأمريكية، وتجنب متعمد لأي تأثير قد يتم تفسيره على أنه تدخل حكومي خارجي في صناعة الإعلام.
وأضافت رمسيس أن خروج تينسنت لعب دوراً محورياً في تسريع خطوات الصفقة، وأن دخول الإمارات كشف رغبة واضحة في بناء أذرع استثمارية جديدة تتعامل مع القطاعات ذات الحساسية العالية بثقة وحرفية، وترى أن صناعة الإعلام الأمريكية تمر بمرحلة صعبة بسبب التراجع الإعلاني وارتفاع الديون، ما يجعل الصناديق الخليجية شريكاً مثالياً يقدم التمويل دون خلق صدامات سياسية أو مؤسسية.
واختتم الخبيرة تصريحاتها مؤكدة أنَّ ما يجري قد يصبح نموذجاً لصفقات مستقبلية تجمع بين الحاجة الأمريكية لرأس المال، ورغبة دول الخليج في تنويع استثماراتها وتثبيت حضورها في قطاعات تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي، لتدخل إلى مجالات الإعلام والترفيه والتكنولوجيا بثقل عالمي متزايد.
قد يهمّك أيضًا: “لعبة الحبار”.. هل يخسر أسطورة الدراما الكورية رهانه الكبير؟
